(عبيد بلا أغلال) (27) (تجليات أزمة الهوية سياسيا)

1 view
Skip to first unread message

مجموعة الدكتور حاكم المطيري

unread,
May 19, 2011, 8:09:09 AM5/19/11
to hakemal...@googlegroups.com

(عبيد بلا أغلال)

(27)

 (تجليات أزمة الهوية سياسيا)

                                                                   بقلم د0 حاكم المطيري

Omma...@yahoo.com

 

تجليات أزمة الهوية لشعوب الخليج والجزيرة العربية:

كان لكل ما سبق ذكره من أحداث سياسية كبرى على يد الحملة الاستعمارية الصليبية على الجزيرة العربية آثاره العميقة في خلق أزمة هوية للمنطقة وشعوبها، بدت تجلياتها على جميع الأصعدة وفي كل المجالات ومنها الصعيد السياسي على النحو التالي:

أولا : تجميد النخب الحاكمة :

فإذا كان قيام أنظمة الحكم بشكل طبيعي يرتبط إلى حد كبير بالمجتمع وحيويته، وقدرته على فرز قياداته، وارتباط بروز النخب الحاكمة بتطور المجتمع وصراع القوى الحية فيه، حتى إذا ضعفت هذه النخب تجاوزها المجتمع وأفرز غيرها، وفق سنن البقاء للأصلح والأقدر على القيادة، فإن ما جرى في الخليج والجزيرة العربية يختلف اختلافا جذريا، حيث تم بقوة الاستعمار تعطيل التطور الاجتماعي والسياسي الطبيعي في المجتمع الخليجي، وتجميد الأسر الحاكمة التي جاء بها الاستعمار، حيث أدرك المسئولون البريطانيون بعد تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات، ليسهل السيطرة عليها، أنهم خلقوا مشكلة خطيرة، سيكون لها تداعياتها على المدى البعيد، حيث لم يراع الاستعمار الأجنبي مصالح شعب المنطقة الواحد، ولا الوحدة الجغرافية لأقاليمه، بل تم تقسيمها بشكل عبثي فوضوي، مما أدى إلى تفاقم أزمة الهوية، وكما يقول فرومكين:

(إن بريطانيا بحمايتها عبد الله بن الحسين، إنما جزأت في الواقع عالم عرب الصحراء بين أسرتين مالكتين متخاصمتين، وجعلت من الحدود الأردنية خط التجزئة، والبلدان اللتان لا تزال تسميتهما تدل على أنهما ملك عائلي، هما المملكة العربية السعودية، والمملكة الأردنية الهاشمية، والخط الدولي لا يزال هو خط التجزئة بين أسرتي شبه الجزيرة العربية المالكتين) [1].

وقد كان لهذا الواقع - الذي فرضه الاستعمار البريطاني الفرنسي للمنطقة العربية ولخريطة الشرق التي اشترك البريطانيون والفرنسيون في تقسيمها وترسيمها على هذا النحو - تداعياته الخطيرة حيث لم تستطع كل هذه الدويلات المصطنعة أن تعبر عن هوية الشعب العربي في الجزيرة العربية، لا هويته القومية العربية، ولا هويته الدينية الإسلامية، ولم تستطع إيجاد هوية بديلة، وكان الحال كما قال فرومكين:

(وهكذا فإن بريطانيا، شأنها شأن فرنسا في منطقة نفوذها في الشرق الأوسط، أنشأت دولا، وعينت أشخاصا يحكمونها، ورسمت حدودا فيما بينها، وقد عملت معظم ذلك في سنة 1922م، لقد تحقق للدول الأوربية ما أرادت أن تفعله منذ زمن طويل، أي أن تأخذ بأيديها المصائر السياسية لشعوب الشرق الأوسط ... وفي كل مكان من العالم أدى الاحتلال البريطاني إلى تدمير البنى السياسية لأهالي السكان الأصليين، وإبدالها ببنى جديدة ذات أشكال أوربية، والإدارة الحكومية كانت على نمط أوربي، وبموجب قوانين أوربية، ووفقا لمفاهيم أوربية، ومع ذلك ثمة تساؤل عما إذا كان الاحتلال الأوربي سيحدث في الشرق الأوسط ما أحدثه في أمكنة أخرى من أثر عميق ودائم، وسبب هذا السؤال ليس فقط لأن الشرق الأوسط منطقة حضارات عريقة، يفخر بها أصحابها، ومعتقدات عميقة الجذور في الماضي، بل لأن التغييرات التي تقترح أوربا إدخالها هي من العمق بمكان بحيث يجب أن تمر أجيال قبل أن تضرب هذه التغييرات جذورها في الأرض) [2].

لقد تم تغييب شعوب المنطقة - بل شعبها الواحد - عن تقرير مصيرها وتم تهميش إرادتها، وفرض الاستعمار عليها ليس فقط حكومات كان هو الذي أوجدها وأقامها ودعمها بكل إمكانياته المادية والعسكرية، بل وفرض هوية لم يكن لها قبل ذلك أي وجود، لقد تم خلق هويات قطرية ووطنية زائفة - وتم نسبتها إلى أسرة أو مدينة أو جزيرة أو أقليم - لشعب واحد لا يرى في هذه النسبة أي مدلول تاريخي أو ثقافي أو قومي يعبر عن هويته، وتم تقسيم القبيلة والأسرة الواحدة بين عدة دول، وكما يقول المؤرخ العربي بشير نافع (لقد ترك هذا التطور أثرا بالغا على أنماط الاجتماع والهوية في العالمين العربي والإسلامي، ولأن هذا التطور قد فرض أصلا على المنطقة بفعل السيطرة الاستعمارية المباشرة، ولم يكن للشعوب العربية والإسلامية دور ملموس في صياغته، فقد تسبب في ولادة نظام الدولة الحديثة في بلاد مثل العراق، وسوريا، والأردن، والسعودية، والكويت، في إيقاع اضطراب هائل في حياة شعوب هذه البلدان، أدخل نظام الدولة الحديثة مفهوم الجنسية الحصرية، وجواز السفر، والقيود على التنقل عبر الحدود.... وفجأة وجدت عشائر كشمر وعنزة نفسها قد انقسمت بين دول كسوريا والعراق والكويت والسعودية، وأن هذا الانقسام يتطلب حمل جنسيات مختلفة ويفرض قيودا قاطعة على تحركها عبر الحدود .... إن النظام الجديد يتطلب منهم الولاء لدول لا تعبر بالضرورة عن هويتهم الثقافية ولا تشبع حاجات هذه الهوية، هذا التمايز والافتراق ولد اضطرابا عميقا وعواقب إنسانية باهضة، في حياة أبناء العشائر العربية على جانبي خط الحدود)[3].

لقد دفعت القبيلة العربية، والأسر العربية، والشعب العربي الواحد، ثمنا باهضا جراء الخريطة الاستعمارية الصليبية، فصار الجميع يتطلع إلى قيام الدولة العربية الواحدة، وما يزال هذا الحلم قائما تعبيرا عن رفض هذا الواقع، وعدم الإيمان بمشروعيته!

لقد ترتب على هذا الواقع الذي فرضه الاستعمار أوضاعا كارثية تمثلت في:

1-    أنه جمد - كما يقول أستاذ علم الاجتماع خلدون النقيب - القيادات والحكم في أيدي من وقعوا على المعاهدات، ثم بيد ورثتهم من بعدهم، ومن دخل تحت الحماية البريطانية منهم، كما أدى إلى توسيع سلطة الحاكم نفسه ومن جاء بعده، فقد كانت سلطة الشيخ قبل ذلك محدودة، إذ الولاء السياسي لم يكن مرتبطا بالأرض بل بالبشر، ولذلك كانت البيئة والحالة الطبيعية تضع قيودا على سلطة الشيخ، تتمثل في القدرة على الارتحال من بلده والانتقال إلى مكان آخر عند نشوب نزاع مع الشيخ، وإمكانية التمرد عليه وخلعه عند الخلاف معه من قبل الفئات الاجتماعية القوية، فضمنت المعاهدات البريطانية للأسر الحليفة لها استمرار الحكم فيها لتعطل بذلك دورة وحركة التطور السياسي الطبيعي في المجتمع من خلال التدخل المباشر لفرض سلطة هذه الأسر(إن أهم نتائج انهيار الحالة الطبيعية في مجتمع الخليج والجزيرة هي توقف دور النخبات القبلية، وتبلور نظام الحكم السلالي - الوراثي - في المنطقة، كنتيجة طبيعية للنفوذ الأجنبي، إذ لم يقتصر تأثير المعاهدات على حفظ السلام بين المشايخ والأمراء، وإنما أدت إلى تثبيت سلطتهم، والاعتراف بشرعية سيادتهم على مناطقهم وشعوبهم - التي لم يكن لهم عليها أصلا أي نفوذ أو سلطة قبل تحالفهم مع الاستعمار - كأسر حاكمة، فلم يعد ظهور واختفاء الأسر الحاكمة مرتبطا بالدورة السلالية التي تكلم عنها ابن خلدون - التي قد تصل من ثلاثة إلى أربعة أجيال - أو مرتبطا بانتعاش أو انحسار التجارة والحالة الاقتصادية، بل بالمعاهدات التي وفرت لهم ولأسرهم الحاكمة الحماية الكاملة من شعوبهم ومنافسيهم من الشيوخ الآخرين، وقد تدخلت بريطانيا أكثر من مرة لحماية الحكام في المنطقة، ففي عام 1861م أعادت بريطانيا في مسقط السلطان المخلوع إلى عرشه، وقامت بتوفير الحماية له من جيوش الإمام الإباضي، كما قامت ثلاث مرات بإنقاذ حكم آل خليفة في البحرين..)[4]، وكذا بالتدخل بالدعم المالي حين تواجه هذه الأسر عجزا ماليا، كما حدث ما بين سنة 1940-1942م حين تحملت الولايات المتحدة دفع ميزانية المملكة السعودية، وأعلنت بأن الدفاع عنها يمثل مصلحة حيوية لها، مما سمح بالتحويلات المالية الرسمية من خزانة الولايات المتحدة إلى السعودية مباشرة[5].

لقد أصبح الواقع السياسي اليوم لشعوب الخليج والجزيرة العربية يرضخ للإرادة الاستعمارية التي تعهدت للحكومات التي أوجدتها بضمان الحكم الوراثي لها ولمن جاء بعدها على حساب حقوق شعوبها، ولو أدى ذلك إلى شن الحروب ضد الشعوب نفسها لتظل تحت سيطرة تلك الحكومات، وكما يقول المؤرخ الفرنسي جان بيربي(ونتيجة لتعهداتها القديمة التي تفرض عليها حماية علاقاتها وامتيازاتها، ترى بريطانيا نفسها مضطرة لحماية استقلال إمارات ومشيخات رجعية التركيب، في الوقت الذي يتطور فيه رعاياها بسرعة مذهلة ويفتحون عيونهم على ما يجري حولهم، وأي ضعف أو تهاون في المساندة البريطانية معناه انهيار نظام قائم على بضعة أشخاص مخلصين للصداقة البريطانية، وللاحتفاظ ببترول الخليج والأرباح الطائلة التي يدرها، تجد بريطانيا نفسها ملزمة أكثر فأكثر في وجوب تقديم مساندة مسلحة لكل أصدقائها في الخليج، مهما كانت نوعية تلك الدواعي، لقد عزمت وقررت نهائيا أن تربط بها مصير جميع الإمارات والمشيخات العربية الواقعة على الخليج العربي، دون أن تأخذ بعين الاعتبار كبر هذه الكيانات أو صغرها، وإنتاجها النفطي، وإمكاناتها الحياتية، في هذه المنطقة التي لا حدود لها فاصلة) [6]، وكما يقول فرد هوليداي (لقد بقي سلطان عمان في السلطة بمساعدة أصدقائه - الغربيين - وكذا أقرانه الملكيون في الدول الخليجية لا سيما في العربية السعودية) [7].

لقد تجاوز الدور الاستعماري حد حماية الأسر الحاكمة وضمان الحكم لها، إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو التخلص من كل من يخرج حتى من هؤلاء الشيوخ أنفسهم وعزلهم، واختيار غيرهم من داخل الأسرة، كما يقول الدكتور والسياسي المخضرم أحمد الخطيب وهو يتحدث عن دور بريطانيا في ترسيخ حكم أتباعها في المنطقة(فهم - أي الإنجليز - حكام المنطقة بلا منازع، ومشايخ المنطقة يعلمون أن بقاءهم في السلطة مرهون برضا المعازيب عنهم، وإلا فإنهم سيلاقون مصير سعيد بن تيمور، وشخبوط، وبعض حكام البحرين الذين تمت إزالتهم، فالحركة الإصلاحية في البحرين سنة 1956 قام النظام بضربها بشدة بمشاركة المستشار البريطاني، وهي التي قامت بنقل المساجين بسفنها الحربية إلى المنفى، كذلك تعرضت الحركة الإصلاحية في دبي لمجزرة بشعة أمام أنظار السلطة البريطانية الحاكمة دون أن يهتز لها ضمير، حيث قام حاكم دبي بدعوة أعضاء المجلس المنتخب لحفلة زواج ابنه ولما حضروا الحفل أمر قواته بإطلاق النار عليهم، فأرداهم قتلى برضا السلطات البريطانية ومباركتها، والحركة الإصلاحية في الكويت عام 1938 ضربت بتشجيع من السلطات البريطانية، وسمحت بدخول قوات من السعودية لمساعدات السلطات في ذبح هذه الحركة، فبقاء هذه الأنظمة هو قرار بريطاني يضمن مصالح بريطانيا في المنطقة)[8].

إن خطورة تجميد النخب الحاكمة يكمن في فتح الباب أمام العاجزين عن الحكم ليصلوا إلى السلطة لا لشيء إلا لأنهم أبناء الشيخ أو الملك مهما كانوا فاقدين لمهارات الحكم وإدارة شئونه، وهو ما انعكس سلبا على دول المنطقة حيث تعيش مع ثرائها النفطي حالة من التخلف والإعاقة السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية، وهو ما يفضي بالنهاية إلى ضعف الدولة وانهيار المجتمع، في ظل أنظمة حكم سلالية وراثية لا يد لها في تقرير مصيرها، فضلا عن مصير شعوب المنطقة، فليس الأقدر والأصلح هو من يصل للحكم، بل الأكثر طاعة وخضوعا للاحتلال، وهو ما يفسر الضعف الواضح الجلي، وتدني المستوى الفكري والثقافي، والعجز الكامل الذي يتصف به أكثر الشيوخ والملوك في المنطقة، حيث لا يوجد أي مؤهل لترشيحهم للحكم إلا إرادة الاحتلال الأجنبي!



[1] ولادة الشرق 577 .

 

[2] ولادة الشرق 629.

فديفيد فرومكين يدرك ـ أكثر من المسلمين أنفسهم ـ مدى خطورة التغييرات العميقة التي أحدثتها الحملة الصليبية الاستعمارية التي أسقطت الخلافة والدولة الإسلامية، وأقامت مكانها دويلات الحملة الصليبية التي تعبر عن إرادة الاستعمار وما يريده أكثر من تعبيرها عن إرادة الأمة وشعوبها، ويرى أن تلك التغيرات لن يكتب لها البقاء لأنها مصادمة لحقائق الدين والتاريخ والجغرافيا والديمغرافيا التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن الأمم والدول التي تعبر عن هويتها!

 

[3] تاريخ العراق لبشير نافع فصل عروبة العراق ص 29 نسخة مصورة.

 

[4] المجتمع والدولة لخلدون النقيب ص95-100 بتصرف يسير واختصار.

[5] انظر المصدر السابق حاشية ص 99.

 

[6] جزيرة العرب لجان جاك بيربي 229.

[7] دراسات في الشرق أوسطية ص 92 .

 

[8] الكويت من الإمارة إلى الدولة للخطيب ص 204.

 

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages