(عبيد بلا أغلال)
(26)
(إقامة بريطاني لدويلات الخليج العربي وقمع الثورات الشعبية فيها)
بقلم د0 حاكم المطيري
ظهور البحرين وقطر:
كانت مدن ساحل الخليج العربي كالقطيف، وقطر، وجزيرة البحرين، تتبع هجر والإحساء منذ دخولها في الإسلام، ثم مدة عهد الخلافة الراشدة، فالخلافة الأموية، فالخلافة العباسية في بغداد، ثم الخلافة العباسية في مصر المملوكية.
وفي عام 922هـ استولى البرتغاليون على البحرين، والقطيف، وقطر.
وفي عام 943هـ جهز السلطان سليمان بن سليم القانوني أسطولا بقيادة سليمان باشا وزير مصر، لمحاربة البرتغاليين، فسار في سبعين سفينة مسلحة بالمدافع الضخمة، ومعه عشرون ألف جندي، فطرد البرتغاليين من عدن، ومسقط، والبحرين، وقطر، والقطيف.
وفي سنة 963هـ جهز السلطان سليمان القانوني جيشا لفتح الإحساء بقيادة محمد باشا فروخ ففتحها، فتم للدولة العثمانية السيادة على جميع جزيرة العرب، التي كانت تتبع للخلافة العباسية في عهدها المملوكي بمصر.
وفي سنة 1080هــ استولى بنو خالد على الإحساء، والقطيف، وما جاورها، برئاسة آل مسلم، وقامت إمارة ابن عريعر التي امتدت من عمان إلى البصرة مدة قرن تقريبا.
وفي سنة 1208هـ استولى عبد العزيز بن محمد بن سعود على قطر، بعد سيطرته على الإحساء.
وبعد سقوط الدرعية، صارت قطر تحت نفوذ آل خليفة شيوخ البحرين.
وفي سنة 1267هـ استولى فيصل بن تركي على قطر، وجعل فيها حامية، وفر ابن الخليفة إلى البحرين، ولما استعادت الدولة العثمانية سلطتها على الإحساء ثانية سنة 1288هـ استولت على قطر، وجعلت فيها حامية، وصارت قائمقامية عثمانية، تابعة لمتصرفية الإحساء، يتم إرسال حاكم شرعي لها كل سنتين ونصف، واستمر الوجود العثماني في قطر إلى سنة 1310هـ، وقد جعلت الدولة العثمانية قاسم بن محمد آل ثاني قائمقاما، وكان يدين بالطاعة للخلافة في اسطنبول[1].
وكما يقول لوريمر (فيما بين سنة 1872 - 1876 على طول الساحل الغربي للخليج العربي ظلت الأمور هادئة، وظل الأتراك مسيطرين على الإحساء، بينما لم يكن لبريطانيا سوى اتصالات قليلة، كما لم تنشأ أي علاقات بأي سلطة محلية في المنطقة إلا بشيخ البحرين، فقد بلغ وقوع البحرين تحت النفوذ البريطاني حدا جعل شيخها يتعود تنفيذ نصائح الحكومة البريطانية في الشئون الخارجية، كما كان يعتمد عليها في توفير الحماية له ضد أي هجوم من الخارج، وفي سنة 1874 تهددت البحرين بغزو البدو من ناحية قطر، لكن البحرية البريطانية قامت بمناورة رادعة صدت الهجوم، وفي السنة التالية استجاب شيخ البحرين لنصح بريطانيا، وفصل مصالحه عن مصالح سكان البر القطري، وكان ما يزال يزعم لنفسه حق السيادة عليه، وفي سلطنة عمان كما في البحرين ازداد نفوذ بريطانيا، وأصبحت علاقة ممثليها بالسلطة المحلية هناك وثيقة، وقد كان وصول المدد البحري البريطاني للسلطان متأخرا فلم يحل دون إذعانه لمطالب قوة متمردة من البدو هددت مسقط سنة 1874، ولكن بعدها بشهر قامت السفن البريطانية بقمع ثورة حدثت في إقليم الباطنة، وأرغمت المتمردين على التراجع) [2].
التدخل البريطاني لتنصيب عيسى بن خليفة على البحرين :
وقد كانت بريطانيا قد فعلت في البحرين ما فعلته بعد ذلك في الكويت حين رفض محمد الصباح توقيع معاهدة حماية معها لكونه قائمقاما عثمانيا، فقامت بتحريض أخيه مبارك عليه وترتيب الانقلاب الذي أودى بقتل مبارك لأخويه، ثم توليه مشيخة الكويت وتوقيعه مباشرة معاهدة حماية مع بريطانيا، وكذا ما فعلته مع شيخ المحمرة في الأحواز العربي الشيخ خزعل الذي اغتال أخيه مزعل، ووقع معاهدة حماية مع بريطانيا، وكما يقول دكسون (إن الشيخ عيسى بن خليفة مدين للبريطانيين بتوليه الحكم، لأنهم نصروه ضد فرع آخر من العائلة أعلى مقاما ظلوا يحاولون الاستيلاء على الحكم، ولم يوقع البريطانيون معاهدة ملزمة مع البحرين إلا سنة 1867م زمن الشيخ عيسى الذي ظل يحكم إلى سنة 1924م، حين عزله الوكيل البريطاني الميجر دالي الذي كان يأتمر بأمر حكومة الهند، وعين ابنه حمد خلفا له الذي ظل في الحكم إلى سنة 1942م) [3].
وقد قام كوكس في فبراير سنة 1905م بمحاصرة البحرين بثلاث سفن حربية، ووجه مدافعه نحو الجزيرة، وهدد بقصفها إذا لم يستجب الشيخ عيسى بن علي للشروط المفروضة من قبل المقيم السياسي وحكومة الهند، والتي تتضمن نفي الشيخ علي بن أحمد، ومعاقبة بعض رجال الدين المؤيدين للشيخ في طلب استقلاله عن النفوذ البريطاني، لمنع أية معارضة قد تكون بداية لجهاد إسلامي ضد الإنجليز[4].
وهو الجهاد الذي كان الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد الثاني يهدد أوربا بإعلانه في حال شنت الحرب على الدولة العثمانية.
فرض القوانين الوضعية في دويلات الخليج العربي :
وكما نجحت بريطانيا في خلق كيانات سياسية في الخليج العربي على غير أساس طبيعي، كذلك نجحت في فرض نظمها وقوانينها الوضعية، وإقصاء الشريعة لإسلامية التي كانت هي أساس القضاء في كل أقاليم الدولة العثمانية قبل دخول الاستعمار الأجنبي، وقد فرضت بريطانيا على البحرين سنة 1909 منح صلاحيات لمعتمدها السياسي في البحرين بتطبيق قانون المحاكم الخاصة بالأجانب، ثم تطور بإدخال النظام والقانون القضائي البريطاني المدني، والذي تم صياغته لتطبيقه على محميات بريطانيا في سواحل الخليج العربي، والذي تأخر تطبيقه بسبب الحرب العالمية الأولى إلى سنة 1919، ولم تجد محاولات شيخ البحرين ورفضه هذا القانون شيئا، وقد حاول أن يجعل من صلاحياته اختيار القضاة تبعا لنظام المحاكم الشرعية، دون تدخل المعتمد أو المقيم البريطاني(وقد رفضت بريطانيا ذلك محتجة بأنها هي الذي عينتهم شيوخا على البحرين، وما كان ذلك ليحقق لهم لولا بريطانيا، ولأن الشيخ استغل موارد البحرين لمصلحة آل خليفة، ولمصلحة أسرة أو أسرتين من العائلات العربية فيها) [5].
وقد صدر أمر باسم ملك بريطانيا الملك جورج بتطبيق ذلك القانون، وتضمن بنودا مدونة في خمسين ورقة جاء في مقدمتها(بناء على الصلاحيات الملكية الناتجة عن المعاهدات والامتيازات التي تعطي صاحب الجلالة الملك حق إقامة النظام القضائي في البحرين، لذا وبناء عليه فإن صاحب الجلالة يعتمد في تطبيق هذا القانون على النظام الخاص بالقانون الأجنبي)[6].
وهذه الصلاحيات التي ثبتت لملك انجلترا جورج الخامس هي بناء على معاهدات الحماية التي تجعل المحميات مستعمرات تابعة للتاج البريطاني، والتي وقعتها كل مشيخات الخليج العربي مع بريطانيا من عمان وإمارات الساحل جنوبا، مرورا بالبحرين وقطر والرياض، وانتهاء بالكويت شمالا!
التغيير البريطاني لديمغرافيا الخليج العربي :
لقد وجدت بريطانيا أن وجودها في المنطقة وسيطرتها عليها مرهون بتغيير تركيبتها السكانية بما يخدم مصالحها الاستعمارية، وقد وجدت بأن المشكلة الرئيسة مع العالم الإسلامي الذي يؤمن بالخلافة العثمانية، ويرفض الاحتلال الأجنبي هو في شيوع مفهوم الجهاد، وبسببه واجهت بريطانيا أشرس الحروب في الهند وأفغانستان تحت راية الجهاد من قبل المسلمين السنة، ولهذا دعمت بريطانيا الحركة القاديانية في الهند، لنبذها مفهوم الجهاد، ورفضها استخدام العنف ضد الاحتلال الأجنبي، وقد وضعت بريطانيا سنة 1871م قانونا جنائيا لمواجهة الثورة في الهند يخول للسلطات احتجاز القبائل الخارجة على القانون، أو حصارها في معسكرات خاصة وفرض الإقامة القسرية عليها، أو نفيها وتهجيرها.[7]
كما مارست التهجير للسكان كما فعلت في جزيرة (دييغو غارسيا) لتتخذها قاعدة عسكرية لها، وقد مارست كل هذه الجرائم مع القبائل العربية في الخليج والجزيرة العربية، كما فعلت مع قبيلة العجمان، ثم مع قبائل الأخوان، وقبيلة آل بوعلي..الخ.
وقد وجدت بريطانيا في الخليج العربي حسا إسلاميا طاغيا يقف مع الخلافة العثمانية ضدها، وبعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة، وتقسيم المنطقة وخضوعها للاحتلال البريطاني، تنامى الحس الإسلامي والعربي الوطني ضد هذا الوجود، وهو ما زاد خشية بريطانيا على نفوذها في ساحل الخليج العربي، فاتبعت أسلوب التغيير السكاني بما يخدم مصالحها كما جرى في جنوب أفريقيا، وكان المسئولون البريطانيون بعد احتلال العراق في الحرب العالمية الأولى قد اقترحوا استجلاب الهنود إلى العراق لاستصلاحه زراعيا، وتأمين وجودهم عسكريا، إلا أنهم نفذوا هذه السياسة في ساحل الخليج العربي الذي يعاني فقرا سكانيا، ففتحوا الهجرة أمام الهنود إلى ساحل عمان والإمارات العربية، وأمام الإيرانيين، خاصة الشيعة لعدم إيمان أكثرهم بمفهوم الجهاد حتى يخرج المهدي ويقيم الدولة، وهو ما شجع بريطانيا على فتح باب الهجرة لهم إلى الخليج، والتي زادت بشكل كبير بعد الحرب العالمية الأولى خاصة بعد سنة 1920م إلى الكويت والبحرين.
تهجير قبيلة الدواسر من البحرين :
وكان من نتائج فرض القوانين البريطانية على البحرين ظهور أزمة قبيلة الدواسر سنة 1923م التي تم التضييق عليها وتهجيرها من البحرين مع أنها (أكبر القبائل في المنطقة ومن أكثر القبائل العربية المتنفذة جاها وثراء في البحرين، برغم اعترافهم بسلطة شيخ البحرين، إلا أنهم كرهوا عدم المشاركة في إدارة الأمور الداخلية وسياسة البلاد الخارجية، ورفضوا أنظمة وقوانين حكومة الهند البريطانية التي تفرضها على البحرين في شئون القضاء والضرائب، وطالبوا بإدخال إصلاحات حديثة على أنظمة الغوص والمالية والشرطة والتعليم) [8].
وقد توجه الدواسر في هجرتهم إلى الدمام واستقروا فيها قريبا من بلدهم البحرين، ووجدوا دعما من ابن سعود في طلبهم للإصلاحات في البحرين والعودة إليها واسترجاع أراضيهم فيها، غير أن بريطانيا بتحريض من شيخ البحرين أرسلت سفينة حربية مقابل الدمام، ورفضت عودة القبيلة إلى موطنها في البحرين، بل وطلبت من ابن سعود أن يقوم بإجلائهم من الدمام إلى مكان أبعد، حتى لا يهددوا البحرين، وقد طلب ابن سعود منهم الخروج من الدمام إلى منطقة الجبيل، وتحت الضغط البريطاني قرر بعض الدواسر سنة 1927م العودة إلى البحرين وفق معاهدة حضرها الوكيل السياسي البريطاني في البحرين وممثلون سياسيون بريطانيون نصت على اعترافهم بالحكم في البحرين للخليفة، ومنح شيخ البحرين بتعيين رؤسائهم عليهم متى كان ذلك ضروريا، والقبول بوجود نقطة عسكرية في مناطقهم[9].
وهي شروط مجحفة حالت دون رجوع كثير منهم إلى البحرين.
لقد (كانت بريطانيا تسعى إلى فصل الدواسر عن البحرين وإبعادهم عنها إضعافا من بريطانيا للحركة الوطنية المناهضة لها).[10]
وفي مقابل تهجير القبائل والأسر العربية السنية التي رفضت الاستعمار البريطاني للبحرين، تم فتح الباب أمام هجرة الإيرانيين الشيعة، الذين ظلوا حلفاء للسلطة، وحاشية لشيخ البحرين الخاضع للبريطانيين، وهو ما سيخل في التركيبة السكانية للبحرين وإلى اليوم!
وفي الوقت ذاته استخدمت بريطانيا هذه السياسة في الكويت حيث كانت تواجه معارضة وطنية لوجودها الاستعماري، فأوعزت إلى أحمد الجابر الصباح بفتح باب الهجرة للإيرانيين الشيعة، لإحداث تغيير ديمغرافي للسكان تضمن له ولها من خلال هذه الجالية سيطرتها على المنطقة ومواجهة المعارضة الوطنية!
وهو ما سيكون له تداعياته على الواقع السياسي في الكويت، التي كانت قبل ذلك لا تعرف هذه الإشكالية، كما يقول جان جاك بيربي المؤرخ الفرنسي (الكويتيون الأصليون كلهم عرب ومسلمون سنيون).[11]
وقد تحدث خالد العدساني سكرتير المجلس التشريعي الأول سنة 1937 - 1938م، عن الدور البريطاني في خلق هذه الأزمة السياسية الديمغرافية في الكويت حيث يقول في مذكراته:
(أما المجلسيون فقد كانت وجهة نظرهم ترمي إلى صيانة الشئون الداخلية للإمارة من التدخل الأجنبي الذي يؤول حتما في آخر الأمر إلى السيطرة التامة وحرمان الوطنيين من إدارة شئونهم الذاتية طبقا لميولهم ومنافع قومهم، فالتساهل مثلا في أمر المعارف واختيار المعلمين وإرسال البعثات إلى المدارس الخارجية بغير تدبير الكويتيين واختيار المعلمين وإرسال البعثات إلى المدارس الاستعمارية، كما حدث ذلك في مصر والبحرين وغيرهما، وانتخاب الرجال الفنيين من قبل السلطة الأجنبية فمعناه جلبهم من الانكليز والهنود الذين لا يتحركون إلا طبقا لما توحيه لهم السلطة التي جلبتهم فضلا عما تكلفه رواتبهم ومخصصاتهم الضخمة من تكاليف تنوء بها مرافق الإمارة الضئيلة.
تلك كانت وجهة نظر المجلسيين ومبلغ حرصهم على الأمانة التي اؤتمنوا، ولن نتعرض للإنكليز ولا لمصالحهم المكتسبة في حدود المكاتبات والاتفاقيات المبرمة، ولكننا لا نرى لزاما علينا الرجوع إلى رأي القنصل واستشارته في الشئون الخاصة التي تتصل بأمورنا وأحوالنا الداخلية خاصة وقد كان يكرر على الكويتيين القول حتى من جانب كبار المسئولين الانكليز "إن الكويتيين مستقلون تمام الاستقلال في أمورهم الذاتية".
وقد جاءني ذات يوم أحد الشباب المتحمسين وسألني وهو يرتجف غضب: "ما بالكم وكل هذا التردد والتخوف في مواجهة الأمير وقد بدا منه ما بدا في التمنع والتلكؤ في توقيع القوانين؟"، قلت: "إن أعضاء المجلس يا صاحبي بين أمرين، إما التفاهم مع الأمير ومداراته في الشئون التي لا تمس جوهر الإصلاح فيسلموا على بلادهم وكيانهم من تدخل الانكليز الذين لا سبيل لهم إليه ما دام الراعي والرعية على وفاق، أو التفاهم التام مع الانكليز ولو ضيعوا في ذلك استقلالكم وكيانكم، وعندها يسلمون على أنفسهم وكراسيهم إلى أبد الآبدين، وقد اختار المجلسيون التفاهم مع أميرهم فان وفقوا في ذلك وفقنا جميعا إلى ما فيه سعادة الكويت وأهلها أما إذا فشلوا فقد برءوا ضمائرهم وأدوا الأمانة التي في أعناقهم وحسبكم منهم ذلك".
ذلك هو المنهج الذي اختاره أعضاء مجلس الأمة في بداية أمرهم وقد عملوا كل جهد من جانبهم للتفاهم مع الأمير على تقدم شئون بلادهم والسير بها حثيثا في مضمار الإصلاح والرقي ولكن سموه جاملهم في بداية الأمر مسايرة للظروف ...
وبينما كانت الأمور تجري على هذا المنوال شجرت فتنة بين شاب (هو منصور موسى المزيدي) من مناصري المجلس وشاب آخر إحسائيا جعفريا اشتهر بدسائسه الكثيرة ضد المجلسيين لأنه كان شريكا لعبدالله الملا في بعض المصالح المادية العديدة فاتخذ هذا الشاب الجعفري من المشاجرة الشخصية التي وقعت بينه وبين الشاب السني وسيلة لتحريض بني مذهبه ضد المجلسيين وجعل يتباكى على عادته المعروفة عند الجعفرية من الإيرانيين والاحسائيين المستوطنين قديما في الكويت، مدعيا أن اعتداءا وقع عليه بسبب مذهبه، وقد صادف هذا التحريض الباطل هوى في نفوس الإيرانيين الذين طغت عليهم نفحة القومية العربية في عهد المجلس، وحمسهم المهيجون فتوافدوا إلى الحسينية كيما يجمعوا أمرهم على رأي ويطالبوا بحقوقهم المهضومة حسب زعمهم، أما الاحسائيون وهم الجماعة الذين ينتمي إليهم الشاب الجعفري فقد تبينوا حقيقة المشاجرة التي حصلت ولم يجدوا فيها وجهاً للتعصب المذهبي المزعوم كما إنهم كانوا يعلمون حقيقة الشاب المذكور وصلاته بعبدالله الملا صالح فتبرءوا من تلك الحركة الانتهازية التي أريد لهم التورط فيها لا سيما وقد كانوا يدركون مكانتهم المحمودة عند باقي إخوانهم الكويتيين إذ كانوا من العرب الأقحاح.
أما الإيرانيون فركبوا شيطان العنصرية وعلت أصواتهم بالهتافات والتصفيق داخل الحسينية لخطبائهم الذين كانوا يحرضونهم على المظاهرات والإضراب، وأخيرا حرر أحد علمائهم المعروف كتابا إلى المجلس التشريعي يتضمن مطالبة هؤلاء بتخصيص بعض المقاعد لهم في مجلسي البلدية والمجلس التشريعي، كما طالبوا مساواتهم بالوظائف الحكومية جميعها، وكانت هذه أول بادرة من بوادر الحذر التي يخشاها الكويتيون من استفحال أمر الهجرة الإيرانية إلى الكويت، وقد عرف من نية هؤلاء أنهم يبيتون القيام بمظاهرة كبيرة وإضراب شامل ما لم ينالوا كافة مطالبهم.
لكن المجلسيون غضبوا لهذا الاستغلال الشائن بدافع النعرة العنصرية وتناسي هؤلاء عاطفة الأخوة الإسلامية وحقوق البلاد التي آوتهم فآمنتهم من خوف وأطعمتهم بعد جوع وأدركوا أن التساهل مع هؤلاء وأكثرهم من الحمالين والغوغاء قد يؤدي إلى نشوب فتنة عنصرية تكون لها نتائجها البعيدة في تاريخ الكويت، لذلك أجمعوا أمرهم إلى إهمال الكتاب المذكور وأصدروا أمرهم إلى بعض رجال القوة بالطوفان في الشوارع بالسيارات المسلحة لإرهاب من تحدثهم أنفسهم بالقيام بالمظاهرات والأعمال العدائية بينما ذهب فريق من أعضاء المجلس إلى العالم الديني الذي تطوع بعرض تلك المطالب يناقشونه في رأيه وأمر تلك المطالب التي عرضها، إذ كان يدرك أن الإيرانيين القدماء في الكويت قد دعوا كسائر الكويتيين إلى الانتخابات والتصويت فيها فلم يعترض أحد منهم في شيء لا قبل الانتخابات ولا بعدها، فماله اليوم يخرج من صفته الدينية للولوج في مثل هذه الأمور التي قد تجر إلى تفرقة وبلايا ليس من صفة أهل الدين التورط فيها؟
غير إن العالم المذكور وقد أدرك لهجة الجد اعتذر متنصلا من الحركة وقال إنه إنما طلب إليه أن يعبر بكتابه عن رغبة المجتمعين المحتشدين في الحسينية فقط، وليس له من رأي خاص في هذا الأمر. أما المهيجون فقد انكمشوا في أماكنهم لما شاهدوه من حزم سريع، واعتذر بعضهم بينما زعم آخرون أنهم إنما زج بهم في هذه الحركة بإيعازات خارجية معروفة.
وقد طاف بعد ذلك خدم القنصلية البريطانية وكانوا جميعا من الإيرانيين على جماعتهم يرغبونهم بالتجنس بالجنسية (الانكليزية الهندية) طالبين منهم رفع عرائض أجماعية إلى دار القنصلية في الكويت، وقد فهم الناس أن هؤلاء الخدم لا يمكن لهم القيام بمثل هذا العمل لو لم يكونوا بطبيعة الحال مدفوعين إلى ذلك من القنصل نفسه، وهو الذي كان يعتمد عليهم ويصغي إلى كثير من تقولاتهم ضد المجلسيين، وتهافتت العرائض بعد ذلك إلى دار القنصلية البريطانية بالمئات فالألوف من هؤلاء الإيرانيين طالبة التجنس بتلك الجنسية التي قيل لهم عنها إنها تمكنهم من نيل كثير من الامتيازات في المعاملات التجارية والحقوقية في الكويت.
ولما كان في تجنس هؤلاء جميعا وهم يبلغون ما يوازي ثلث سكان الكويت بجنسية واحدة (هي الجنسية الهندية الانكليزية) خطر عظيم على كيان الكويت والكويتيين خاصة وان تلك الجنسية تمثل الحكومة ذات النفوذ الفعلي في الكويت، فقد أثار ذلك اهتمام الكويتيين أجمع وجزعهم بما فيهم الفئة الغيورة من المعارضين أنفسهم.
لهذا تداول أعضاء المجلس طويلا في هذا الأمر ووجدوا أنهم لا يسعهم الجمود إثر هذا الخطر الداهم فقرروا علاج الأمر بوسيلتين:
الأولى أنهم أصدروا هذا القرار الجريء وأعلنوه في كل جانب من جوانب الكويت:
"كل من تثبت عليه محاولة التجنس بجنسية أجنبية يجب عليه الاستعداد لمغادرة الكويت خلال شهرين من تاريخ تلك المحاولة مع حرمانه كليا من حقوق امتهان أية مهنة أو تملك أي عقار داخل حدود إمارة الكويت"
والثانية : هو ذهاب فريق من أعضاء المجلس إلى دار القنصلية ومقابلتهم القنصل فيها حيث كشفوا له مبلغ جزع عموم الكويتيين من محاولة هذا الفريق الكبير التجنس بجنسية تمكنهم من الامتياز على الكويتيين الأصليين داخل بلادهم في كثير من الحقوق والمعاملات، وأن هذه المحاولات ربما أدت إلى نشوب فتن وحوادث ليس من صالح أحد إثارتها في مثل هذا اليوم، وأنهم من جهتهم معتمدين عدم التساهل مع هؤلاء الذين يجب عليهم الرحيل عن البلد الذي لا يرون الانسجام مع أهله الأصليين وحسن التفاهم معهم.
وقد ناقش القنصل هؤلاء الأعضاء في المطالب التي تقدم بها الإيرانيون ولماذا لا يجابون إلى ما طالبوا في المساواة؟
فلما قيل له: "إن الكويتيين لا يعترفون بحق الذين نزحوا إلى الكويت بعد الحرب العالمية في اكتساب الجنسية الكويتية أما أولئك القدامى فلهم ما لنا وعليهم ما علينا من حقوق وواجبات".
قال: "إنه لم يشجع أحدا على طلب التجنس بالجنسية الهندية ولكنه لا يسعه أن يرفض أي طلب أو عريضة أو كتاب يتقدم به صاحبه إلى دار القنصلية مهما كان موضوعه، أما الحصول على الجنسية الهندية فانه يعتقد أن ذلك ليس من السهل الحصول عليه إلا لمن تتوفر فيه الشروط الخاصة التي ينص عليها القانون الهندي". وانتهى الأمر عند هذا الحد ولكن هذا الحادث بل والتحدي زاد بطبيعة الحال من فتور العلاقات بين القنصل وأعضاء المجلس إذ انه كان الاحتكاك المباشر الأول بين الطرفين.
فلما جاء المقيم البريطاني عقيب هذه الحوادث إلى الكويت طلب أن يجتمع بلجنة تمثل المجلس بحضور سمو الأمير وسعادة رئيس مجلس الأمة فأنتدب المجلس كل من سليمان العدساني ومشاري الحسن والسيد علي السيد سليمان واجتمع الجميع بقصر الأمير الساحلي (قصر السيف) يوم 15 أكتوبر 1938 الموافق 21 شعبان 1357 وحضر الاجتماع الكابتن دكوري قنصل بريطانيا في الكويت وكان يتولى مهمة الترجمة بين المقيم البريطاني وباقي المجتمعين، وقد جرت عدة محادثات عامة كان أهمها البحث في أمر شركة الزيت إذ طلب المقيم أن يكون اتصال الشركة مع سمو الأمير مباشرة ولا صلة للمجلس بها، ولكن المجلسيين تشبثوا في حجتهم محاولين إقناع المقيم بصورة منطقية شذوذ هذه الخطة عن الأصول السليمة، ولما حاول المقيم إقناعهم أن يجربوا هذا الأمر لمدة شهرين فقط حتى إذا وجدت صعوبة يرجع إلى رأيهم، غير أنهم رجوا منه أن تكون التجربة الأولى على الوجه المستقيم الذي يرونه هم فإذا حدث ما يستوجب التغيير كان للجانب الأقوى وهم الانكليز أن يعدلوا في الخطة.. وسكت المقيم عند هذه النقطة وفهم أن سكوته كان سكوت الاقتناع.
ثم تحدث المقيم عن مقام سمو الأمير فأشار إلى ضرورة اعتباره الحاكم الأعلى الذي تجرى معه أو بواسطته جميع المخابرات السياسية وغيرها من الأمور الجوهرية في البلاد! فرد أعضاء المجلس قائلين: "إن ذلك هو الدعامة الأولى التي ترتكز عليها سياسة المجلس طبقا للأصول الملكية النيابية وليس فيهم من يتصور غير ذلك".
ثم جاء الكلام عن الإيرانيين المقيمين في الكويت وما هو تقدير عددهم والتدابير المتخذة من جانب المجلس معهم، فتكلم أعضاء المجلس قائلين: "إن هذه الهجرة التي استفحل أمرها ليس لها ما يماثلها في بلدان العالم بالنسبة إلى كثرتها وانطلاقها من غير شروط"!!
فقال المقيم إنه لا يعنيه الآن اتخاذ المجلس بعض التدابير لتسفير المهاجرين الجدد إلى خارج الكويت ولكنه ينصحهم أن يتم ذلك بصورة تدريجية وهادئة كيلا يؤدي هذا الأمر إلى تذمر الحكومة ذات الشأن فيضطر هو إلى التدخل، فأفهمه أعضاء المجلس إن التدابير التي اتخذت حديثا ليست إلا لتوقيف الهجرة الغير مشروعة أما تسفير المهاجرين فلم يتقرر شيء منه حتى الآن)![12]
قضاء بريطانيا على المعارضة في الكويت والبحرين :
وكما قضت بريطانيا على الثورة والمعارضة في نجد قبيل الحرب العالمية الثانية حين قمعت ثورة الأخوان سنة 1930م، كذلك قامت بضربها في الكويت والبحرين مطلع الحرب العالمية الثانية سنة 1938 لضمان استقرار مستعمراتها في حال انشغالها في الحرب مع ألمانيا، حيث كان العرب يؤيدون ألمانيا في حربها ضد بريطانيا الاستعمارية، وقد كان الشعب الكويتي للتو بدأ تجربة المجلس التشريعي التي كانت تعزز إرادة الشعب، وهو ما يرفضه الاحتلال الذي يريد تعزيز أنظمة الحكم التي أقامها وتحالفت معه، ولهذا أوعزت بريطانيا للشيخ أحمد الجابر بالقضاء على هذه التجربة، كما قضت عليها في البحرين، وقد أشار إلى ذلك خالد العدساني في مذكراته، حين تحدث عن المفاوضات بين المعارضة والسلطة فقال:
(وعند هذا انتحى أعضاء المجلس وحدهم ناحية للتداول في أمر هذه الوعود، فأدركوا أنها وعود خاوية ولكنهم عرفوا من المتصلين بالجانب الآخر أن الحركة مبررة من أيد أجنبية.. فلا ترجى فائدة من المكابرة التي قد تؤدي بالكويتيين جميعا إلى الرزوح تحت نير الأجنبي المتربص لتركيز نفوذه الفعلي في الكويت، كما حدث ذلك في مسقط والبحرين وغيرهما من إمارات الساحل العربي ...وبمثل هذا التدبير قضي على حياة ذلك المجلس العتيد الذي سيبقى تاريخه المجيد غرة في تاريخ الكويت لما نهض به من إصلاحات ومشاريع كبرى هيهات أن ينسى أثرها المنصفون لا سيما في وقت كان الناس فيه لا يفقهون من الحياة والنظم البرلمانية ما يفهمونه منها اليوم).
لقد كانت بريطانيا وراء ضرب الحياة النيابية في الكويت لصالح الاستبداد حفاظا على مصالحها ولو على حساب شعوب المنطقة، وكما يقول العدساني (أما الأسباب الأصلية التي تسببت في سقوط المجلس، وربما خفي أمرها على الكويتيين، فهي قبل وبعد كل شيء تحول وجهة النظر الانكليزية، لتخوف الانكليز من الوطنيين الكويتيين على النفوذ والمصالح البريطانية، فضلا عن الذعر الذي أصابهم بعد ما شاهدوه من سرعة انتقال العدوى إلى جميع شعوب الإمارات العربية والهندية الخاضعة لنفوذهم كما أسلفنا)!!
استخدام بريطانيا وحلفاؤها للدين وشيوخه في مواجهة القوى الشعبية المعارضة :
لقد نجحت بريطانيا في ترسيخ مشروعها الاستعماري في المنطقة من خلال حلفائها وتوظيفها للدين في إضفاء المشروعية على وجودها ووجود حلفائها، وقد وظفت لذلك بشكل غير مباشر ومن خلال المشيخات شيوخ الدين سواء شيوخ الدين السنة في نجد والكويت، أو الإباضية في عمان!
ففي الكويت وقف الشيخ يوسف بن عيسى ضد أعضاء المجلس التشريعي كما يقول العدساني(وكان الشيخ يوسف بن عيسى زعيم القناعات من أشهر رجالات المجلس وأبرزهم لدى الرأي العام نظرا لمكانته الدينية الطيبة ومواقفه الإصلاحية التي لا تنكر، وهو شيخ دين درس في الإحساء وقضى الشطر الأكبر من حياته في خدمة معارف الكويت خدمة نزيهة متصلة لوجه الله والدين، كما ساهم في أكثر الشئون الإصلاحية والخيرية التي قامت في الكويت، وكان صاحب الفضل الكبير في رعاية المشاريع النافعة والإشراف عليها، بيد أنه وللأسف زج نفسه في السياسة وكان معتدا بآرائه عنيدا فيها في الوقت الذي اشتهر فيه بالخور تجاه السلطة والانكليز، فعرض نفسه لكثير من الشك والتجريح، وكان يكابر المجلسيين ويأبى الرضوخ لقرارات المجلس الجوهرية التي تخالف رأيه حتى لو اجمعوا جميعا عليها، لا سيما تلك التي تتسم بالتصلب في الحقوق العامة تجاه السلطة لأنه يعتقد أن الأصل في كافة الحقوق العامة هي ملك للحاكم وليس للشعب، فما تنازل عنه الحاكم فهو منة وكرما منه، وما منع أو امتنع عنه لا تصح مطالبته أو الإلحاح عليه فيه! وقاده هذا الرأي إلى أن يكون داخل المجلس ملكيا أكثر من الملك كما يقولون، فلا تعرض حادثة أو ينشب أمر يحاول الأعضاء إقناع سمو الأمير بتعديله أو التساهل فيه لصالح الشعب حتى ينتصب فيهم مدافعا عن حق الحاكم ومثبطا العزائم في حجج وأقاويل يلمسون الوهن والخور فيها، أما تجاه الانكليز ففي رأيه لا يصح مطلقا المناقشة معهم فما على المجلس إذا أمر الانكليز إلا أن يطيعوا دون التشبث حتى في مراجعتهم وإقناعهم بالحسنى، وقد سبب هذه المواقف والآراء الخائرة من الشيخ يوسف وهو زعيم قومه وذو المكانة المرموقة لدى الجميع مصاعب جمة لأعضاء المجلس) وكان له دور بعد ذلك في التفاوض بين المعارضة والشيخ أحمد الجابر والتوسط بينهما، ثم وقوفه مع الشيخ أحمد والاصطفاف بجانبه بعد أن تم خديعة المعارضة حين سلموا أسلحتهم بتعهد من الشيخ يوسف بن عيسى، وتم قتل بعضهم والقضاء على المجلس فيما عرف بعد ذلك بثورة المجلس سنة!
التدخل البريطاني في عمان وقمع الثورة وتوظيف الدين وشيوخه :
وكما كانت بريطانيا تتدخل في كل شئون إمارات الخليج، كانت تخوض الحروب ضد شعوب المنطقة لصالح الحكومات التي تأتمر بأمرها، ففي عام 1915(عندما ثارت القبائل في الداخل، لم يستطع سلطان مسقط إخماد ثورتها إلا بمساعدة القوات البريطانية الهندية، وبقيت الثورة تزمجر حتى توقيع معاهدة السيب في عام 1920 بين سلطان مسقط وإمام عمان التي احتفظت لقبائل الداخل بحقهم في نوع من الاستقلال الذاتي).[13]
لقد دعمت بريطانيا سلطان مسقط فيصل ثم ولده تيمور بن فيصل بن سعيد ضد الثوار وزعماء القبائل بقيادة الإمام الأباضي سالم الخروصي بعد أن ثار الشعب العماني ضد السلطان والبريطانيين، وقد كادوا يسقطون السلطان ويسيطرون على مسقط سنة 1913م، لولا التدخل البريطاني الذي ضرب قوات الثورة، وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، ودخول الدولة العثمانية فيها، أعلن الإمام الخروصي إمام الأباضية الجهاد ضد بريطانيا، ووقوفه مع الخلافة العثمانية، وبعد أن قمعت بريطانيا ثورة الشعب العماني بالمدافع والطيران، رأى زعماء الثوار عقد اتفاقية مع السلطان اشترطوا فيها أن تكون المحاكم في كل الشئون القضائية والمدنية والجنائية وفق الشريعة الإسلامية، وتطبيق العدل على الجميع بلا تمييز بين السكان، وإلغاء الضرائب، ومنع الخمر والدخان، ورفع الحظر عن السلاح الذي تفرضه بريطانيا، وأن يدير الإمام أمور عمان بالشريعة، ويعترف بسلطة السلطان حاكما على مسقط وعمان، وأن يحل السلطان قواته، وأن ينسحب البريطانيون من عمان ومسقط.
لقد أعلنوا بأن السلطان لم يعد يمثل الشعب العماني(لأنه خالف الطريقة الأباضية في الحكم..بالإضافة إلى اتهامه بالكفر والإلحاد، وبالفساد والمحسوبية، وتبديده للأموال التي ينفقها على أقاربه)، وقد رفض السلطان بعض هذه الشروط.
وقد استنجد الإمام الخروصي سنة 1916م بالحامية العثمانية في اليمن، لمساعدته في ثورته ضد الإنجليز، وقد وعدوه بالمدد لولا أن بريطانيا كانت قد فرضت حصارا على المنطقة، وقد استطاع الثوار سنة 1918م السيطرة على المقاطعات الداخلية ومدينة الرستاق الرئيسية، وبعد الحصار البريطاني للثورة، تم عقد مفاوضات سنة 1919 م بين الإمام والسلطان، بتدخل بريطاني، وفجأة تم اغتيال الإمام الخروصي سنة 1920م، واختير مكانه الخليلي الذي مال إلى الصلح[14].
وقد حاول السلطان(أن يجعل من نفسه حاكما وإماما على الرغم من أن المذهب الأباضي لا يقر توارث الحكم، وقد كان في نيته أن يسيطر على منصب الإمامة ومن ثم تحويله إلى منصب وراثي، وقد استعان بمحاولاته هذه بالتأييد البريطاني، كما حاول بعد ذلك الحصول على التأييد الأمريكي بعد أن نشب الصراع بين الشركات البريطانية والأمريكية المستغلة للنفط في ممتلكاته) [15].
وكما نجحت بريطانيا في توظيف بعض رجال الدين ومراجعه الشيعة في النجف، والعلماء السنة في نجد لخدمة مشروعها في السيطرة على المنطقة وتعزيز الحكومات التابعة لها، نجحت كذلك في توظيف بعض رجال الدين في عمان لذات الغرض!
فمن أجل مواجهة نفوذ الإمام الخليلي قام السلطان باتخاذ الشيخ سليمان الباروني مستشارا للشئون الدينية، وألف الكتب في المذهب الأباضي لسحب البساط من تحت أقدام الخليلي، وطلب من البريطانيين الموافقة على إقراره في هذا المنصب بقوله(إن خبرته ومعرفته بمبادئ عقيدتنا الأباضية ستكون ذات فائدة لنا)[16].
لقد نجحت بريطانيا من خلال حلفائها في السلطة من إصدار الفتاوى ضد كل من يرفض الوجود البريطاني أو يقاومه، كما حصل في نجد في الفترة نفسها، حيث جمع ابن سعود علماءه ليصدروا الفتاوى ضد الثوار، ولم يقتصروا في فتاواهم على تجريمهم بل وصل بهم الحال إلى الحكم بكفرهم وردتهم كما في كتاب تذكرة أولي النهى (وقد سئل أئمة علماء الدعوة - الوهابية - ما قولكم في الدويش والعجمان ومن تبعهم .. فكان الجواب : إن العجمان والدويش ومن تبعهم لا شك في كفرهم وردتهم .. ومن أبى عن جهادهم فهذا حكمه حكمهم.. وأما الدهينة والخضري وولد فيصل بن حميد وأتباعهم - من قبيلة عتيبة - الذين قدموا من عند الشريف يدعون إلى ولايته فهؤلاء لا شك في ردتهم، لأنهم دعاة إلى الدخول تحت ولاية المشركين، فيجب على جميع المسلمين قتالهم وجهادهم.. وأملاه محمد بن عبد اللطيف، وسليمان بن سحمان، وصالح بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف آل الشيخ، ومحمد بن إبراهيم، وعبد الملك بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن سالم، وعبد العزيز الشثري، ومحمد بن عبد الله بن عبد اللطيف)![17]
فلم يتردد شيوخ الوهابية في تكفير قادة الأخوان بذريعة أنهم يدعون إلى الدخول تحت ولاية الشريف، بينما كانت بلدهم وإمامهم ابن سعود تحت حكم بريطانيا!
ويلاحظ كيف تتكرر الحادثة كلما واجه الاحتلال الأجنبي أو حلفاءه في المنطقة أزمة سياسية أو حركة ثورية، وكيف يتم توظيف الدين ورجاله والفتوى في خدمة السلطة لمواجهتها!
وقد طلب سلطان عمان من بريطانيا دعمه عسكريا لضم عمان لمسقط، فأشاروا عليه بأن يفعل كما فعل ابن سعود(الذي استطاع أن يحرز نجاحا كبيرا في السيطرة على قبائل البادية بالأموال أكثر من السلاح) [18].
وقد أكد السلطان أنه لا يريد(استبقاء نظام الإمامة - الذي يقوم على الانتخاب كما هو المذهب الأباضي - وإنما سيعمل على إلغائه، وربط مقاطعات عمان بمسقط، تحت نظام الحكم الوراثي)، وهو ما تم فعلا، وفي سنة 1945م، قامت بريطانيا بدعم عسكري كبير للسلطان وحملته العسكرية، وقام سلاح الجو البريطاني بمهمته، للسيطرة على مقاطعات عمان الداخلية[19].
لقد ظل النفوذ البريطاني مسيطرا على عمان ومسقط بعد ذلك، فقد وقفت بريطانيا مرة أخرى مع السلطان ضد الشعب العماني في ثورة 1957م(عندما سارعت القوات البريطانية الجوية والبرية لنجدة السلطان ضد ثورة القبائل العمانية في الداخل، وهذه السلطنة التي لا تعرف لها حدودا ثابتة، كيان سياسي فريد، فهي تعتبر نظريا مستقلة، مع أن قواتها المسلحة تخضع لقيادة ضباط بريطانيين، ووزير خارجيتها يدعى السيد نيل إينز ويساعده قنصل خاضع لسلطة المقيم السياسي البريطاني، والاسم نفسه الذي يطلق على الدولة مبهم، فهو يجمع بين اسم العاصمة التي يبلغ عدد سكانها ثلاثة آلاف، وداخل البلاد التي تزيد مساحتها على مائتي ألف كيلو متر مربع، وقد احتاجت سلطة السلطان مرارا إلى مساندة البريطانيين كي تفرض نفسها في الداخل في جبال عمان، التي تسكنها قبائل بالغة القسوة)[20].
سيطرة بريطانيا على الإمارات العربية :
وقد ظلت مشيخات ساحل عمان المهادن - الإمارات العربية - تحت السيطرة البريطانية المطلقة، حتى في الشئون الداخلية، حيث تصدر إليهم التعليمات كنصائح يجب عليهم تنفيذها، (وفي المشيخات المهادنة - الإمارات العربية السبع - كانت تنظيماتها الداخلية تبدو كأنها صادرة من الشيوخ أنفسهم، إلا إنها كانت تفرض صراحة من الموظفين البريطانيين) [21].
لقد تم الإعلان عن استقلال دويلات الطوائف في الخليج العربي عن بريطانيا ظاهريا منذ ستينيات القرن الماضي، إلا إنها ظلت فعليا ترزح تحت الاحتلال، وكما يقول جان بيربي (عملت بريطانيا على تعزيز مركزها بالإبقاء على قواعد عسكرية وبحرية وجوية كبيرة، والتوسع في إنشائها، بقصد قمع الحركات الوطنية التحررية، وتأييد الأنظمة القائمة، والمحافظة على استقرارها .. وأخذت بريطانيا - للتغطية على وجودها الاستعماري - منذ عام 1961م تمنح إمارات الخليج مظهر الدول المستقلة، وتحت ستار ذلك تحاول الحفاظ على مصالحها في المنطقة بمساندة الولايات المتحدة..وقد قامت بالإطاحة ببعض الشيوخ الذين تجد منهم اتجاهات أو تطلعات تتعارض مع مصالحها، فقد بادرت بخلع شخبوط بن سلطان حاكم أبو ظبي، والشيخ صقر حاكم الشارقة حينما أبدى تجاوبا مع مصر والجامعة العربية) [22].
وهو ما حصل أيضا مع الملك سعود في المملكة العربية، وعبد الله المبارك في الكويت، بسبب ميلهما إلى مصر وجمال عبد الناصر!
ومازالت دويلات الخليج والجزيرة العربية تحت سيطرة النفوذ الاستعماري البريطاني الأمريكي منذ ذلك الحين إلى اليوم، وما زالت القواعد العسكرية خاصة الأمريكية تسيطر سيطرة عسكرية كاملة على المنطقة، كما لا يزال الخليجيون يعيشون تحت أنظمة حكم شمولية أسرية استبدادية، في ظل الاحتلال الأمريكي وعصر الديمقراطية وحقوق الإنسان! ليكتشف الخليجيون أن الاستقلال الصوري الذي فرحوا به في النصف الثاني من القرن العشرين ما هو إلا وهم فضحته الحوادث والأيام، فإذا القوى الاستعمارية هي التي تتصرف في المنطقة وبشعوبها وثرواتها وحرياتها واستقلالها، لا تملك حكوماتها من أمرها شيئا، وقد كان وزير خارجية قطر أصدق الجميع لهجة - في التعبير عن واقع العلاقات بين دويلات الطوائف والولايات المتحدة القائمة على التبعية - حين اعترف بعد احتلال العراق بأن حكومات الخليج العربي تتعامل مع أمريكا كما يتعامل الفداوي - الخادم - مع سيده المعزب[23]!
وما زلنا مع (الحرية وأزمة الهوية في الخليج والجزيرة العربية) وللحديث بقية!
[1] تحفة المستفيد للأنصاري 25 .
[2] دليل الخليج العربي للوريمر القسم التاريخي 1/429 . تأمل الدور البريطاني الاستعماري في التدخل المباشر لحماية حلفائها ضد إرادة شعوب المنطقة، ومازال التدخل منذ ذلك اليوم وإلى اليوم قائما على حساب مصالح الشعوب وحرياتها!
[3] الكويت وجاراتها لدكسون 1/78 .
[4] قصة السيطرة البريطانية لمي الخليفة 381-387 .
[5] قصة السيطرة البريطانية لمي الخليفة 341-349 .
وما زالت الأسر الحاكمة في المنطقة مع الأسر الحاشية حولها تستأثر بالسلطة والثروة في ظل الحماية الصليبية الاستعمارية على حساب حقوق شعوب المنطقة!
[6] قصة السيطرة البريطانية لمي الخليفة 339 .
فإذا كانت بريطانيا الصليبية هي التي أقامت وتقيم تلك الحكومات، وهي التي تختار من يحكمها، وهي التي تضع النظم القضائية والتشريعية لها باسم ملك انجلترا، فكيف لا يصدق عليها بأنها دويلات الحملة صليبية، حيث كان للحملة الصليبية الاستعمارية البريطانية الدور الرئيسي بل الوحيد في إيجادها سياسيا، وتحديد حدودها، وتنصيب شيوخها، وحمايتها وإدارة شئونها ووضع قوانينها؟!
[7] انظر (الاستعمار .. الكتاب الأسود) لعدد من المؤلفين.
[8] عبد العزيز وبريطانيا 215 .
[9] عبد العزيز وبريطانيا 217-218 .
[10] عبد العزيز وبريطانيا 218 .
[11] جزيرة العرب لجان جاك بيربي 254 .
[12] انظر مذكرات العدساني سكرتير المجلس التشريعي.
[13] جزيرة العرب لجان جاك بيربي 213.
[14] تاريخ الخليج العربي 3/350-378 .
[15] المصدر السابق 3/396 .
[16] المصدر السابق 3/397 .ويلاحظ هنا دور السلطة المحلية ومن ورائها الاستعمار في توظيف الدين ورجاله في خدمة الاستبداد والاستعمار من خلال نشر ثقافة دينية أكثر قبول لهما ولسياساتهما، وهو مشهد يتكرر في كل دويلات الطوائف إلى اليوم فقد صار الدين ورجاله الأداة التي تستخدمها حكومات المنطقة للسيطرة عليها!
[17] كتاب تذكرة أولي النهى والعرفان لإبراهيم بن عبد المحسن 3/231
[18] المصدر السابق 3/402 .
[19] المصدر السابق 3/403 .
[20] جزيرة العرب لجان جاك بيربي 202.
[21] المصدر السابق 4/ 23 .
[22] المصدر السابق 4/26 .
[23] في مقابلة له في قناة الجزيرة بعد حرب احتلال العراق سنة 2003.