(عبيد بلا أغلال)
(29)
(تجليات أزمة الهوية اقتصاديا وثقافيا)
بقلم د0 حاكم المطيري
وكما كان لأزمة الهوية في الخليج والجزيرة العربية تجلياتها السياسية والاجتماعية الخطيرة، فقد كانت تجلياتها الاقتصادية والثقافية أشد خطورة على المجتمعات الخليجية، حيث استتبع حالة الاستفراد السياسي بالسلطة آثار اقتصادية وثقافية مدمرة ومنها:
1- تحجيم النشاط الاقتصادي وتعطيل نموه بسيطرة العشائر الحاكمة وأتباعها عليه بشكل شبه كامل، واحتكاره لتظل لها السيطرة السياسية المطلقة على المجتمع، وكذلك استنزاف ثروات المنطقة ونهبها حتى بلغ ما تم تسجيله بأسماء أفراد من الأسر الحاكمة أكثر من ألف مليار دولار (ترليون) !
وقد أصبحت تلك الأموال المنهوبة مكدسة في البنوك الغربية، لتظل المنطقة من أفقر دول العالم في النمو والتطور، والسبب في ذلك كما يقول خلدون النقيب يعود إلى(هيمنة البيروقراطية المركزية على الاقتصاد والمجتمع، بشكل يمنع أو يحد من إمكانات التنمية الحقيقية خوفا من زعزعة هذه التنمية للترتيبات التي تضمن للنخبة الحاكمة استمرار استئثارها بمصادر القوة والثروة في المجتمع، والرخاء والازدهار اللذان يولدهما الدخل من النفط هما رخاء وازدهار ظاهريان، حيث أن تجزئة الوطن العربي أدت إلى خلق كيانات مستقلة، وهذه الكيانات وبخاصة في الخليج والجزيرة العربية، تمثل أسواقا محدودة جدا من حيث ضيق القاعدة الإنتاجية، ومن حيث حجم الاستهلاك، ومن حيث مجالات الاستثمار، مما شجع على تصدير رؤوس الأموال العربية إلى أسواق أوربا الغربية وشمال أمريكا، مما حرم بلدان الجزيرة العربية والمشرق العربي من فرص واسعة للاستثمار المجدي في الموارد البشرية والطبيعية والتكنلوجية، وعمق التبعية للغرب..إن الرخاء والازدهار اللذين شهدتهما بلدان الخليج والجزيرة العربية كانا ظاهريين وسطحيين، لأنهما اعتمدا على الانفاق الحكومي، من دون أن يصحبه توسيع للقاعدة الإنتاجية للاقتصاد)[1].
لقد عجزت بل فشلت دول الخليج مع ثرواتها النفطية الهائلة أن تحقق ما حققته الحكومة الماليزية خلال ربع قرن من نمو وتطور جعل من ماليزيا دولة صناعية، وجعل تجربتها رائدة على المستوى العالمي، في الوقت الذي تعاني دول الخليج من أسوء صور التخلف، حيث تعتمد المنطقة اعتمادا شبه كامل على الخارج في كل ما تحتاجه، مما يجعلها عرضة للسقوط في أي لحظة، ودون تحقيق الأمن الغذائي الاستراتيجي، ودون تحقيق شيء من الاكتفاء الزراعي أو الإنتاج المحلي للصناعات الخفيفة فضلا عن الثقيلة، مع أن النفط الذي هو المصدر الرئيسي والوحيد للثروة قد ينضب خلال نصف قرن، لتكتشف شعوبها أنه تعرضت لأكبر سرقة في التاريخ الإنساني تعرضت لها أمة من الأمم، دون أن يوجد البديل الصناعي القادر على أن يكون عوضا للنفط بعد نضوبه!
لقد أصبح النفط الذي هو ثروة وطنية وقومية مصدر ثراء غير مشروع للعشائر الحاكمة، وعلى حد قول هوليداي عن الوضع في السعودية ودول الخليج (يتلقى الأمراء الجشعون ما يعرف بالخصوصية التي تبلغ نصف مليون دولار سنويا لكل واحد منهم، ولا يحظون بمحبة التجار الحجازيين، أو الجنود القبليين النجديين في القوات المسلحة، والتجار في الكويت والبحرين لا تروق لهم إدارة عائدات النفط التي يقوم عليها آل صباح وآل خليفة، ولا تسير الأمور في عمان على ما يرام بسبب ادعاءات التبذير).[2]
وقد أدى ذلك إلى اتساع الفجوة في مستويات المعيشة والدخل بين الطبقات الاجتماعية على نحو خطير غير مسبوق، وكما يقول الدكتور الصنيتان عن الوضع في السعودية (لقد نشأ ما يعرف بالأحياء الشعبية وأحزمة الفقر من ذوي الدخل المحدود ...ولو أدير التدفق المالي إدارة حسنة وبمسئولية ووزع توزيعا عادلا لأصبحت المملكة قوة صناعية إقليمية، غير أن صرف المعظم منها على الهبات والأعطيات، ونفقات الأسرة الحاكمة وبعض العائلات المحدودة التي خصت برواتب ابتداء من الولادة إلى الوفاة، التي لا يوجد مبرر لتميزها من بقية قبائل وأسر المجتمع السعودي، وكذلك مخصصات ونفقات وسفريات وأثاث وقصور ومصاريف وشراء أمزجة كثير من الدول أهدر فرصا لتنمية شاملة عادلة تردم الفجوة بين الطبقات) [3].
2- خلق واقع طبقي فئوي خطير يجعل فئات المجتمع الواحد عرضة للاصطدام، وذلك من خلال سياسة الإقصاء والتهميش لفئات اجتماعية عريضة، وحكر المناصب الوزارية والوظيفية على فئات محدودة دون أي اعتبار لمبدأ الأكفأ والأجدر، وتكاد تتجلى هذه المشكلة في كل دويلات الطوائف في الخليج العربي، وكما يقول الدكتور الصنيتان في دراسته الاجتماعية(وعلى الرغم من التطورات النوعية ذات الصعد الاجتماعية والاقتصادية في بنى المجتمع السعودي بشرائحه وبأسره، وبالذات القبائل التي يتكون معظم السكان منها، فإن مشاركتها في النخبة الوزارية تكاد تكون معدومة على الرغم من حصول بعض أبنائها على أعلى المؤهلات العلمية، وقد بدءوا يعون لما يتعرضون له من تهميش ...ومن المفارقة أن هذه الظاهرة غير الوطنية تلبس بإصرار وقصد على القبيلة بدافع تهميشها، إن الإحساس وإدراك الواقع شملا كل الأوساط المحرومة من التنمية ومن المشاركة في فرص التعليم العالي، والوظائف العليا، والحظوظ في دخول الكليات العسكرية)[4]، وقد شمل الحرمان والتهميش كما أثبتته الإحصائيات التي عرضها الصنيتان في كتابه بالإضافة إلى القبائل مناطق حائل والجوف والإحساء والجنوب...الخ!
وهذه ظاهرة خطيرة في كل دويلات الطوائف الخليجية بدأ الجميع يدرك خطورتها على وحدة المجتمعات واستقرارها، وكما يقول خلدون النقيب(إن الاحتكار الفعال لمصادر القوة والثروة التي تمارسه النخب الحاكمة يخلق منغلقات للحراك الاجتماعي سيؤدي إلى زيادة الاحتكاك بين الطبقات والدرجات الاجتماعية، فإذا أخذنا تركيبة الحكومات والفئات العليا من البيروقراطية الحكومية، وجدنا أن التوظيف في هذه المناصب يتم من فئات معينة لا تتجاوز حدود الأسرة الحاكمة وكبار التجار، وبعض أبناء الطبقة الوسطى الذين ينتمون إلى أسر عرفت بعلاقاتها الوطيدة إما بالأسر الحاكمة، أو بكبار التجار كزبائن للمعازيب، ويقابل هذا المنغلق منغلق آخر في القطاع الخاص والمشترك، إذ يحتكر فيه أبناء الأسر الحاكمة والنخبة التجارية عضوية مجالس الإدارات في الشركات المساهمة والكبيرة..وهي منغلقات تمنع أبناء الطبقة الوسطى والدنيا من تحقيق طموحها، لما يشهدونه من استئثار النخب الحاكمة بالسلطة والثروة بشكل مثير، مما يؤذن باندلاع صراع اجتماعي واسع النطاق بين النخب الحاكمة والسكان) [5].
ولا يحتاج الدارس للأوضاع ليكتشف خطورة الوضع إلا للنظر إلى التشكيل الوزاري في كل الحكومات الخليجية، حيث تستأثر الأسر الحاكمة بكل وزارات السيادة، وبأكبر عدد من الوزارات، ففي الكويت التي تعد أكثر دول الخليج تطورا يمثل الوزراء من الأسرة الحاكمة نحو ثلث الوزراء، مع رئاسة الوزراء، ووزارات السيادة كلها، لتتحول الدولة والحكومة من حكومة شعب ووطن إلى حكومة أسرة وعشيرة حاكمة!
لقد أدى التحول الخطير للسكان في الخليج والجزيرة العربية والفريد من نوعه في التاريخ الإنساني من حالة الارتحال والبداوة إلى الاستقرار والحضارة بشكل سريع وجماعي إلى عجز فاضح عن استيعاب المدن للسكان الأصليين للجزيرة العربية، حيث بدأ النظر إليهم على أنهم مهاجرين ودخلاء لا من خارج أوطانهم، بل من الصحراء على المدن التي أصبحت فجأة دولا على أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم، وأصبحت الصحراء التي كانت مساكنهم منذ آلاف السنين مناطق لامتياز شركات النفط التي صارت تحاصرهم في كل مكان، لتستخرج النفط من أرضهم ومن تحت أقدامهم، غير أنهم مع كونهم يمثلون أكثر من ثمانين بالمئة من مجموع سكان دول المنطقة كلها إلا أنهم ينظر إليهم لا فقط كمهاجرين إلى المدن التي استوطنوها، بل صار يعاملون كمهاجرين في الدول التي قامت على أرضهم وصاروا يحملون جنسياتها!
لقد فضحت الدراسات الاجتماعية مدى التمييز الخطير الذي تتعرض له الفئة الأكثر عددا والأقدم وجودا على أرض الجزيرة العربية، وعجزت الدولة المدينة، والحكومة الأسرة، في دويلات الطوائف، أن تحقق لهم العدل والمساواة في الوظائف العامة، والخدمات العامة في مناطقهم، والتمثيل العادل لهم في التشكيل الوزاري ومجالس الشورى، والبرلمانات، كما عجزت عن توزيع الثروة بشكل عادل بين السكان، حيث تم حرمان فئات عريضة منهم لصالح أسر محدودة تتمثل في الأسر الحاكمة ومن حولها، وهو ما ينذر بصراع طبقي خطير، وقد تنبأ المؤرخ الفرنسي جان بيربي قبل نصف قرن بخطورة الواقع الاجتماعي الذي يعيشه سكان الجزيرة العربية بقوله(ليس من المعقول أن يجري القفز عشرة قرون من الزمن دون ضرر، لدى بدو هم خلايا حيوية في جسم اجتماعي، إن البدوي لا بد سائر نحو خسران قوته وسبب الحياة نفسه، والشؤم يكمن في سرعة التطور نفسها، وقد كتب روبير مونتاي بجلاء ووضوح حيث يقول(لنسرع ونراقب اليوم وجود القبائل البدوية المتنقلة في الصحراء، إنها منذ اليوم مهددة، إن لم يكن بالزوال، فعلى الأقل بضعف مخيف)، أننا اليوم نجد كثيرا من المدافعين البسطاء يعلنون إعجابهم بنتائج اللقاء بين الحضارة الغربية والحياة البدوية في قلب الجزيرة العربية، وهؤلاء من الكتاب الأمريكيين الذين تربطهم علاقات وثيقة بالشركات البترولية التي لا تخفى على أحد، أما المراقبون الرصينون فقد فضلوا قرع نواقيس الخطر أمام هذه التطورات القسرية القاسية في التركيب الاجتماعي والاقتصادي للبدو، والانقلابات الحتمية الفائقة السرعة التي تقتلع جذور شعوب عشائرية العقلية، وهي الخميرة التي ستقوم بثورات المستقبل، والذي يقلق ليس تطور البدو وانتقالهم من البداوة إلى الحضارة، بل كون هذا التغير يقوم على ثروة مؤقتة مع العلم أن الحاجات التي ستنشأ عن التطور لا مجال للهرب منها، إن المشكلة الأساسية في الصحراء العربية أن تطورا اجتماعيا سريعا يحدث ويستمر دون أن يكون له أسس اقتصادية متينة)[6].
3- خلق ثقافة وطنية مبتورة عن هويتها القومية العربية، وهويتها الدينية الإسلامية، ترتكز على خطاب ديني وثقافي زائف يضفي الشرعية على كل مظاهر الانحراف المذكورة آنفا، فالمؤسسات الدينية، والمنابر الثقافية والفكرية والأدبية، والمؤسسات التعليمية كلها توظف في إضفاء المشروعية على استبداد الأنظمة، وعلى الاستئثار بالثروة، وعلى الوجود الاستعماري العسكري الذي يسيطر عليها، وعلى الظلم الاجتماعي والتهميش المقصود لفئات واسعة من المجتمع، وعلى انتهاك حقوق الإنسان، وعلى الظلم الاقتصادي حتى صارت البنوك والمؤسسات الربوية الحكومية أكثر المؤسسات تحكما في الاقتصاد حتى بات عامة الأفراد في المجتمعات الخليجية تحت وطأة المديونيات، ومع ذلك لا تجد من الخطاب الديني الرسمي الحكومي أو الشعبي اعتراضا أو رفضا حازما لكل تلك المظاهر الخطيرة!
4- كما تم توظيف الدين نفسه في خدمة الفساد والظلم والاستبداد، لقد أصبحت الأنظمة في المنطقة - كما يقول هوليداي - تدعي(حماية النظام الإسلامي، وأسهل الآيات استخداما هي تلك التي تأمر بالمعروف وترشد المؤمن إلى طاعة الله والرسول وأولي الأمر، والاحتجاج بأن كل أشكال الحكم الأخرى غير الملكية معادية للإسلام كالنظام الجمهوري والديمقراطي) [7].
إنها إشكالية في غاية التعقيد بسبب أزمة الهوية وما يترتب عليها من آثار وتداعيات، وما تشكله من ثقافة زائفة بسبب المصطلحات الخادعة التي كان للاستعمار البريطاني الصليبي اليد الطولى في اختلاقها وصياغتها وترسيخها على هذا النحو، فإنه لم تنته الحرب العالمية الأولى حتى ( خضع جميع رؤساء الخليج للسيطرة البريطانية وللنفوذ البريطاني فيما يتعلق بشئون علاقاتهم الخارجية بل إنهم مدينون إلى حد كبير بوجودهم في الحكم بفضل اتحادهم مع الإنجليز) كما جاء في منشورات الخارجية البريطانية سنة 1919م[8].
لقد رسخت أزمة الهوية التي تعيشها شعوب الخليج اليوم الثقافة الزائفة التي تم فرضها عليها منذ قيام الدول الحديثة، وتم خلالها طمس تاريخ سكانها وتاريخ قبائلها الأصلية التي كانت موجودة على هذه الأرض قبل قيام الدول الحديثة فيها!
وقد تم ربط الشعوب بالحكومات لا العكس! وصار تاريخ المنطقة يبدأ فقط من سنة 1900م أي منذ أن بدأ الاستعمار البريطاني مشروعه في المنطقة على يد حلفائه الذين جعل منهم بعد ذلك ملوكا وأمراء على دويلاته التي اختلقها، حتى نشأت أجيال جديدة لا تعرف تاريخها وجذورها والكارثة التي تعرضت لها، وأسباب المحنة وجذور الأزمة التي تعيشها، حتى بلغ الزيف وطمس الهوية بشكل رسمي حكومي وتعليمي وإعلامي أن يشاع - كما في الكويت - أنه لم يكن على أرض الكويت ولا في صحرائها أحد حتى بدأت الهجرات إليها، وأن القبائل الموجودة اليوم مهاجرة جاءت إلى هذه الأرض بعد ظهور النفط!
لقد أقام الاستعمار البريطاني دويلاته في الجزيرة والخليج العربي لا على أساس الدولة والشعب وعلاقة المواطنة، حيث يكون انتماء المواطن للدولة التي تتمثل بالأرض والشعب والسلطة، كما حدث في أوربا حيث قامت الدول القومية الحديثة على أنقاض الإمبراطورية الرومانية وسلطة الكنيسة حيث (حطم نظام الدولة الحديثة في أوربا الإمارات الإقطاعية والطبقات حين توارت الكنيسة والولاءات الأسرية ليحل محلها الولاء للدولة ذاتها)[9].
ولا على أساس المشاركة السياسية للشعب في علاقته بالسلطة وحقه في اختيارها ومشاركتها في إدارة الدولة كما هو حال الأنظمة في الدول الحديثة حيث (تتصف الدولة الحديثة بعقلنة السلطة، وتعديل البنيان التنظيمي، والمشاركة العامة فيها)[10].
وإنما أقام الاستعمار دويلاته في المنطقة العربية على أساس الرعوية وتبعية الشعوب للمشيخات والأسر التي تحالفت معه، فأصبح سكان كل إقليم بقبائله ومدنه يخضع بقوة الاستعمار لهذه الأسرة أو تلك الأسرة، لتنشأ علاقة ممسوخة وهوية زائفة تتمثل في غياب مبدأ المواطنة ليحل محلها مبدأ التبعية والرعوية، حيث ما زالت الأسر الحاكمة في الخليج العربي ترى أن هذه الأرض التي أخضعها لها الاستعمار هي أرضها الخاصة بها لا أرض الشعب الذي كان موجودا عليها منذ آلاف السنين قبل وجود هذه الأسر!!
وصارت الأسر الحاكمة تتصرف فيها وفي ثرواتها كما يتصرف الإقطاعي في أرضه!
وصارت هذه الأسر هي التي تمنح من تشاء الجنسية وتسحبها ممن تشاء، فأصبح الارتباط السياسي مرهون بالولاء للأسر لا بالدول ولا بالأرض، وما زالت دويلات الخليج العربي إلى اليوم تتحكم في أخطر موضوع على الإطلاق وهو موضوع المواطنة دون وجود أي ضمانات دستورية تصون حق المواطن في جنسيته وهويته، فليس للسلطات التشريعية والقضائية أي دور في التدخل في هذا الموضوع، بل الأمر كله منوط في يد الحكومات التي تمثل الأسر الحاكمة، أكثر من تمثيلها للشعوب، وهو خلل دستوري خطير الهدف منه إخضاع شعوب المنطقة وسكانها لهذا الواقع الذي فرضه الاستعمار الغربي على شعوب المنطقة، لقد بلغ الأمر أن يتم ابتزاز سكان الجزيرة والخليج الأصليين، من خلال تهديد كل معارض بسحب الجنسية! ولم يحتج الموضوع أكثر من جرة قلم لتتحول قبيلة كاملة من أعرق قبائل الجزيرة العربية إلى لاجئين على أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم كما حدث في قطر لقبيلة آل مرة، لتتجلى أزمة الهوية في الخليج العربي في أوضح صورها، وليتحول سكانها الأصليون إلى (هنود سمر) تحت رحمة الأسر التي دعمها الرجل الأبيض! وهي الإشكالية التي أكدها ما ورد في تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004م حيث ورد فيه( لعل أقصى أشكال الإقصاء خارج المواطنة هو إمكان سحب الجنسية من المواطن العربي الذي تتيحه بعض التشريعات العربية بمقتضى قرار إداري من مسئول حكومي دون مستوى الوزير في بعض الحالات)[11]!
لقد ظل النظام العشائري الأسري هو الذي يسيطر على نظام الحكم في الخليج العربي كما هو الحال في الكويت إلى اليوم (ولعل أفضل وصف لنظام الكويت جاء على لسان السير روبرت هاي إذ قال: إن النظام الحكومي أسري، وفيه يشغل أعضاء الأسرة الحاكمة مراكز الدولة العالية، وفي الواقع كان كل واحد من هؤلاء لشيوخ كيانا قائما بحد ذاته)، وهكذا فلم يكن في الكويت، كما هو الحال في الخليج العربي، أي فرق بين الحاكم والدولة (في الكويت الحاكم هو الدولة، وله وحده الحق في تخصيص العائدات وفق ما يراه مناسبا، كما يقول روبرت هاي).[12]
ولهذا يعد صرف أي مخصصات من المال العام للمواطنين مكرمة أميرية! وإذا كان هذا هو حال الكويت التي تعد من أكثر دويلات الخليج العربي تطورا فكيف بباقي دوله؟!
إن تاريخ سكان مدن الخليج العربي العريقة، وتاريخ سكان الصحراء تعرض للمسخ والطمس المتعمد، من أجل استمرار حالة التبعية للحكومات الحديثة، ولتهميش دور شعوب المنطقة خاصة القبائل التي كانت المؤثر الرئيس في تاريخ المنطقة كلها منذ ظهور الإسلام إلى سقوط الخلافة العثمانية، كما أنها تمثل الأغلبية، في كل دولها، حتى نجح الاستعمار في إخضاعها لحلفائه، ومع أنها تحضرت واستقرت في المدن، إلا أنها مع ذلك تتعرض لما يتعرض له الهنود الحمر في أمريكا من تهميش، وأصبح السكان الأصليون غرباء على أرض أجدادهم، كل ذلك بتأثير الثقافة الزائفة التي تم فرضها على شعوب المنطقة منذ الاستعمار البريطاني، والتي ما زالت تأثر تأثيرا مباشرا على واقعنا السياسي؟!
وكان الحال على حد فرومكين(فصانعوا السياسة البريطانية بعد أن قضوا على النظام القديم في المنطقة، ونشروا الجنود والمصفحات والطائرات، في كل مكان، من مصر إلى العراق، فرضوا على الشرق الأوسط تسوية لم يعد أكثرهم مؤمنا بها).[13]
وما زلنا مع (الحرية وأزمة الهوية في الخليج والجزيرة العربية) وللحديث بقية في الحلقة القادمة والأخيرة من هذا المختصر!
[2] دراسات في الشرق أوسطية ص 104 .
[3] النخب السعودية دراسة في التحولات ص 148 .
[4] النخب السعودية دراسة في التحولات ص 58-69.
[5] المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية 170 -171 .
[6] جزيرة العرب لجان جاك بيربي 76-78.
[7] دراسات في الشرق أوسطية ص 92 .
[8] تاريخ الخليج العربي 3/41 .
[9] الكويت لحسن الإبراهيم 20 .
[10] الكويت لحسن الإبراهيم 21 .
[11] التقرير ص 9 .
[12] الكويت لحسن الإبراهيم 148 .
[13] ولادة الشرق 623 .