[ ص: 101 ] باب تسنيم القبر ورشه بالماء وتعليمه ليعرف وكراهة البناء والكتابة عليه
1469 - ( عن سفيان التمار أنه { رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما . } رواه البخاري في صحيحه ) .
1470 - ( وعن القاسم قال : { دخلت على عائشة فقلت : يا أمه بالله اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه , فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة , ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء . } رواه أبو داود ) .
الرواية الأولى أخرجها أيضا ابن أبي شيبة من طريق سفيان المذكور , وزاد : وقبر أبي بكر وقبر عمر كذلك . وكذلك أخرجه أبو نعيم , وذكر هذه الزيادة التي ذكرها ابن أبي شيبة . والرواية الثانية أخرجها أيضا الحاكم من هذا الوجه , وزاد " ورأيت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدما , وأبا بكر رأسه بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر رأسه عند رجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
وفي الباب عن صالح بن أبي صالح عند
أبي داود في المراسيل قال : ( رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم شبرا أو نحو شبر ) وعن عثيم بن بسطام المديني عند أبي بكر الآجري في كتاب صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رأيت قبره صلى الله عليه وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعا نحوا من أربع أصابع , ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه . " قوله : ( مسنما ) أي مرتفعا . قال في القاموس : التسنيم ضد التسطيح , وقال : سطحه كمنعه بسطه
قوله : ( ولا لاطئة ) أي ولا لازقة بالأرض . وقد اختلف أهل العلم في الأفضل من التسنيم والتسطيح بعد الاتفاق على جواز الكل , فذهب الشافعي وبع
ض أصحابه والهادي والقاسم والمؤيد بالله إلى أن التسطيح أفضل . واستدلوا برواية القاسم بن محمد بن أبي بكر المذكورة وما وافقها قالوا : وقول سفيان التمار لا حجة فيه , كما قال البيهقي , لاحتمال أن قبره صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأول مسنما , بل كان في أول الأمر مسطحا , ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة . وبهذا يجمع بين الروايات . ويرجح التسطيح ما سيأتي من أمره صلى الله عليه وسلم
عليا " أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه " وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية , وادعى القاضي حسين اتفاق أصحاب الشافعي عليه , [ ص: 102 ] ونقله القاضي عياض عن أكثر العلماء أن التسنيم أفضل , وتمسكوا بقول سفيان التمار والأرجح أن الأفضل التسطيح لما سلف .
1471 - ( وعن أبي الهياج الأسدي عن علي قال : { أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته . } رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه ) قوله : ( عن أبي الهياج ) هو بفتح الهاء وتشديد الياء , واسمه حيان بن حصين
قوله : ( لا تدع تمثالا إلا طمسته ) فيه الأمر بتغيير صور ذوات الأرواح . قوله : ( ولا قبرا مشرفا إلا سويته ) فيه أن السنة أن القبر لا يرفع رفعا كثيرا من غير فرق بين من كان فاضلا ومن كان غير فاضل . والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم , وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك , والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير كما قال الإمام يحيى والمهدي في الغيث لا يصح ; لأن غاية ما فيه أنهم سكتو
ا عن ذلك , والسكوت لا يكون دليلا إذا كان في الأمور الظنية , وتحريم رفع القبور ظني , ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القبب والمشاهد المعمورة على القبور , وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد , وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك كما سيأتي , وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام , منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام : وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم , وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا
وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه , فإنا لله وإنا إليه راجعون . ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا تجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا , وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء المقبورين أو أكثرهم إذا توجهت
عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا , فإذا قيل له بعد ذلك : احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق . وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال : إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة , فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين , أي رزء للإسلام أشد من الكفر , وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله ؟ [ ص: 103 ] وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة ؟ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا :
لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي ولو نارا نفخت بها أضاءت
ولكن أنت تنفخ في رماد
| Source : Link |