حاول طه حسين بأسوبه الأدبيِّ أن يُناقش إحدى أكثر قضايا التاريخ الإسلاميِّ حساسية. وقد سعى المؤلِّف إلى اتِّباع مذهب الحياد التاريخيِّ ساعيًا إلى إبراز الأسباب الحقيقية وراء الفتنة التي أدَّت إلى مقتل عثمان معتمدًا على تحليلاتٍ لواقع المجتمع الإسلاميِّ آنذاك.
يكرس طه حسين كتابه هذا للبحث في الفتنة الكبرى التي حصلت أيام عثمان رضي الله عنه وامتدت آثارها إلى أيام علي رضي الله عنه ومازال المسلمون يحصدون آثارها إلى الآن وهو في كتابه هذا ينظر إلى هذه القضية نظرة خالصة مجردة لا تصدر عن عاطفة ولا هوى ولا تتأثر بالإيمان ولا بالدين وإنما هي نظرة المؤرخ الذي يجرد نفسه تجريداً كاملاً من النزعات والعواطف والأهواء مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها لذا تراه يقف أولاً عند تجربة حكم الشيخين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وقفة متأنية لاستقراء إمكانية بقائها والوقوف على أهم انعكاساتها فهذه الوقفة تتيح للباحث فقه هذه المشكلات الكثيرة التي ثارت من نفسها أو أثيرت أيام عثمان لا لأن عثمان كان هو الخليفة بل لأن الوقت كان قد آن لبثور بعض هذه المشكلات من تلقاء نفسه وليثير الناس بعضها الآخر.
أجرى "اليوم السابع" استفتاء بعنوان "من أفضل من كتب عن الفتنة الكبرى.. من وجهة نظرك" ورشحنا كتبًا لكل من الدكتورة طه حسين وعباس محمود العقاد وإبراهيم عيسى.
تناول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد الفتنة الكبرى في عدد من كتبه ولكن اخترنا له كتاب "عبقرية عثمان".
الكتاب ضمن سلسلة العبقريات ويتحدث العقاد في الكتاب عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان ويقارن بين ما كان عليه العرب قبل الإسلام من ظلم الحكام إلى ما وصلوا إليه من محاسبة الحاكم وهي إحدى أهم ركائز الديمقراطية ويتحدث عن حادث مبايعته كخليفة وكيف تم اختياره من بين صحابيين جليلين هما: علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف.
ويعارض الكاتب رأي بعض المؤرخين الذين اتهموه بالضعف ويشيد بدوره في استتباب الأمن بعد الهجمات التي حدثت من دول الجوار بعد مقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.
ويتحدث العقاد عن الرخاء الاقتصادي الذي حدث في عهد الخليفة عثمان وأنه وصل لدرجة جعلت الناس يتجرؤون على الحكام من دون علم.
كما يتحدث الكاتب عن إسلامه وجمعه القرآن. ويولي أهمية لحادث اغتياله أكثر من حادث اغتيال الخليفة عمر لأنه حدث بأيد مسلمة ولم يكن ثورة شعبية إنما نتيجة لمشاغبة محلية خلافاً للخليفة عمر الذي اغتاله مجوسي بتدبير وتخطيط.
يتناول الكتاب الأحداث التى وقعت بعد مقتل عثمان بن عفان وخلافة على بن أبى طالب الذى تولى الخلافة فى ظروف استثنائية حيث كانت الفتنة تعصف ببلاد الإسلام وقد سال على أرضها دم خليفتها.
ورصد الكتاب أن المدينة ظلت أياما بعد مقتل عثمان وليس للناس فيها خليفة وإنما يدير أمورهم الثوار وكانت أهواء الثوار فيمن يكون الخليفة مختلفة فأهل مصر مع على وأهل الكوفة مع الزبير وأهل البصرة مع طلحة إلا أن المهاجرين والأنصار قد مالوا إلى على فأصبح على هو الخليفة الرابع.
هذا حديث أريد أن أُخْلِصَهُ للحقِّ ما وسعنى إخلاصه للحقِّ وحده وأن أتحرَّى فيه الصواب ما استطعتُ إلى تحرِّى الصوابِ سبيلًا وأن أَحْمِلَ نفسى فيه على الإنصاف لا أَحِيدُ عنه ولا أُمَالئ فيه حزبًا من أحزاب المسلمين على حزب ولا أُشايع فيه فريقًا من الذين اختصموا فى قضية عثمان دون فريق فلستُ عثمانى الهوى ولستُ شيعةً لعليّ ولستُ أفكر فى هذه القضية كما كان يفكر فيها الذين عاصروا عثمان واحتملوا معه ثقلها وَجَنَوْا معه أو بعده نتائجها.
بدأ إبراهيم عيسى روايته "رحلة الدم.. القتلة الأوائل" الصادرة عن دار الكرمة بمقتل الإمام على بن أبى طالب وتحكى كيف ترصد عبد الرحمن بن ملجم بأمير المؤمنين قبل صلاة الفجر وتكشف عن الفكر المسيطر على الخارجى الذى كان يعتقد بأن "عليا" رجل كافر خرج عن الدين هذا قبل أن تعود بنا الرواية 20 عاما من الأحداث والجيوش العربية تتوجه لفتح مصر.
تحكى الرواية عن المسكوت عنه فى التاريخ الإسلامى عن الفتنة الكبرى ورجالها وصراعاتها عن التغيرات والتقلبات وأمام أعيننا نرى رجال الإسلام ونساءه يتحركون أمام أعيننا فها هو عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعمرو بن العاص وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن ملجم المرادى والزبير بن العوام والمقوقس حاكم مصر وعبد الرحمن بن عديس ومحمد بن أبى بكر وأبو زر الغفارى والسيدة عائشة زوج النبى وعمار بن ياسر وغيرهم الكثير ممن صنعوا هذه الأحداث الكبيرة.
لا يُعدُّ وصفها ﺑ الفتنة الكبرى ضربًا من التهويل فقد كادت الفتنة التي بدأت في عهد الخليفة الراشد عثمان وامتدَّت إلى خلافة عليٍّ وبنيه أن تعصف بالدولة الإسلامية وما زالت وتبعاتها محلَّ دارسة فقد تناولتها العديد من الأقلام محاولةً الوصول إلى بئر الحقيقة. وكان من أبرز هؤلاء طه حسين الذي حاول بأسوبه الأدبيِّ أن يناقش إحدى أخطر قضايا التاريخ الإسلاميِّ وأكثرها حساسية. وقد سعى المؤلِّف إلى اتِّباع مذهب الحياد التاريخيِّ بين الفريقين والتجرُّد من كل هوًى أو مَيْلٍ ساعيًا إلى إبراز الأسباب الحقيقية وراء الفتنة التي أدَّت إلى مقتل عثمان معتمدًا على تحليلاتٍ لواقع المجتمع الإسلاميِّ آنذاك. وكالعادة فقد أثارت آراؤه موجةً عنيفةً من الانتقادات الممتدة حتى اليوم بينما أثنى عليه فريقٌ آخرُ ممَّن رأوا في منهجه واستنتاجاته إنصافًا وتلمُّسًا للحق.
طه حسين: أديبٌ ومفكِّرٌ مِصريٌّ يُعَدُّ عَلَمًا من أعلام التنوير والحركة الأدبية الحديثة امتلَكَ بَصِيرةً نافذة وإنْ حُرِم البصر وقاد مشروعًا فكريًّا شاملًا استحقَّ به لقبَ عميد الأدب العربي وتحمَّلَ في سبيله أشكالًا من النقد والمُصادَرة.
وُلِد طه حسين علي سلامة في نوفمبر ١٨٨٩م بقرية الكيلو بمحافظة المنيا. فَقَدَ بصرَه في الرابعة من عمره إثرَ إصابته بالرمد لكنَّ ذلك لم يَثْنِ والِدَه عن إلحاقه بكُتَّاب القرية حيث فاجَأَ الصغيرُ شيخَه محمد جاد الرب بذاكرةٍ حافظة وذكاءٍ متوقِّد مكَّنَاه من تعلُّم اللغة والحساب والقرآن الكريم في فترة وجيزة.
وتابَعَ مسيرته الدراسية بخطوات واسعة حيث التحَقَ بالتعليم الأزهري ثم كان أول المنتسِبين إلى الجامعة المصرية عامَ ١٩٠٨م وحصل على درجة الدكتوراه عامَ ١٩١٤م لتبدأ أولى معاركه مع الفكر التقليدي حيث أثارَتْ أطروحتُه ذكرى أبي العلاء مَوجةً عالية من الانتقاد. ثم أوفدَتْه الجامعة المصرية إلى فرنسا وهناك أَعَدَّ أُطروحةَ الدكتوراه الثانية: الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون واجتاز دبلوم الدراسات العليا في القانون الرُّوماني. وكان لزواجه بالسيدة الفرنسية سوزان بريسو عظيم الأثر في مسيرته العلمية والأدبية حيث قامَتْ له بدور القارئ كما كانت الرفيقة المخلِصة التي دعمَتْه وشجَّعَتْه على العطاء والمُثابَرة وقد رُزِقَا اثنين من الأبناء: أمينة ومؤنس.
03c5feb9e7