الدور الصيني في مواجهة الهيمنة الأمريكية
من التنافس الاقتصادي إلى إعادة رسم خريطة النظام الدولي
بقلم: الناصر خشيني
منذ مطلع الألفية الثالثة، بات العالم يشهد تحولات جيوسياسية عميقة تُعيد رسم ملامح النظام الدولي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة الأمريكية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. وفي خضم هذه التحولات، تبرز الصين بوصفها القوة الأكثر جدية في تحدي القطبية الأحادية، مسلّحةً بنموذج تنموي استثنائي وإرادة سياسية راسخة، ساعيةً إلى بناء نظام دولي متعدد الأقطاب يُفضي إلى توازن أكثر عدالة وإنصافاً.
أولاً: الصعود الاقتصادي الصيني — قوة تُغيّر قواعد اللعبة
لا يمكن فهم الدور الصيني في مواجهة الهيمنة الأمريكية بمعزل عن الأداء الاقتصادي المذهل الذي حققته الصين خلال العقود الأخيرة. فمنذ انطلاق مسيرة الإصلاح والانفتاح على يد دنغ شياو بينغ في أواخر سبعينيات القرن الماضي، تحولت الصين من دولة نامية تُعاني الفقر والتخلف إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر شريك تجاري لأكثر من مئة وثلاثين دولة حول العالم.
وقد جاء هذا الصعود مدروساً وتدريجياً، إذ استثمرت الصين في بناء قاعدتها الصناعية والتكنولوجية، وحوّلت نفسها من مصنع العالم للسلع الرخيصة إلى رائدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والاتصالات جيل الخامس. وباتت شركات صينية كهواوي وعلي بابا وتيك توك تُنافس مباشرةً كبرى الشركات الأمريكية، مما دفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات تقييدية غير مسبوقة في مواجهتها.
ثانياً: مبادرة الحزام والطريق — استراتيجية النفوذ العالمي
في عام 2013، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة الحزام والطريق، التي سرعان ما أصبحت أكبر مشروع للبنية التحتية في تاريخ البشرية، وأداةً جيوسياسية بالغة الأهمية. تمتد المبادرة عبر أكثر من مئة وخمسين دولة على امتداد قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وتتضمن مئات مشاريع الموانئ والسكك الحديدية والطرق السريعة والمناطق الاقتصادية الحرة.
ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على بُعدها الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى أبعادها الاستراتيجية الأعمق؛ إذ تُتيح للصين بناء شبكة من الشراكات والتحالفات مع دول الجنوب العالمي، وتُقلل من اعتماد هذه الدول على المؤسسات المالية الغربية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين طالما فرضا شروطاً قاسية على الدول المقترضة. وبهذا المعنى، تُشكّل المبادرة تحدياً مباشراً للنظام المالي الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
ثالثاً: التحدي العسكري والتكنولوجي
لم يتوقف الصعود الصيني عند حدود الاقتصاد والتجارة، بل امتد ليشمل القدرات العسكرية والتكنولوجية. فخلال العقود الثلاثة الماضية، ضخّت الصين استثمارات ضخمة في تحديث جيشها، محوّلةً جيش التحرير الشعبي إلى قوة عسكرية من الطراز العالمي، قادرة على المنافسة في كل المجالات البرية والبحرية والجوية والفضائية والإلكترونية.
وعلى صعيد التكنولوجيا، باتت الصين تتصدر السباق في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والطاقة النووية المدنية، والفضاء الخارجي، حيث أرسلت مسباراً إلى المريخ وأنجزت برنامجاً قمرياً متقدماً. وقد دفع هذا التقدم الولايات المتحدة إلى فرض قيود مشددة على تصدير أشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة إلى الصين، في مسعى للحفاظ على تفوقها التكنولوجي.
رابعاً: الدور الصيني في إعادة تشكيل النظام الدولي
تتبنى الصين خطاباً سياسياً يرفض الهيمنة الأحادية ويدعو إلى التعددية القطبية وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية. وتتجلى هذه الرؤية في مواقف بكين الثابتة داخل مجلس الأمن الدولي، حيث كثيراً ما تستخدم حق النقض "الفيتو" إلى جانب روسيا لمنع ما تعتبره تدخلاً في الشؤون الداخلية للدول، وفي دعمها الصريح للقرار السيادي للدول في اختيار نماذج حكمها.
وعلى الصعيد المؤسسي، تعمل الصين على بناء هياكل بديلة أو موازية للمؤسسات الغربية، من أبرزها: منظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة بريكس التي توسعت لتضم عدداً من الدول الكبرى الناشئة، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي ينافس البنك الدولي. وتسعى هذه المؤسسات إلى تقديم منظومة بديلة من قواعد الحوكمة الدولية تكون أكثر انعكاساً للمصالح والقيم المتنوعة للأغلبية العالمية.
خامساً: الصين والقضايا الدولية الكبرى
في الأزمات الدولية الكبرى، تبرز الصين موقفاً يختلف جوهرياً عن الموقف الأمريكي وحلفائه الغربيين. ففي الأزمة الأوكرانية، تبنت الصين موقف الحياد الإيجابي ودعت إلى حل دبلوماسي تفاوضي، رافضةً الانضمام إلى العقوبات الغربية على روسيا، ومقدّمةً نفسها وسيطاً محتملاً. وفي قضية القدس والحقوق الفلسطينية، تتبنى بكين موقفاً داعماً للحقوق الفلسطينية وحل الدولتين.
وفي ملفات التجارة الدولية، تخوض الصين معارك حامية ضد السياسات الحمائية الأمريكية، مستخدمةً منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات الثنائية أداةً لتعزيز نظام تجاري حر ومتعدد الأطراف. وقد أبرمت بكين الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، أكبر اتفاقية تجارة حرة في التاريخ، في رسالة واضحة بأنها قادرة على قيادة النظام التجاري الدولي.
سادساً: حدود التحدي الصيني ورهانات المستقبل
غير أن التحدي الصيني للهيمنة الأمريكية لا يخلو من قيود وتعقيدات؛ فالصين تواجه داخلياً تحديات جسيمة من شيخوخة ديموغرافية، وضغوط تباطؤ النمو، وتوترات اجتماعية متعددة. كما أن صعودها العسكري والاقتصادي أثار حالةً من القلق لدى جيرانها في المنطقة، مما دفع كثيراً منهم إلى تعزيز علاقاتهم الأمنية مع الولايات المتحدة.
والصين بدورها لا تسعى — على الأقل في المدى المنظور — إلى إحلال هيمنتها محل الهيمنة الأمريكية، بل إلى نظام دولي تكون فيه لاعباً محورياً في عالم متعدد الأقطاب. وهذا التمييز الدقيق يمنح سياستها الخارجية قدراً من المرونة والبراغماتية، ويُبقي أمام الدول الأخرى خياراً للتعامل معها دون الانجرار نحو استقطاب حاد.
خاتمة: نحو نظام دولي أكثر عدالة
خلاصة القول، يُمثّل الصعود الصيني ظاهرة تاريخية فارقة تُعيد تشكيل موازين القوى الدولية بعد عقود من الأحادية القطبية. وبينما تنظر إليه الولايات المتحدة بعين الريبة والمخاوف، تراه دول الجنوب العالمي فرصةً لكسر احتكار الغرب للقرار الدولي وفتح آفاق أوسع للتنمية والشراكة.
إن النظام الدولي الناشئ ليس نظاماً صينياً بامتياز، بل هو نظام متعدد القوى والأصوات، حيث يتعايش التنافس مع التعاون، وتسعى الدول الكبرى إلى تحقيق مصالحها بأدوات الاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا بالدرجة الأولى. وفي هذا السياق، يبقى السؤال الكبير: هل ستنجح القوى الكبرى في إدارة تنافسها بحكمة وضبط النفس، أم ستجرّها ديناميكيات الهيمنة والمواجهة نحو احتكاكات خطيرة تُكلّف البشرية ثمناً باهظاً؟