ضمن سلسلة "قرأت لكم"
قراءة تحليلية في كتاب "الطريق إلى الديمقراطية.. إلى وحدة القوى التقدمية"
للمفكر العربي: د. عصمت سيف الدولة بقلم: الناصر خشيني
يأتي هذا الكتاب ليكمل البناء النظري الذي شيده الدكتور عصمت سيف الدولة، منتقلاً من بحث "الوحدة والاشتراكية" إلى معالجة الركنين المتلازمين والمكملين لمشروع النهضة العربية: الديمقراطية (بمفهوم سيادة القانون) ووحدة القوى التقدمية (كأداة للتغيير).
أولاً: في منهجية سيادة القانون (الطريق إلى الديمقراطية)
يبدأ الكاتب بمقاربة قانونية وفلسفية عميقة لمفهوم "سيادة القانون". فالقانون في نظر سيف الدولة ليس نصوصاً جامدة، بل هو "وسيلة" لغاية أسمى وهي الحفاظ على وجود المجتمع.
نقد الديمقراطية الشكالية: يحلل الكاتب كيف تحولت القوانين في الوطن العربي أحياناً إلى أدوات لقهر الأمة بدلاً من حمايتها. ويرى أن "الديمقراطية" الحقيقية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي تحرير الإنسان العربي من الاستغلال، ليصبح قادراً على ممارسة إرادته السياسية دون ضغط اقتصادي أو أمني.
العلاقة بين الوجود والقانون: يطرح الكاتب رؤية جريئة مفادها أن "الحياة فوق القانون"؛ فإذا عجز القانون عن حماية وجود الأمة واستقلالها، يصبح من الضروري اجتماعياً وتاريخياً تصحيح المسار القانوني لخدمة الوجود القومي.
ثانياً: وحدة القوى التقدمية (جدلية الأداة والهدف)
في القسم الثاني من الكتاب، يعالج سيف الدولة المعضلة الكبرى التي واجهت الثورة العربية: تشتت القوى الثورية.
وحدة الأداة: يطرح الكاتب مفهوم "وحدة القوى التقدمية" ليس كتحالف تكتيكي عابر، بل كضرورة استراتيجية. فالعدو (سواء كان استعماراً أو صهيونية أو تخلفاً) يعمل ككتلة واحدة، وبالتالي لا يمكن مواجهته إلا بكتلة تاريخية موحدة.
منهج الحوار لا الصراع: يشدد سيف الدولة على أن التناقضات بين القوى العربية التقدمية (قوميين، يساريين، ديمقراطيين) هي "تناقضات ثانوية" يجب حلها عبر الحوار الفكري المنظم، بينما التناقض الرئيسي هو مع أعداء الأمة.
ثالثاً: التحليل البنيوي لمشروع الثورة العربية
من خلال قراءتنا لهذا المجلد، نجد أن الكاتب يربط بين "الديمقراطية" و"الوحدة" برباط جدلي؛ فلا وحدة مستدامة بدون ديمقراطية تحميها وتمنع استبداد النخب، ولا ديمقراطية حقيقية في ظل التجزئة التي تجعل الإرادة العربية رهينة للقوى الخارجية.
دور الجماهير: يؤكد سيف الدولة أن الطريق إلى الديمقراطية يبدأ بتنظيم الجماهير وتوعيتها بحقوقها القومية والاجتماعية، بحيث تصبح هي "الحارس" الحقيقي لسيادة القانون.
رابعاً: الاستنتاجات الفكرية (وفق منهجية الناصر خشيني)
من خلال سياقنا التحليلي، يمكن تلخيص أهم الدروس المستفادة من هذا العمل في النقاط التالية:
رفض الاغتراب القانوني: ضرورة صياغة قوانين نابعة من وجدان الأمة العربية وحاجاتها الواقعية، لا استيراد قوالب جاهزة.
الوعي القومي بالديمقراطية: الديمقراطية في الوطن العربي يجب أن تكون "قومية" في أهدافها، و"اجتماعية" في مضمونها.
التنظيم هو الحل: إن وحدة القوى التقدمية هي "صمام الأمان" ضد الانقلابات والردات السياسية التي أجهضت تجارب وحدوية سابقة.
الخلاصة: إن كتاب "الطريق إلى الديمقراطية.. إلى وحدة القوى التقدمية" ليس مجرد تنظير سياسي، بل هو "خارطة طريق" لكل مؤمن بالعمل العربي المشترك. يدعونا عصمت سيف الدولة من خلاله إلى إعادة الاعتبار لسيادة القانون كدرع للحرية، وإلى توحيد صفوف القوى المناضلة كشرط وحيد لتحقيق الانتصارات الكبرى.
كانت هذه قراءة في فكر الدكتور عصمت سيف الدولة، ضمن سلسلة "قرأت لكم"، نرجو أن تفتح آفاقاً للنقاش والتدبر في واقعنا العربي المعاصر.