في أسواق الأضاحي التونسية موسم 2026، لم تعد المشكلة في ندرة الخرفان بل في ندرة من يقدر على شرائها. العم الصادق، متقاعد من الوظيفة العمومية، يصف الواقع بدقة: جاء بـ 1500 دينار يعتقد أنها تكفي، فاصطدم بأن بعض الخرفان تجاوز سعرها 1800 دينار [1]، في حين تتراوح الأسعار في أسواق العاصمة بين 1400 و2300 دينار [2]. الصورة ذاتها تتكرر من المروج جنوب تونس إلى قرطاج بيرصا شمالها، وصولاً إلى أسواق قفصة حيث باتت تكلفة الأضحية لعائلة من خمسة أفراد لا تقل عن 1600 دينار [3].
ما نعيشه ليس موجة غلاء عابرة يحلّها استيراد طارئ أو نقطة بيع موسمية، بل هو نتاج منظومة احتكار متشابكة الطبقات، تشترك فيها ثلاث لوبيات متمايزة لكنها متكاملة: لوبي الأعلاف، ولوبي الوسطاء (القشارة)، ولوبي الصمت الرسمي. هذه الورقة تشرّح هذه المنظومة وتدعو إلى مساءلتها.
أولاً: لوبي الأعلاف — الجذر الخفي لاحتكار المنظومة
لا يبيع الفلاح التونسي خروفه بسعر مرتفع لأنه جشع، بل لأن كلفة تربيته ارتفعت إلى مستويات تجعل الاستمرار في القطاع مجازفة غير محسوبة. وقد وثّقت التحقيقات الميدانية أن أسعار الأعلاف شهدت ارتفاعاً بلغ ثلاثة أضعاف خلال شهر واحد في بعض الفترات [4]. والسبب الأبرز الذي يُجمع عليه المتخصصون: احتكار ثلاث مجامع تجارية كبرى لتوريد وإنتاج الأعلاف في تونس — الذرة وفول الصويا والقرط — مما أفضى إلى التلاعب بأسعارها والمضاربة فيها بعيداً عن أي رقابة فعلية [4].
وقد تضافرت عوامل خارجية مع هذا الاحتكار الداخلي: تسبّبت الحرب في أوكرانيا في ارتفاع حاد في أسعار فول الصويا والذرة عالمياً، وتراجع قيمة الدينار التونسي جعل فاتورة الاستيراد أثقل، فارتفع سعر كيس الذرة من 48 ديناراً عام 2019 إلى 79 ديناراً عام 2022 [5]. وقد بلغت الأزمة ذروتها حين رفعت شركات الأعلاف أسعارها بشكل مفاجئ ذلك العام، مما اضطر مربّي الماشية إلى الاحتجاج في الشوارع مطالبين بتجميد أسعار الشراء [5].
النتيجة المنطقية: فلاحون أمام خيارين لا ثالث لهما — إما بيع المواشي مبكراً للخروج من دوامة الخسارة، وإما الهجرة نحو قطاعات زراعية أقل إرهاقاً. وهذا بالضبط ما حدث في ولاية سيدي بوزيد، التي كانت خزاناً رئيسياً لتربية الأغنام، فاتجه كثير من مربّيها نحو زراعة الزيتون [6].
ثانياً: لوبي القشارة — استنزاف الوسيط المنظّم
حتى لو باع الفلاح خروفه بسعر معقول، يُعاد تسعيره في كل حلقة وساطة حتى يصل للمستهلك بضعف ثمنه أو أكثر. هذا ليس اجتهاداً شخصياً بل ما يصفه رئيس منظمة إرشاد المستهلك بدقة:
"الرحبة يتحكم فيها وسطاء بأسعار مستقلة تماماً عن هيكل التكلفة الحقيقي؛ بدلاً من اعتماد التكلفة الفعلية للأضحية، يتم التسعير بناءً على الربح المطلوب عند المستهلك." [7]
هؤلاء الوسطاء — أو "القشارة" — ليسوا أفراداً منفردين يبيعون في السوق، بل شبكات منظمة تتوزع بين أسواق الماشية في مختلف الجهات. يشترون من المربي صبيحة السوق ليبيعوا قبيل العيد بسعر يحدده الطلب لا التكلفة، مستغلين غياب مسالك توزيع مُرقمنة وغياب أي سقف سعري ملزم.
وقد أكّد مدير الأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة صراحةً أن الوزارة "لم تُقدم على تسعير الأضاحي" في هذا الموسم [5]، فيما يُعدّ السعر المرجعي المُعلَن — 21.9 دينار للكيلوغرام الحي — مجرد رقم استئناسي لا إلزامي [5]. وهكذا تُترك السوق لقانون الغابة: من يملك أكثر ينتزع الخروف، ومن لا يملك يعود خالي الوفاض.
ثالثاً: نزيف القطيع — الانهيار الهيكلي الصامت
وراء أزمة الأسعار أزمة أعمق: تآكل الرصيد الحيواني الوطني. يُحذّر عضو الغرفة الوطنية لمربّي الماشية من أن القطيع الوطني من الأغنام يشهد نقصاً يُقدَّر بـ 32%، وأن هذا التراجع لم يكن فجائياً بل هو "نتيجة سنوات من الإهمال وتخلّي صغار الفلاحين عن النشاط بسبب الخسائر المتكررة وغياب الأفق" [8].
تراجع قطيع الأغنام من 7 ملايين و362 ألف رأس إلى 6 ملايين و406 آلاف [9]، وقطيع الأبقار تقلّص بنسبة 20% وفق تصريح وزير الفلاحة نفسه أمام البرلمان [10]. ويرجع المختصون هذا الانهيار إلى ثلاثة روافد متشابكة:
أ — كلفة الأعلاف: الجرح الدائم
على عكس الجفاف الذي هو عامل مؤقت، فإن كلفة الأعلاف عامل دائم ومتصاعد. تقلّصت مساحات المراعي بسبب التوجه نحو الزراعات المروية وزراعة الأشجار المثمرة، مما دفع المربّين إلى الاعتماد شبه الكلي على الأعلاف الصناعية المستوردة [9].
ب — التهريب العابر للحدود
هشاشة الوضع الأمني الليبي أفضت إلى تهريب الآلاف من المواشي يومياً نحو تونس، مما ألحق ضرراً بالغاً بالقطاع المنظّم وأسهم في تراجع الاستثمار في تربية المواشي بنسبة 7.3% [11]. ومن المفارقة أن الأضحية التي تُباع في ليبيا بنحو 2500 دينار ليبي تُباع في تونس بين 1300 و1500 دينار تونسي [12]، ما يجعل التهريب تجارة مجدية يستغلها المهرّبون بنشاط موسمي منظّم.
ج — ذبح الإناث وتأكّل الطاقة التوليدية
ذبح الإناث القادرة على التكاثر — سواء داخل المسالخ أو خارجها — يضرب القطيع في صميم طاقته التجديدية. وقد طالب المختصون بوضع حدّ صارم لهذه الظاهرة وتفعيل الرقابة البيطرية في المسالخ [13].
رابعاً: فشل الحلول الترقيعية الرسمية
في مواجهة هذه المنظومة الثلاثية، لجأت الدولة إلى استيراد كميات من اللحوم المجمّدة "للضغط على الأسعار" [5]، غير أن هذا الاستيراد يذهب في الغالب إلى المسالخ الكبرى والمطاعم والنزل، لا إلى مائدة المواطن البسيط. أما نقاط البيع بالميزان فهي محدودة ومتفرقة وتعمل بسعر استئناسي لا سقف إلزامي.
والأخطر أن الخطاب الرسمي يتحدث منذ سنوات عن تفكيك شبكات المضاربة [14] دون أن يتحوّل هذا الخطاب إلى منظومة رقابية فعلية تضرب المضاربة في مفاصلها: قطاع الأعلاف، ومسالك التوزيع، وأسواق الماشية المحلية.
خامساً: من يربح؟ — المصالح المتشابكة
الإجابة الصريحة: ثلاث فئات تربح، والمواطن وحده يدفع الثمن.
أولاً — كبار موردي الأعلاف: يحتكرون سلعة استراتيجية بلا رقابة فعلية على هوامش ربحهم. ارتفاع الأعلاف يُفقر المربّي ويدفعه إلى رفع السعر النهائي، فيُعفيهم من أي مساءلة مباشرة.
ثانياً — شبكات القشارة: تستفيد من غياب مسالك توزيع منظمة لتفرض نفسها كحلقة إلزامية بين المنتج والمستهلك. لا تُضيف أي قيمة حقيقية، بل تُضخّم السعر في كل محطة.
ثالثاً — الصمت الرقابي: عدم إلزامية التسعير وغياب الرقمنة في مسالك التوزيع يُبقيان الباب مفتوحاً أمام كل أشكال المضاربة. يؤكد رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك أن "كل المؤشرات تدل على تراجع لافت في قطيع الماشية" دون أن يُقابل ذلك أي تشخيص رسمي دقيق أو خطة وطنية للتدخل [13].
سادساً: نحو منظومة إصلاح حقيقي
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالاستيراد الطارئ ولا بنقاط بيع موسمية، بل بكسر المنظومة من جذورها عبر أربعة محاور:
1. كسر احتكار الأعلاف
تفعيل قانون المنافسة وتسقيف هوامش ربح شركات توريد الأعلاف. تجريم أي اتفاق بين الشركات الكبرى على التسعير. دعم توريد الدولة للمواد الأولية مباشرة إلى صغار المربّين عبر بطاقات تزوّد ذكية.
2. تفكيك شبكات القشارة
رقمنة مسالك التوزيع وفرض بطاقة "مربي رقمية" لكل من يدخل أسواق الماشية. منع بيع الأضاحي في الأسابيع التي تسبق العيد لغير المستهلك النهائي أو الجزارين المعتمدين. توسيع نقاط البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك مع تسعير مرجعي ملزم لا استئناسي.
3. إعادة بناء القطيع الوطني
إصدار مرسوم يمنع منعاً باتاً ذبح الإناث القادرة على التكاثر. تصنيف تهريب الماشية جريمة تمسّ الأمن الغذائي الوطني. دعم البحث الفلاحي لإنتاج أعلاف محلية بديلة تعتمد على المنتجات الثانوية للزراعة التونسية (تفل الزيتون، نفايات التمور...).
4. الاستيراد الهيكلي لا الموسمي
حصر استيراد الأضاحي بشركة اللحوم الحكومية وضخها حصراً في نقاط بيع تلتزم بسعر تسقيفي محدد قانوناً، مع تعميم التجربة على كافة الولايات لا العاصمة وحدها.
خلاصة: من المتفرج التعديلي إلى المنظّم الحاسم
أضحية العيد في تونس لم تعد شعيرة دينية يستطيع الجميع أداؤها. باتت مرآةً لأزمة حوكمة اقتصادية أعمق: حين تُغلق الدولة عينيها على احتكار مُمنهج لمدخلات الإنتاج، وتترك شبكات الوسطاء تستنزف سلسلة القيمة، وتكتفي بحلول موسمية ترقيعية، فإنها لا تحلّ أزمة بل تُرجئها موسماً تلو آخر.
لن تعود الأضحية في متناول العائلات المتوسطة والفقيرة إلا إذا تحوّلت الدولة من دور "المتفرج التعديلي" إلى دور "المنظّم الحاسم": كسر احتكار الأعلاف، وتجريم القشارة قانونياً، وإعادة بناء قطيع الأغنام الوطني الذي هو في نهاية المطاف ركيزة سيادتنا الغذائية.
الهوامش والمراجع
[1] وكالة شينخوا العربية — «تحقيق إخباري: ارتفاع أسعار الأضاحي في تونس يُحوّل فرحة العيد إلى عبء اقتصادي»، 22 ماي 2026.
[2] سكاي نيوز عربية — «تونس.. فرحة العيد ناقصة بسبب ارتفاع أسعار الأضاحي»، ماي 2026.
[3] تونيزي تيليغراف — «صادمة أسعار أضاحي العيد.. من 800 إلى 2500 دينار تُثقل كاهل التونسيين»، ماي 2026.
[4] موقع نواة — «الأعلاف والأمن الغذائي: ما الذي يهدد قطاع اللحوم والألبان في تونس؟»، أبريل 2021. الدراسة تُثبت احتكار ثلاث مجامع تجارية كبرى لتوريد وإنتاج الأعلاف.
[5] إنكفاضة — «عيد الأضحى في تونس: غلاء الأسعار وعجز الدولة عن ضبط السوق»، جوان 2025. يتضمن تصريح وزارة التجارة بعدم التسعير، وبيانات ارتفاع الذرة.
[6] وكالة شينخوا العربية — المرجع السابق. تصريح المستشار الاقتصادي بالاتحاد التونسي للفلاحة فتحي بن خليفة.
[7] تونيزي تيليغراف — «منظمة إرشاد المستهلك: أسعار أضاحي العيد تفتقر إلى العقلانية»، ماي 2026. تصريح لطفي الرياحي.
[8] الترا تونس — «نقص بـ32% في قطيع الأغنام: عضو بنقابة الفلاحين: التوريد لن ينقذ سوق الأضاحي»، فيفري 2026. تصريح عماد وعضور.
[9] موقع أجري توداي — «تونس: تراجع قطاع الماشية»، ماي 2021. أرقام المعهد الوطني للإحصاء.
[10] تونس تتحرى — «هل تراجع عدد رؤوس الأغنام في تونس؟»، مارس 2026. تصريح وزير الفلاحة عزالدين بن الشيخ، جلسة 23 نوفمبر 2025.
[11] إرم نيوز — «مع اقتراب عيد الأضحى: عودة نشاط تهريب المواشي الليبية إلى تونس»، سبتمبر 2022. تراجع الاستثمار بـ7.3%.
[12] ليبيا أخبار — «ارتفاع الأضاحي في ليبيا بين التهريب وتراجع قيمة الدينار»، ماي 2026.
[13] الترا تونس — «اللحوم الحمراء في تونس: أزمة أسعار أم خلل منظومة؟»، ماي 2026. تصريح لطفي الرياحي، رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك.
[14] العين الإخبارية — «بعد ارتفاع كبير للأسعار: تونس تخوض معركة حاسمة ضد الاحتكار»، سبتمبر 2025. تصريح الرئيس قيس سعيد.