غزة المنكوبة: متطلبات البقاء والصمود في مواجهة الابادة ومخططات التهجير
كتب وليد العوض
كشفت حرب الإبادة الشاملة التي تعرّض لها شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة على امتداد عامين متواصلين، عن هدفٍ استراتيجي ظلّت دولة الاحتلال تحاول إخفاءه لعقود، لكنه ما لبث أن طفا على السطح بوصفه الهدف المركزي للمشروع الصهيوني، والمتمثّل في طرد الشعب الفلسطيني من أرضه
وتهجيره إلى المنافي. وهو هدف لم تنجح دولة الاحتلال في إنجازه كاملًا منذ عام 1948، رغم ما حققته من نجاحات جزئية، إذ ما يزال على أرض فلسطين التاريخية ما يقارب سبعة ملايين فلسطيني، تسعى دولة الاحتلال، بأدوات متعددة، إلى اقتلاعهم وتهجيرهم من أرضهم، انسجامًا مع
جوهر المشروع الصهيوني الذي انطلق منذ مؤتمر بازل، ورفع شعار: “شعب بلا أرض لأرض بلا شعب”.
وما تعرّض له قطاع غزة من حرب إبادة جماعية، وما رافقها من إصرار إسرائيلي ممنهج على دفع السكان نحو التهجير القسري أو ما يُسمّى “التهجير الطوعي”، لا يشكّل إلا فصلًا جديدًا من فصول هذا المشروع المتواصل. ورغم فشل هذا المسعى خلال عامين من حرب الإبادة، بفعل الموقف
المصري الرافض للتهجير، وبفعل إصرار الشعب الفلسطيني على التمسك بأرضه رغم المجازر والدمار والجوع والحصار، إلا أن القراءة الواقعية لتجربة شعبنا مع دولة الاحتلال تؤكد أن مشروع التهجير ما زال قائمًا، ويجري العمل على تنفيذه بأشكال وأساليب جديدة، عسكرية واقتصادية
وإنسانية وسياسية.
من هنا، تصبح مهمة تثبيت الناس في أرضهم، وضمان بقائهم، وإفشال مخططات التهجير القسري أو المقنّع، المهمةَ المركزيةَ الأكثر إلحاحًا في هذه المرحلة ،وهي الخط الأحمر المقدس دون سواه ، وعلى قاعدة تحقيق هذا الهدف فقط، يستطيع شعبنا أن يلتقط أنفاسه، ويواصل كفاحه من أجل
الحرية والاستقلال، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
إن أولوية البقاء والصمود في مواجهة مشروع التهجير لا يمكن أن تتحقق بالشعارات وحدها، بل تتطلب مقومات مادية وسياسية وخدماتية ملموسة، في مقدمتها التعامل مع قطاع غزة بوصفه منطقة منكوبة بكل ما تحمله هذه الصفة من التزامات وطنية ودولية. وهو ما يستدعي إعلانًا سياسيًا
واضحًا من قبل القيادة الفلسطينية، وإجراءات استثنائية تتجاوز منطق الإغاثة المؤقتة، نحو خطة إنقاذ وطنية شاملة.
فعلى المستوى الخدماتي والإنساني، يقتضي الصمود توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، وفي مقدمتها السكن المؤقت والآمن بدل الخيام البالية ومراكز الإيواء غير الإنسانية، وضمان توفير الغذاء والمياه الصالحة للشرب، والرعاية الصحية الشاملة، وإعادة تشغيل المستشفيات
والمراكز الطبية، واستئناف العملية التعليمية مع توفير أقصى أشكال الدعم، بما في ذلك إعفاء الطلبة من الرسوم الجامعية. كما يشمل ذلك إعفاء المقترضين من البنوك بعد أن دمّر العدوان بيوتهم التي اقترضوا لشرائها، وتأمين مصادر دخل أو بدائل اقتصادية تُمكّن الناس من تدبير
شؤون حياتهم بكرامة، وتمنع دفعهم إلى الهجرة كخيار قسري تحت ضغط الجوع وانعدام الأفق.
ويتطلب ذلك أيضًا فتح المعابر بشكل دائم ودون تعقيدات، وضمان تدفّق المساعدات الإنسانية دون قيد أو ابتزاز سياسي، والشروع الفوري في عملية إعادة الإعمار، حتى في ظل استمرار العدوان.
أما على المستوى السياسي، فإن الصمود يتطلب إرادة وطنية موحّدة، وبناء خطاب سياسي واضح وموحد يضع أولوية البقاء في غزة في صدارة العمل الوطني، وفوق أي اعتبارات أخرى، ويرفض تحويل المأساة الإنسانية إلى أداة ضغط على الضحايا أنفسهم. كما يتطلب تحرّكًا دبلوماسيًا فاعلًا
لفرض الاعتراف الدولي بقطاع غزة والتعامل معه كمنطقة منكوبة بفعل حرب إبادة، بما يستتبع ذلك من التزامات قانونية وأخلاقية على المجتمع الدولي، ومحاسبة دولة الاحتلال على جرائمها، بدل مكافأتها بمشاريع “إغاثة” مشروطة أو حلول التفافية تأتي على حساب المشروع الوطني وجوهره:
الحرية والاستقلال.
إن تثبيت الناس في أرضهم ليس مسألة إنسانية فحسب، بل هو جوهر المعركة السياسية في هذه المرحلة، وجبهة متقدمة من جبهات الصراع مع الاحتلال. فالصمود هو الشرط الأول لاستمرار النضال، والبقاء هو المقدّمة الضرورية لأي مشروع تحرر وطني. ومن دون توفير مقومات الصمود، يصبح
الحديث عن أي مستقبل سياسي مجرد خطابٍ معزول عن واقع شعبٍ يُدفع يوميًا إلى حافة الفناء أو المنفى.
26 شباط/فبراير/2026