في العام 1993 نشرت الكاتبة سوزانا مذكراتها بعنوان فتاة قوطعت ففي حقيقة الأمر كانت سوزانا ترى مرضها بهذه الطَّريقة : فتاة تمَّت مقاطعتها من قِبل اضطرابٍ مزعجٍ خطير منعها من متابعةِ حياتها بشكلٍ طبيعي.
وفي العام 1999 خرج للعلن واحدٌ من أجمل أفلامِ السَّيرة الذاتية وهو مقتبسٌ عن مذكراتِ الكاتبة بطريقةٍ مذهلةٍ جداً. الفيلم من إخراج جيمس مانجولد و كتبتْ سيناريو الفيلم آنا هاملتون فيلن و أبدع في أداء أدوارِ البطولةِ فيه كلاً من وينونا رايدر , أنجلينا جولي, ووبي غولدبرج و بريتني مورفي.
يسير الفيلم في خطين فهو يتناول الحياة الشخصية لبطلةِ القصة سوزانا كيلسون التي أدت دورها بكل إتقان الممثلة وينونا رايدر و في الخط الآخر هناك جميع المريضات في المصحة التي تقضي فيه سوزانا وقتاً طويلاً و لم تكن باقي الممثلات أقل إبداعاً ففي الحقيقة أدهشتنا الممثلة أنجلينا جولي بأداءٍ استحقت فيه أول جائزة أوسكار فازت بها كأفضل ممثلة بدور مساعد عن دورها المدهش في الفيلم.
و للحديث أكثر عن الفيلم علينا أولاً أن نفهم القصة و التي تبدو خلالَ الدقائقَ الأولى قصةً عاديةً جداً تتناولَ قضيةً ليست مثيرةً جداً كقضايا الإرهاب مثلاً أو احتجاز الرهائن أو تفجير الأبراج بطائراتٍ مسروقة و لكنَّك خلال الدقائق التَّالية تصابُ بالدَّهشة و يمسّكَ سحر الحكاية فهي مؤلمة و قاسية و لكنَّها تشبهنا جميعاً.
وينونا رايدر : هي امرأة في منتصف العشرينات مصابةٌ بما يعرف باضطرابِ الشخصية الحدية و قد أمضت عمراً تعاني من هذا الاضطراب الذي سببَّ لها الكثير من الألم النَّفسي و الجسدي و الجنسي فمن المعروف أنَّ المصابون بهذا الاضطراب ينخرطون في علاقاتٍ جنسية كثيرة الهدف منها دائماً إيذاء النَّفس.
أنجلينا جولي : هي امرأة أمضت في المصحة أكثر من خمسة عشرة عاماً فهي تعاني من عدة اضطراباتٍ نفسية خطيرة أخطرها فصام الشَّخصية .
بريتني مورفي : هي فتاةٌ عانت من اغتصابِ والدها المتكرر لها و للأسف فإنها تنهي حياتها عبرَ الانتحار في منزلها بعد خروجها من المصحة بفترةٍ قصيرة.
يبدو الفيلم للوهلةِ الأولى فيلماً قاتماً حزيناً يسبب الاكتئاب ولكنَّه في الحقيقة و ببساطة فيلمٌ يحاكي الواقع و يعبر عن معاناة الكثير من المصابين بأنواع مختلفة من الاضطرابات و لكنهم يعانونها بصمت من دون أن يشعر بآلامهم أحد. ينتهي الفيلم بخروج سوزانا من المصحة بعد تلقيها العلاج و بعد فهم الحياة بشكلٍ أعمق عبرَ رؤيةِ مختلف أنواعِ البشر و خوضِ تجارب مختلفة داخل المصحة . أنصحكم بمشاهدته بشدة ..
بدايةً سمي الاضطراب بالحدية لأنَّه يقف على الحد بين الذهان و العُصاب و قد كان يعتبر في الماضي نوع من أنواع الفصام و لكنَّه لاحقاً تمَّ تصنيفه كاضطراب نفسي منفصل من اضطرابات الشخصية و يعرف علمياً باسم اضطراب الشخصية غير المستقرة عاطفياً كون هذا الاضطراب يمتاز بعدم النَّظرة السوية للشخصية و عدم الرّضا عن الذات و الثقة المنخفضة جداً بالنفس. هو اضطرابٌ يظهر في شخصية المريض من الطَّفولة و تزداد أعراضه في بداية المراهقة و قد يستمر إلى ما بعد الثلاثينات و قد يختفي أحياناً في بدايةِ العشرين حتَّى من دون علاج نفسي. تذكر الإحصاءات أنَّ النَّساء هنَّ أكثر إصابةً بهذا الاضطراب من الرّجال .
_ ممارسات غير مسئولة مثل القيادة تحت تأثير الكحول أو ممارسة الجنس مع الغرباء بطرق غير آمنة أو تعاطي المخدرات
_ علاقات شخصية مضطربة
_ بذل الكثير من الجهود لتجنب الرفض ( هذا الرّفض غالباً يكون متخيلاً من طرف المريض )
_ إحساس دائم بالفراغ العاطفي حتى مع وجود شريك
_ نوبات من الغضب شديدة و عنيفة و إيجاد صعوبة في السيطرة عليها
_ التَّفكير بالانتحار أو التهديد بالإقدام عليه, إيذاء النَّفس كجرح الأطراف أو حرق الجلد و الهدف من هذا هو التَّخلص من العذاب النَّفسي
_ تقلب حاد في المزاج كالانتقال من حالةِ الحزن إلى الابتهاج ثمَّ الخوف و القلق بالإضافة إلى نوباتٍ من الاكتئاب
_ الخوف المَرضي من الوحدة
_ الخوف الشَّديد من الهجر و الرفض و الفقدان
_ التَّطرف في الكره و الحب تجاه الأشخاص فيمجدون من يحبون و يصفون من يكرهون بكل الصَّفات السيئة
_ عدم الرَّضا عن صورة الذّات و الشعور بالقبح عند النَّظر إلى المرآة
_ عدم القدرة على السَّيطرة على العواطف أو الأفكار و تنفيذ كل ما يخطر له من أفكار و رغبات على الفور
_ عدم القدرة على تمييز الحقيقة و في مراحل متطورة من المرض يصاب المريض بهلوسات سمعية و بصرية.
* أسباب وراثية: فقد أظهر بعض الدّراسات أنَّ هناك مصابون بالاضطراب الذي انتقل إليهم من أحد أفراد العائلة بشكل وراثي تماماً
* أسباب اجتماعية: الإساءة الجنسية, الجسدية, المعنوية, والإهمال والهجر و الحرمان العاطفي في الطفولة تشكل واحداً من العوامل المساعدة لظهور هذا الاضطراب
* تشوهات خُلقية: أكدت بعض الأبحاث أن لدى المصابين بهذا الاضطراب تشوهات في الفص الجبهي و تشوهات في حجم و أداء اللوزة و هي منطقة في الدماغ وظيفتها بالأساس تنظيم العواطف و الأفكار . الجدير بالذكر أنَّ لهذا الاضطراب شقين من العلاج أحدهما دوائي و الآخر سلوكي.
ولدت آمال في حي عمالي بإحدى المدن الفرنسية لم تكن تحلم يوماً أن تصبح كاتبةً أو أن تنشر مذكرات عائلية تشكل نوعا من الاعتراف الصادم ويكون فيه المتهم الأول والدها الذي كان يكرهها وينعتها بالعاهرة فقط لأنها "لم تكن ذكراً". في كتابها نقرأ: "كان أبي يرغب في أن يرزق بابن وليس ببنت. قال لأمي بعد ولادة أختي الكبرى وهي لا زالت في المستشفى: أنا متذمر كان عليك أن تنجبي ولداً لم تف بوعدك لي". وقد تحولت الكراهية التي تكنها الفتاة لأبيها إلى عقدة لدى آمال ولدى أختها الكبرى: "لقد نجح أبي في إقناعنا بأن المرأة تشكل عقدة نقص فبدأت أمارس هوايات الذكور وكنت أتخاصم مع الآخرين مثلهم لأدافع على نفس".
ترعرعت آمال وإخوتها في ظروف قاسية عنوانها الحرمان والفقر بسبب جشع أبيها وسوء معاملته لهن بشكل يشبه معاناة ما تحدث عنه كافكا بسبب والده. كان والد آمال "يرسل كل أمواله لعائلته في المغرب بينما يحرم أطفاله من كل شيء". لم يكن أمام آمال خيار آخر غير القيام بالسرقة انتقاماً من ذلك الحرمان. "كنت أسرق ملابس رياضية غالية لم أكن أفعل ذلك لأنني أحب الرياضة بل لأنني كنت في حاجة إلى نقود. كنت أهدي ما أقوم بسرقته لأخوتي وأقول لهم "أنا بابا نويل" وكنت سعيدةً جداً بذلك لأنني كنت أُدخل الفرحةَ إلى قلوبهم".
هربت آمال مع أختها وأخيها إلى باريس بعيداً عن الأب لكن الشرطة وضعت حداً لمغامرات المراهقين وأعادتهم إلى البيت. بعدها قرر الأب نفي ابنتيه إلى مدينة الرباط "لإعادة تربيتهن" وانتزع منهن جوازات السفر. وفي الرباط تعرضت آمال للاغتصاب لتصبح منبوذةً من طرف الجميع. وكاد جرحٌ في جسدها أن يؤدي بها إلى الموت لولا نجاحها في العودة إلى فرنسا متخفية وبدون أوراق هوية بعد عام ونصف من "المنفى القسري" في سجن العائلة بالعاصمة المغربية الرباط.
fc059e003f