وبعد
"أخي أنت حُرٌ وراء السدود" كلمات عبَّرت عن صاحبها... ذلك الرجل الذي لم يكن خطيبًا مُفوَّهًا تسأل عنه المنابر وتفتقِده ساحات الجهاد ومواطن مقاومة الطواغيت! وإنما كان رجلًا صادِقًا -نحسبه والله حسيبه- برَّهن على كلماته بُرهانًا عمليًا فحمل همَّ الدين ورفع راية الشريعة جاعلًا الدفاع عنها هدفًا وحيدًا يناضل لأجله.
فعاش في ظلال القرآن يكتب نبضًا حيًّا ينبض به قلبه وتَصدُقه دعوته وتتحمَّل لأجله جوارحه... فدفع ثمن ذلك راضيًا محتسبًا واثقًا بربه فلقي الله خاشعًا يأبى أن يحني جبهته لغير الله فعاشت ذكراه ذكرى عذبة...
فالمؤمن عبدٌ لله وحده ليس لهواه ولا لشهواته لا يُذِلُّ نفسه لغير الله ولا تُخفَض هامته إلا سجودًا لمولاه لا يَعتمِد بقلبه على أحد سواه...
فتعِسَ! عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الكرسى وعبد الفرج والشهوة... تعِسُوا جميعًا فكلهم مقيَّدون بأغلالِ الذُّلِ إلى الأرض التي اثَّاقلوا إليها يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ [محمد من الآية:12].
أما المؤمن فتحرَّر من كل ذلك يجاهد نفسه ليُحرِّرها من أسرِ شهواته ليسير في طريقه إلى الله معتزًّا بربه متوكلًا عليه لا يضرّه أن كادته السموات والأرض ومن فيهن بل هَمَّه إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضِيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة...
يكسِر أصنام العبودية لغير الله ويُحطِّم ممالك طواغيت جعلوا شعار ممالكهم: مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى [غافر من الآية:29] وشعار قضائهم: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء من الآية:29]...
فلا يبالي أن يقول: رَبّ السِّجْن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف من الآية:33] بل يواجه ذلك بعِزَّة الواثق بربه إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء من الآية:62]...
وأما قيود الظالمين والطغاة فيُقابِلها في الآخرة سلاسلًا وأغلالًا وسعيرًا مُقرَّنين في الأصفاد يَكفُر بعضهم ببعض ويَلعن بعضهم بعضًا.. أما في الدنيا فقيودهم أهون عند المؤمن وأحقر من قيود النفس والهوى والشهوة والدنيا تلك القيود التي قيَّدت هؤلاء الطواغيت في الحقيقة فتعسًا لهم وأضلت أعمالهم..
فلا حول ولا قوة إلا بالله... والمؤمن يخرج من حول نفسه الضعيفة إلى حول الله وقوته يتأيد بقوة من لا يُغلَب ولا تكسِبه المِحن إلا صلابة.
فمواطن الخوف عند الناس والانكسار هي مواطن القوة وزيادة الإيمان عند المؤمنين الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174].
فما هذه الصلابة إلا ثمرة الإيمان الذي فقده غيرهم فقالوا غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ [الأنفال من الآية:49] فإذا جاء الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [الأحزاب من الآية:19] وإذا رأوا علو الباطل وأهله قالوا مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب من الآية:12]...
أما أهل الإيمان فأبدًا وكلَّا فما تزيدهم المِحَن إلا قوة وصلابة ولقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في موطن الخوف حين حوصر هو وأصحابه وزُلِزِلوا زِلزالًا شديدًا فضرب صلى الله عليه وسلم بمعوله كدية -صخرة- استعصت عليهم في حفر الخندق ففلقها مُكبِّرًا قائلًا: اللهُ أكبرُ أُعْطِيتُ مَفاتيحَ الشامِ... اللهُ أكبرُ أُعْطِيتُ مفاتيحَ فارسٍ... اللهُ أكبرُ أُعْطِيتُ مَفاتيحَ اليَمَنِ... (من حديثٍ رواه ابن حجر العسقلاني)...
فكأنها كانت رمزًا لكسر صخور جبال ظاهرها أنها رواسي وحقيقتها أنها عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ [التوبة من الآية:109] ما أن تلاقي يقين المؤمن حتى تنهار إلى دركات السِّفال تحت قدم مؤمن يهتف: هَذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب من الآية:22]...
وللحديث بقية إن شاء الله!