وينظر في الكلام على هذه الأدلة كتب الأصول ومنها: مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص249- 266 معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة د. محمد حسين الجيزاني ص207- 242 وتجدهما على المكتبة الشاملة.
نتج عن اختلاف الفقهاء في حجية هذه الأدلة : اختلافهم في كثير من الفروع الفقهية التي كان دليلها واحدًا من هذه الأدلة المختلف فيها.
"ذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى أنه يعتبر حيا فلا يورث ويرث من غيره. والأصل في ذلك أن الأصل حياته فيستصحب الأصل حتى يظهر خلافه...
وذهبت الحنفية إلى أنه لا يورث ولا يرث وحجتهم في عدم إرثه من غيره ما ذكره صاحب الهداية: " ولا يرث المفقودُ أحداً مات في حال فقده لأن بقاءه حيا في ذلك الوقت باستصحاب الأصل وهو لا يصلح حجة في الاستحقاق"" انتهى من "أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء" للدكتور مصطفى سعيد الخِنّ ص548
ومن أمثلة الخلاف المبني على حجية قول الصحابي: اختلاف الفقهاء في حكم سجود التلاوة فذهب الحنفية إلى وجوبه اعتمادا على الأمر بالسجود وذم من تركه.
وذهب الجمهور إلى أنه سنة احتجاجا بما روى مالك في الموطأ (16) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ سَجْدَةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى. فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ. إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ. فَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا.
قال ابن رشد: " أما (النكاح) على (الإجارة) ففي المذهب فيه ثلاثة أقوال: قول بالإجازة وقول بالمنع وقول بالكراهة. والمشهور عن مالك الكراهة. ولذلك رأى فسخه قبل الدخول وأجازه من أصحابه أصبغ وسحنون. وهو قول الشافعي ومنعه ابن القاسم وأبو حنيفة إلا في العبد فإن أبا حنيفة أجازه.
فمن قال: هو لازم - أجازه لقوله تعالى: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) [القصص: 27] الآية. ومن قال: ليس بلازم - قال: لا يجوز النكاح بالإجارة" انتهى من بداية المجتهد (3/ 47).
منها إذا نذر ذبح ولده: لم ينعقد نذره عندنا إذ لا أصل له في شرعنا وينعقد عندهم تمسكا بقضية الخليل عليه السلام.
ومنها : أن الأضحية غير واجبة عندنا لانتفاء مدارك الوجوب فيها وعندهم تجب لقوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السلام: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت) والأمر في شرعه: أمر في شرعنا" انتهى من "التمهيد في تخريج الفروع على الأصول" ص370
ومن الكتب المفيدة في معرفة ذلك والوقوف على أثره : كتب "تخريج الفروع على الأصول" مثل كتاب "الزنجاني" الشافعي بهذا الاسم نفسه وكتاب " التمهيد في تخريج الفروع على الأصول" للإسنوي الشافعي وكتاب " مفتاح الوصول في تخريج الفروع على الأصول" للتلمساني المالكي .
ومن الدراسات المعاصرة المتخصصة في هذه المسألة كتاب " أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي" للدكتور مصطفى ديب البغا . وتجده على هذا الرابط :
أو هو: علم يبحث في أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد (المجتهد) ويبين كيفية استنباط الحكم من دليله كاستنباطه من صراحة نص الآية القرآنية أو الحديث النبوي أو من مفهومهما أو من القياس عليهما أو بغير ذلك وعلم أصول الفقه يبحث في الأدلة بصفتها الإجمالية وخصائص كل نوع منها وكيفية ارتباط أنواعها ببعض والقواعد والشروط التي تبين للفقيه المسلك الذي يجب عليه أن يلتزمه في استخراج الأحكام من أدلتها.
كانت أصول الفقه معرفة حاضرة في أذهان فقهاء الصحابة والتابعين في الصدر الأول حيث لم يكونوا بحاجة لعلم قواعد الاستدلال التي أخذت معظمها عنهم لأنهم أصحاب ملكة لسانية وخبرتهم في معرفة نقل الشرع وقرب العصر[4] وبعد انتهاء فترة الصدر الأول وظهور عصر تدوين العلوم احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل قوانين الاستنباط وقواعده لاستفادة الأحكام من الأدلة فكتبوها فناً قائماً برأسه سموه أصول الفقه. قال ابن خلدون: وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه أملى فيه رسالته المشهورة تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها وكتب المتكلمون أيضا كذلك.[4] وفي مصادر أخرى فقد قيل إن أول من صنف في علم أصول الفقه وضبط القواعد: أبو يوسف ومحمد تلميذا أبي حنيفة وقيل: بل أبو يوسف وحده وقيل: بل هو أبو حنيفة النعمان حيث كتب كتاباً أسماه كتاب الرأي ولكن لم يصل من ذلك شيء[5] والذي اشتهر قديما وحديثا: أن الشافعي أول من دون في علم أصول الفقه وكتب فيه بصورة مستقلة في كتابه المشهور: الرسالة -وهو كتاب متداول مطبوع- وقد صرح بذلك جمع كابن خلكان وابن خلدون.[6]
وأدلة الفقه الإجمالية: الكتاب والسنة والإجماع والقياس وهذه الأربعة الأدلة هي الأصول الأساسية المتفق عليها عند جمهور الفقهاء[1] وما عداها من الأدلة مختلف في تفاصيل الاستدلال بها لا في إنكارها بالكلية وتشمل: استصحاب الحال والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف وعمل أهل المدينة عند المالكية وقول الصحابي.[7]
أصول الفقه بالمعنى الإضافي: باعتباره مركباً إضافياً أي: لفظ أصول الفقه: مركب من جزئين مفردين أحدهما: أصول وثانيهما: فقه والجزآن مفردان من الإفراد مقابل التركيب لا التثنية والجمع والمؤلف يعرف بمعرفة ما ألف منه وتتوقف معرفة اللفظ المركب على معرفة مفرداته من حيث التركيب لا من حيث كل وجه.[12] فالأصل الذي هو مفرد الجزء الأول: ما يبنى عليه غيره كأصل الجدار أي أساسه وأصل الشجرة أي: طرفها الثابت في الأرض. والفرع الذي هو مقابل الأصل ما يبنى على غيره كفروع الشجرة لأصلها وفروع الفقه لأصوله.[13] وأصول الفقه بهذا المعنى الإضافي هي الأدلة الموصلة إلى فروع الفقه فيقصد بها: أدلة الفقه وقد ذكر ابن الحاجب في مختصره تعريف أصول الفقه بمعناه الإضافي فقال: وأما حده مضافاً: فالأصول: الأدلة والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال.[14]
الأصل: أسفل كل شيء وجمعه أصول لا يكسر على غير ذلك وهو اليأصول. يقال: أصل مؤصل[15] وأصل الشيء: صار ذا أصل قال أمية الهذلي:
والأصول: جمع أصل وأصل الشيء: ما منه الشيء أي: مادته كالوالد للولد والشجرة للغصن.[17] وقال الآمدي: ما استند الشيء في تحقيقه إليه. وقال أبو الحسين: ما يبنى عليه غيره وتبعه ابن الحاجب في باب القياس ورد بأنه لا يقال: إن الولد يبنى على الوالد بل يقال: فرعه.[17] وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب الدلائل والأعلام: كل ما أثمر معرفة شيء ونبه عليه فهو أصل له فعلوم الحس أصل لأنها تثمر معرفة حقائق الأشياء وما عداه فرع له. قال الزركشي: وقال القفال الشاشي: الأصل: ما تفرع عنه غيره والفرع: ما تفرع عن غيره وهذا أسد الحدود فعلى هذا لا يقال في الكتاب: إنه فرع أصله الحس لأن الله تعالى تولاه وجعله أصلاً دل العقل عليه. قال: والكتاب والسنة أصل لأن غيرهما يتفرع عنهما وأما القياس فيجوز أن يكون أصلاً على معنى أن له فروقاً تنشأ عنه ويتوصل إلى معرفتها من جهته كالكتاب أصل لما ينبني عليه وكالسنة أصل لما يعرف من جهتها وهو فرع على معنى أنه إنما عرف بغيره وهو الكتاب أو غيره وكذلك السنة والإجماع. قال: وقيل: إن القياس لا يقال له: أصل ولا فرع لأنه فعل القائس ولا توصف الأفعال بالأصل والفرع. وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي: الأصل ما عرف به حكم غيره والفرع ما عرف بحكم غيره قياساً عليه.[17]
03c5feb9e7