خط ابن حزم كتابه هذا وهو في سن لم يتجاوز فيها عقده الثالث (28 عاما) أي في قمة نضجه العاطفي والفكري وفق مقاييس ذلك العصر. واقترب المؤلف من أشد المواضيع حساسية وإرباكا في التراث الإسلامي إلا أن بيئته القرطبية المترفة كانت تسمح له بذلك وسط نسيج ثقافي واجتماعي يتميز بالتسامح والإنصات إلى المغاير والمختلف ضمن ما يتيحه الفضاء الأندلسي المنفتح آنذاك.
تتقلب الأمور في الأسواق والمكتبات وحال السياسيين والمتمردين لكن العشق يبقى ناظما ومفتاحا وميزانا لكل شيء ضمن كادر سينمائي مدهش تناوبت على تأثيثه أسماء جمعها ناصر خمير من مختلف الثقافات كالإيرانية نافين تشاودري والسورية نينار إسبر.
لا شيء يخلّد الشعوب ويثبت أسماءها في سجلات التاريخ غير قصص الحب لذلك يحق للعرب أن يتباهوا برجل خلد قصص عشقهم شرحها ودافع عنها بالمنطق والعقيدة.
قراءة سينمائية آسرة حملت توقيع المخرج والفنان التشكيلي التونسي الناصر خمير في رائعته "طوق الحمامة المفقود"
ذهل الغرب الأوروبي لعربي يعتبرونه جلفا وصحراوي الطباع كيف يكتب مصنفا في الحب وبهذه الروعة إلى درجة أن اعتبروه واحدا من أروع ما قيل في الحب عبر التاريخ.. لا يعرف قيمة الواحات إلا من خبر الصحارى.
المذهب الظاهري الذي تزعمه ابن حزم ليس بمثل تلك السذاجة التي تخيلها الآخرون ولم يكن على سوية الحماقة في مخيال الحمقى والمغفلين.. إنه لم يكن يريد من الحب سوى الحب.. ومن الله غير حب الله.
إذا كان للعرب أن يفتخروا بكتاب عن الحب فهو كتاب ابن حزم الأندلسي وإذا كان لديهم سيد يتحدث عن الحب بجدارة فهو ابن حزم الأندلسي وقد قال كل شيء في كتاب كنا قد درسناه مراهقين في مدارس تونس الثانوية وضمن مناهجها التعليمية التي أرساها الكبير الشاذلي القليبي.
ليس الأمر حديثا عن كتاب يعرفه القاصي والداني وكل من عشق الأدب العربي في أروع تجلياته لكنه اعتراف بأروع ما قالته العرب في ما عشقته العرب.
على فكرة.. كتاب ابن حزم الأندلسي درس في علم النفس التحليلي من قبل أن يخلق سيغموند فرويد وتلامذته الأشاوس. إنه أول كتاب يمكن للمرء أن يتصفحه وقد ظن أن العرب لا يفقهون في علم النفس البشري.
كتاب طَوْقُ اَلْحَمَامَة او طَوْقُ اَلْحَمَامَة وَظَلَّ اَلْغَمَامَةَ فِي اَلْأُلْفَةِ وَالْآلَافُ هو كتابٌ لابن حزم الأندلسي وصف بأنه أدق ما كتب العرب في دراسة الحب ومظاهره وأسبابه.[1] ترجم الكتاب إلى العديد من اللغات العالمية.
واسم الكتاب كاملاً طوق الحمامة في الألفة والأُلاف. ويحتوي الكتاب على مجموعة من أخبار وأشعار وقصص المحبين ويتناول الكتاب بالبحث والدَّرس عاطفة الحب الإنسانية على قاعدة تعتمد على شيء من التحليل النفسي من خلال الملاحظة والتجربة. فيعالج ابن حزم في أسلوب قصصي هذه العاطفة من منظور إنساني تحليلي. والكتاب يُعد عملاً فريدًا في بابه.
كتاب طوق الحمامة في الأصل رسالة ألفها وهو مقيم بمدينة شاطبة وقد وضع ابن حزم هذه الرسالة نزولا عند رغبة صديق محب زاره في شاطبة وسأله أن يصنف له رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقةفلبى ابن حزم رغبة صديقه حبا به -كما يقول- متحرجا بعض التحرج من كتابة رسالة في موضوع الحب واللهوفانصرف ابن حزم إلى تأليف الرسالة مقتصرا فيها على ما عرفه وخبره من الوقائع والحوادث والمواقف مبتعداً عن شطط الخيال وأوهام القُصَّاص ومتجاوزا ما زخرت به أخبار الأعراب من قصص العشاق ومآثر المحبين وآلامهم.[2]
يشمل الكتاب نصائح وفوائد كبيرة يوزعها في أبواب فمثلا في باب من أحب من نظرة واحدة يحذر من الوقوع في الحب في الوهلة الأولى ويسرد قصة أحد أصحابه:
قسم ابن حزم كتابه طوق الحمامة إلى ثلاثين باباً بدأ بباب علامات الحب وقد ذكر منها إدمان النظر والإقبال بالحديث عن المحبوب والإسراع بالسير إلى المكان الذي يكون فيه المحبوب والاضطراب عند رؤية من يحب فجأة وحب الحديث عن المحبوب بالإضافة إلى الوحدة والأنس بالانفراد والسهر.
باب ذكر من أحب في النوم وذكر فيه كثرة رؤية المحبوب في المنام ثم باب من أحب بالوصف وفيه ذكر وقوع المحبة بأوصاف معينة حتى لو لما يرى المحبوبين بعضهما فقد تقع المحبة لمجرد سماع صوت المحبوب من وراء جدار.
باب من أحب من نظرة واحدة وفيه ذكر وقوع الحب في القلب لمجرد نظرة واحدة ثم باب من لا يحب إلا المطاولة وفيه ذكر المحب الذي لا تصح محبته إلا بعد طول كتمان وكثرة مشاهدة للمحب ويصرح المحب بحبه بعد مقابلة الطبائع التي خفيت مما يشابهها من طبائع المحبوب ثم ذكر باب من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها وذكر فيه أنه من أحب صفه كانت في محبوبته لم يرغب بصفة غيرها فمن أحب شقراء الشعر مثلا لا يرضى بالسوداء الشعر.
باب التعريض بالقول وذكر فيه أن أول ما يستعمله أهل المحبة في كشف ما يجدونه إلى أحبتهم بالقول إما بإنشاد الشعر أو طرح لغز أو تسليط الكلام.
باب الإشارة بالعين وذكر فيه إشارات المحبوب لمحبوبه بالعين فالإشارة بمؤخرة العين الواحدة تعني النهي عن الأمر وإدامة النظر دليل على التوجع والأسف وكسر نظرها دليل على الفرح والإشارة الخفية بمؤخرة العين تعني سؤال وترعيد الحدقتين من وسط العينين تعني النهي العام واعتبر ابن حزم أن العين أبلغ الحواس وأصحها دلالة وأوعاها عملا عن بقية الحواس.
باب المراسلة وذكر فيه المراسلة بالرسائل وقد ذكر فيه صفات الرسائل بين المحبين وشعور المحب بالسرور عند تلقيه رسالة من محبوبه.
باب السفير وذكر فيه صفات الوسيط بين المحبوبين كالكتمان والوفاء للعهد والنصح ثم باب طي السر ويذكر فيه صفات المحب حين يخفي حبه كجحود المحب إن سئل والتصنع بإظهار الصبر ويكون سبب الكتمان الحياء الغالب على الإنسان وحتى لا يشمت به الأعداء.
باب الإذاعة وتحدث فيه عن أسباب إذاعة الحب ويكون ذلك حتى يظهر صاحب هذا الفعل في عداد المحبين ويكون ذلك بسبب غلبة الحب ثم باب الطاعة ويذكر فيه أسباب طاعة المحب لمحبوبه وفي باب المخالفة أسباب مخالفة المحب لمحبوبه مثل غلبه الشهوة.
باب العاذل وفيه ذكر اللوم للمحبوب وأثره في النفس ثم باب المساعد من الإخوان وفيه ذكر صفات الصديق المخلص الذي يعلم بأمر المحبوبين ويكتم السر ثم باب الرقيب وفيه ذكر صفات المراقب للمحبوبين ومحاولة الرقيب إظهار سرهما والبوح بوجودهما ثم باب الواشي وقد ذكر فيه صفات الواشي الذي يريد القطع بين المتحابين والإطلاع على أسرار المحبوبين وذكر الوشاة الكاذبين وذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأقوال والأشعار التي تنهى عن الكذب.
باب الوصل وفيه ذكر وصل المحبوب والمواعيد بين المحبوبين وانتظار الوعد من المحب ثم باب الهجر وذكر فيه هجر المحبوب لمحبوبه عندما يكون هناك رقيب حاضر وقد يكون من اجل التذلل وقد يكون من أجل إبعاد الملل أو بسبب العتاب لذنب يقع من المحب.
03c5feb9e7