عندما زرت مغارة جعيتا قبل نصف قرن...فرحان عبدالله الفرحان

12 views
Skip to first unread message

اصدقاء المغرب اصدقاء المغرب

unread,
Oct 29, 2010, 6:05:11 PM10/29/10
to fay...@googlegroups.com, Friendship-Le...@googlegroups.com

عندما زرت مغارة جعيتا قبل نصف قرن

فرحان عبدالله الفرحان 

القبس الكويتية

قبل الذهاب إلى مغارة جعيتا كتابيا، عليّ أن أنقل ما أورده كتاب «المنجد» عن مغارة جعيتا في لبنان بهذه الكلمات القصيرة، يقول «المنجد» في باب «الجيم»: «جعيتا قرية في لبنان ـ قضاء كسروان بالقرب من ينابيع نهر الكلب، شهيرة بمغارتها السياحية».
أما أنا فقد كنت في زيارة الى سبر الضنية، وأقمت فيها شهرا (سأخصص لها موضوعا فيما بعد)، وتفضل الأخ محمد جميل عدرة بدعوتي الى زيارة مغارة جعيتا، وأخذ يشرح لي أنها معلم من معالم لبنان المهمة والتاريخية، بل معلم سياحي مهم، وفعلا شوّقني لزيارة هذه المنطقة السياحية.
كان السيد محمد عدرة يعمل مسؤولا اول عن البيئة والتغذية في طرابلس، وكان يوم عطلته يوم الاحد، حسب نظام لبنان، وفعلا توجّهت من سير الى مدينة طرابلس، وهنا بناء على موعد سابق وجدت السيد عدرة وزوجته الكريمة وصديقه مدير البنك السيد علي نابوش ينتظرونني، متأهبين للرحيل، وفعلا ركبنا السيارة (ديكافيه سوداء) التي يملكها السيد محمد، وجلس مع صديقنا علي نابوش في الكرسي الخلفي (وانحشرنا فيه) وجلس هو يقود السيارة وبجانبه السيدة زوجته الكريمة، وابتدأنا نخترق الجبال حتى وصلنا الى منطقة كسروان بعد مرورنا بالكورة والبترون وجبيل، حتى دلفنا الى جبال كسروان، وهناك ابتدأنا نعبر من جبل الى جبل حتى وصلنا الى طريق ضيّق، واخذ يحدثني صديقي عدرة أن هذه المغارة اعدت حديثا للسياحة، وكانت سابقا مهملة او لا يهتم بها احد، وعندما وصلنا الى بوابة المغارة أتذكر اننا قطعنا تذاكر، ثمن التذكرة ليرتان، ثم ركبنا مركبا صغيرا مثل «الجاليوت» عندنا يسمونه «شختورة» وبعد أن اكتمل العدد في هذه الشختورة وحمولتها ثمانية أشخاص، جلس رجل من ابناء لبنان مع زوجته وابنه في المقدمة، وجلست ابنته الصغيرة بيني وبين السيد علي نابوش وجلس السيد محمد عدرة وزوجته في آخر الشختورة وجلس قائد الشختورة في المقدمة، وتحرك المركب الشختورة من المنفذ الأول، وكان هناك رصيف أعد لهذه السفن الصغيرة لنقل الزوار إلى هذه المغارة الأعجوبة، بقيت هذه المغارة من دون استغلال حتى سنة 1961-1960، بعد أن أخذت الشختورة تتهادى وهي تسير في لجين من الماء، ونحن مبهورون، هل ننظر إلى السقف أم ننظر إلى الأجناب؟ كل شيء معجزة من معجزات الخالق ترى الحجر الجيري المتحجر كالقناديل، ومن حسن حظ هذه الإدارة لهذه المغارة أن وضعت مجموعة من الإضاءات في طريق التوغل داخل هذه المغارة، والعودة منها، وعندما تمد يدك خارج هذه الشختورة إلى الماء وتلامسه تجد الماء البارد، الذي لا يستطيع الإنسان أن يتحمل برودته أكثر من دقيقة.
نظمت إدارة المغارة عملية الدخول والخروج، وكانت المنطقة نظيفة، وهناك على مقربة منها يوجد مطعم ومقهى، المهم بعد أن قضينا ساعة كاملة نتجول داخل المغارة وصلنا إلى البوابة، فطلبوا منا أن ننتظر بعض الوقت حتى نستطيع أن نسترجع النظر في الشمس الساطعة، حيث كنا قضينا وقتاً في الظلمة، وإن كانت هناك إضاءة إلا أن الطقس كذلك تغبر علينا، بعدها في الساعة الواحدة والنصف غادرنا هذه المغارة لنبحث عن مطعم ملائم في هذه الجبال الشاهقة، وأتذكر بعد أن وجدنا هذا المطعم البسيط اللطيف أخذنا منه بعض السندويشات، ونحن نسير في هذه الجبال، فإذ بإشارة مؤشر البنزين أوشكت على النفاد، ولا بد من التعبئة، فوجدنا علامة بالجبال تشير إلى محطة وقود وصلنا إليها، فوجدنا أنه ليس فيها إلا مكان واحد لسيارة واحدة، ولا يوجد أحد في المحطة، كل ما هناك منزل صغير قرب المحطة، وتوجد لافتة معلقة كتب عليها «إذا أردت وقوداً فما عليك إلا أن تضغط على الجرس»، فعلاً ضغطنا على الجرس فخرجت من ذلك البيت فتاة لا يتجاوز عمرها العشرين، ورحبت بنا، وقبل أن تزودنا بالوقود المطلوب، ذهبت وشغلت موتور الكهرباء الصغير، الذي يضيء المحطة ليلاً والبيت، ويشغل هذه المضخة البترولية، وبعدها أفرغت في سيارة صديقنا ثلاثين ليتراً من البنزين، وأضاف عليها قليلاً من الدهن للسيارة.
بعد ان انتهينا وسمناها اعطيناها النقود الليرات واخذت تبتسم وتقول: تفضلوا الغداء عندنا فشكرناها واسرتها وقلنا لها «غدانا معانا» نحن متوجهون الى الشمال، واخذت السيارة تكد السير من جبل الى جبل حتى وصلنا الى طرابلس عصراً، وهناك استأذنت من الرفاق وركبت {السرفيس} متوجها الى سير حيث «سير بالاس» فندقنا العتيد بعد الاستمتاع بهذه الرحلة التاريخية التي لا تنسى، واتذكر عندما ركبنا «الشختورة» طلبت من احد المصورين ان يلتقط لنا صورة تذكارية تاريخية فكانت هذه الصورة المنشورة مع الموضوع.
بعد العودة الى فندقي صليت الظهر والعصر جمعا، وبعد ان أعد طعام العشاء توجهت الى مطعم تذكرت من ضمن الكتب التي اشتريتها من احدى المكتبات في بيروت كتاب «قلب لبنان» لأمين الريحاني، ذلك الرجل الرحالة الذي زار اليمن وعمل صورة للإمام يحيى التي لا يوجد غيرها، وزار العراق والملك فيصل الاول والملك عبدالعزيز آل سعود في السعودية، وزار الكويت وقابل الشيخ احمد الجابر.
هذا الريحاني عمل كتابا في القرن العشرين في قلب لبنان سياحات قصيرة جبالنا وتاريخنا بعد العشاء في فندقنا صليت المغرب والعشاء وابتدأت اقرأ عن مغارة جعيتا في هذا الكتاب الذي جاء فيه على لمحات وربما يكون هو من اوائل من عرف عن هذه المغارة التاريخية العتيدة.
يقول في صفحة 39 عن هذه المغارة وغيرها وهو يتحدث عن الطريق المؤدي الى جعيتا التالي: من حسنات هذا الطريق الى الارز انه طريق جبلي يمر بك على ثلاثة انهر تاريخية، هي نهر الكلب ونهر ابراهيم ونهر قاديشا، وثلاث مغاور اثرية عجيبة هي مغارة جعيتا، ومغارة افقا، ومغارة بشراي (قاديشا).
ومن صفات هذه الانهر والمغاور صفة قدسية زرع بذورها الكهان، وانماها ذوو الورع والايمان وضمخها ببخوره الزمان، وقد غرست الامم الشرقية والغربية على ضفاف هاتيك الانهر اغراس الاساطير والخرافات، ووسمتها بالميسم الديني الوطني، فكانت يوما فينيقية، ويوما يونانية رومانية، ويوما ارامية (سريانية) او عربية.
لقد مررنا بآثار اليونان والرومان في نهر الكلب، ونحن الآن مشرفون على فينيقية، المتجسدة في هذا النهر الحامل اليوم اسما ساميا ولكنه غير فينيقي.
اما المغارة فهي في اسمها اقرب من النهر الى مصدر قداستها، ولولا جبن المكاري محبوب لكنا واصلنا السير في الطريق العالي اليها، فالفرق في المسافة لا يربو على العشرة كيلو مترات.
لكن جبن محبوب لم يخل من فائدة، فولاه لكنا حرمنا رؤية بلدة في هذا الوادي الفينيقي المقدس، غريبة في اوضاعها، هي قرية صغيرة كامنة آمنة في منعطف الوادي الذي ينبع في رأسه نبع الحديد، ويجري عند قدميه نهر ادونيس، وفي هذه القرية ثلاثة من متناقضات الحياة، هي في اسم القرية، واهلها، وفي كرسيها.
اخيرا، فهذه هي جعيتا ومغارتها التي زرتها قبل نصف قرن من الزمان اي في سنة 1961 انقل قصة هذه الرحلة التاريخية التي اكون من اوائل من دلف الى داخلها والتي يوجد غيرها مغارات كثيرة لم تستغل هناك في سوريا وفي بلودان قرب دمشق مغارة «موسى» وفي الصمّان بالمملكة العربية السعودية عشرات المغارات او الدحول التي تختزن الماء، وكان الداخل لهذه الدحول يدخل في فوهة صغيرة لكن هذا الدحل يتسع ويصبح جوفه متسعا كبيرا وكأنه بيت.
إذاً، هناك معالم كثيرة في العالم العربي من ضمنها مغارة جعيتا التي اخذت الشهرة واليوم مرشحة لتدخل «غينيس»، وغيرها الكثير الذي لم يأخذ مكانه بعد، لهذا اكون قد نقلتك قارئي العزيز في رحلة تاريخية مضى عليها خمسون سنة كجزء من عمر الانسان، وهنا أوقف القلم الى ان نلتقي في مكان آخر.
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages