فلسطين في الأغنية العربية
المايســـترو سليــم سحــاب
قائد اوركسترا وناقد وباحث ومؤرخ موسيقي- القــاهرة
مجلة شؤون عربية
لم يعرف العرب المعاصرون قضية سياسية قومية غدت المحور السياسى القومى الوحيد للأعمال الفنية، أكانت فى الأدب والرسم والموسيقي كقضية فلسطين. فقد عرف الأدب العربى المعاصر عشرات بل مئات الكتب تناولت القضية الفلسطينية، أكانت كتابات سياسية مباشرة أو ضمن قصائد أو روايات أدبية. وأخص هنا الكاتب السياسى الروائى الفلسطينى غسان كنفانى الذى اغتالته الموساد فى لبنان وهو فى الثلاثينات من شبابه. أما فى الرسم فأذكر شخصية محورية هو الرسام الفلسطينى الكبير الراحل إسماعيل شموط (1930-2006) رئيس اتحاد عام الفنانين الفلسطينيين (أعفف) الذى شكلت قضية فلسطين الموضوع الوحيد لكل لوحاته. وقد عرفت إسرائيل تماماً التأثير العاطفى والانفعالى للرسم واللون علي المشاهد، لذلك منعت بشدة إقامة المعارض لإسماعيل شموط داخل الأراضى المحتلة، بل إنها كانت تصادر لوحاته من المعارض المقامة، وفى بعض الأحيان كانت تدمرها بإطلاق الرصاص عليها باعتبارها مصدر خطر أمنى عليها. وقد وصلت بها العبثية إلي منع الرسامين الفلسطينيين من استعمال ألوان العلم الفلسطينى، هذا الحد الذى لم يصل إليه أعتي مجرمى الحروب وعلي رأسهم هتلر. وفى نوع آخر من الرسم برز رسام الكاريكاتير الفلسطينى العظيم « حنظة » الذى رسم فى جريدة السفير اللبنانية عدة سنوات قبل أن تغتاله الموساد فى لندن، وذلك لقوة تأثير رسوماته اليومية علي مشاهديها.
إذا انتقلنا إلي الموسيقي نري أن التراث الموسيقى العربى المعاصر لم يخلُ من هذه التيمة المحورية فى حياة الإنسان العربى المعاصر.
أول أغنيات ظهرت تتناول هذا الموضوع كانت من تلحين الملحن السورى المشهور فى الأربعينيات عبد الغنى الشيخ وغنتها سهام رفقى مطربة الأغانى البدوية التى اشتهرت حتى منتصف القرن الماضى قبل ظهور سميرة توفيق فى نفس الخط الغنائى البدوى. وقد غنت أغنيتين تناولتا هذه القضية وكان ذلك فى فترة الصراع بين المناضلين العرب ضد عصابات الهاجاناة وشتيرن وأرجون التى كان يترأسها مناحم بيجين (الحائز علي جائزة نوبل للسلام !!) وموشيه ديان السفاح المعروف وذلك قبل نكبة 1948.
كانت عائلتى مازالت تعيش فى يافا حيث ولدت وذلك بحكم عمل والدى اللبنانى هناك. وكانت الصدامات بين الفلسطينيين واليهود علي أوجها وحرب التقسيم علي وشك أن تنفجر وكنت فى تلك السن الصغيرة (1946) أقضى وقتى واقفاً قرب الشباك المطل علي الشارع. فجأة تمر مجموعة من الشبان الفلسطينيين المجاهدين ضد السرطان اليهودى الذى التهم فلسطين لاحقاً وهى تهتف مغنية وملوحة بأسلحتها أمام ناظرى :
يا فلسطين جينالك
جينا وجينالك جينالك
كلنا رجالك جينالك
تنشيل حمالك جينالك
وأغنية ثانية تقول :
مرحي مرحي قتلي وجرحي
مرحي مرحي بالملايين
قتلي وجرحي لفلسطين
مرحي مرحي مرحي
وأسرد ما ذكرته وكأنه حدث بالأمس. كنت كلما أسمع هذه الأغنيات أهرب من النافذة إلي داخل المنزل باحثاً عن حضن أمى وأنا أرتعش من الفزع والتأثر الانفعالى من لحن الأغنيتين وغناء بل هتاف هؤلاء الشباب الذاهبين للموت دفاعاً عن وطنهم. ومن المرجح أن تكون هاتان الأغنيتان أول أغنيات ظهرت عن قضية فلسطين. الأولي «يا فلسطين جينالك» من مقام البياتى المؤثر (مقام بداية تلاوة القرآن الكريم). أما الثانية «مرحي مرحي» فهى من مقام الهزام الانفعالى الشديد التأثير فهو المقام الأساسى للأناشيد الصوفية الدينية.
بعد ذلك وبعد نكبة 1948 ظهرت قصيدة محمد عبد الوهاب التى أصبحت من كلاسيكيات أغانى فلسطين، الرثائية الشهيرة لعلى محمود طه «فلسطين» التى يقول فيها: أخى جاوز الظالمون المدي. عنصران أساسيان يؤلفان جسم هذا اللحن: الغناء الإلقائى المرسل Recitativo الأقرب إلي الكلام والسرد، ثم المقاطع الموقعة ابتداءً من: أخى أيها العربى الأبى، الخالية من الحماس والمليئة بالحزن علي ما حصل، وكأنه يرثى ويندب فلسطين الضائعة حتي فى المقاطع الشعرية التى لا تتلاءم مع الذى حدث بالفعل عند قول الشاعر :
طلعنا عليهم طلوع المنون فصاروا هباءً وصاروا سدي
وقد توفى الشاعر قبل أن يعرف النهاية المفجعة.
ومن أقوي إذا لم تكن أقوي جملة لحنية فى العمل، تلك التى حذفت من تسجيل الإذاعة وبقيت فى تسجيلات عشاق محمد عبد الوهاب والتى تقول :
يسوع الشهيد علي أرضها يعانـق فى جيشـه أحمـدَ
بالرغم من عمق وأهمية المعني الرامز إلي وحدة المسلمين والمسيحيين فى الدفاع عن أرض فلسطين. وكان الاعتراض من الأزهر علي موضوع «شهادة المسيح».
بعد ذلك تقوم ثورة يوليو / تموز المجيدة بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر ومحورها السياسى القومى الأساسى قضية فلسطين. فيصبح هذا الموضوع بذلك محور الأغانى القومية الوطنية العظيمة التى عبرت وبشكل رائع ويومى عن الأحداث المتلاحقة التى واكبت ثورة يوليو / تموز. ونظراً إلي كثرة الأعمال الغنائية التى تناولت هذا الموضوع المهم فسوف أتناول هنا أهم هذه الأعمال حسب قيمتها الفنية ذلك كونى لا أسعي إلي الحصر التاريخى لكل ما كتب ولحن عن قضية فلسطين. وطبعاً لن أستطيع الكتابة عن هذه الأعمال بتسلسلها الزمنى الكرونولوجى وذلك للأسف لعدم وجود مراجع تاريخية كاملة لذلك، ولكن سوف أكتفى بذكر السنوات التى أعرفها والتى أملك لها مراجع لظهور هذه الأعمال.
سنة 1955 زار الأخوان رحبانى وفيروز مصر فأثمرت هذه الزيارة عن عدة أعمال محورية فى حياة الرحبانية وفيروز. وأخذ الرحبانيان عدة أغنيات لسيد درويش وأعادوا صياغتها لصوت فيروز : طلعت يا محلا نورها - زورونى - الحلوة دى، ولكن أهم ما فى هذه الزيارة كان تسجيل الثالوث الرحبانى لأغنية «راجعون» فى مصر وهى تصف حياة اللاجئين الفلسطينيين فى الخيام فى الشتات، وذلك بالرغم من عدم ذكر اسم فلسطين فى الأغنية، وغني إلي جانب فيروز كارم محمود جملة :
مقـدس الأرض ثراها مهابط الوحى سماها
أصبحـت اليوم خراباً تشـتاق للعـدل رباها
وقد أُلغيت هذه الجملة، وكذلك طبعاً مشاركة كارم محمود فى التسجيل الجديد الذى غنته فيروز لاحقاً فى بيروت. هذه الأغنية من أهم الأعمال الرحبانية التى أظهرت باكراً موهبتهم اللحنية الدرامية والتوزيعية والشعرية. وإلي جانب «راجعون» ظهرت أغنية رائعة لهذا الثالوث الكبير «مع الغرباء.. أتت ليلي لوالدها» الذى يغنى فيه الإذاعى الكبير محمد الطوخى بدور جد فيروز وهو يلعلع بصوته المنخفض الجهورى :
فصبراً يا ابنتى صبراً غـداة غدٍ لنا النصـر
وتعتبر هاتان الأغنيتان بداية الرحبانية الدرامية الكبيرة.
مع «راجعون» ظهرت فى عمل إذاعى مجموعة من الأغانى : «غاب نهار آخر (سهام شماس)، «إلي بيسان وسنرجع يوماً إلي حينا» (فيروز)، وأهمها «يافا» (جوزيف عازار)، لما تحمل من معانٍ رمزية عميقة فى الشعر وسردية درامية فى الموسيقي والوصف الموسيقى وهى تحكى قصة صيادى سمك تاهوا فى البحر والعاصفة : «ويومها قالوا إننا هالكون» (رمز توهان الشعب الفلسطينى فى الشتات خارج وطنه). ثم :
لكننا عدنا مع الصباح جئنا مع الرياح
كما يجيء المـارد
ودخلناهـا مينـا يافـا
يا طيب العود إلي يافا
الرمز هنا واضح جداً، فالصيادون هم الشعب الفلسطينى، والعاصفة والغياب هى فترة العيش فى الشتات، ثم حتمية العودة:
وسنرجع نرجع يا يافـا
وقـد شـكلت هـذه الأغنيات شريـطاً أُضيف إليه بعد 1967 أغنيات «القدس العتيقة» و «سيف فليشهر» و «زهرة المدائن» وحمل اسم: القدس فى البال، وسوف نتناول هذه الأغنيات عندما نصل إلي سنة النكسة. ويعتبر هذا الشريط أهم أعمال الرحبانية التى تعبر بشكل واضح عن عظمة الفن الملتزم.
سنة 1948 ظهر فيلم «فتاة من فلسطين» تمثيل المطربة الكبيرة سعاد محمد ومحمود ذو الفقار وصلاح نظمى وإخراج محمود ذو الفقار، وضمن ما غنت فى هذا الفيلم أغنية رائعة هى «يا مجاهد فى سبيل الله» من ألحان رياض السنباطى. ولحن هذه الأغنية شديد الانفعالية والقوة التأثيرية، إن فى المذهب :
يا مجاهد فى سبيل الله ده اليوم إللى بتتمناه
أو فى المقاطع المتشابهة اللحن. وقد غنت سعاد محمد هذه الأغنية بانفعالية عالية جداً واضح فيها تأثرها الشديد بهذا الحادث الجلل الذى أصاب العرب.
وفى سنة 1956 سنة جلاء القوات الإنجليزية عن مصر يظهر أول نشيد جماعى فى الفترة المعاصرة بعد سيد درويش وهو «قولوا لمصر تغنى معايا فى عيد تحريرها». وكان أول نشيد عربى يشارك فى غنائه مجموعة من أشهر مطربى ذلك الوقت، كل بمقطع : عبد العزيز محمود - محمد عبد المطلب - عبد الغنى السيد - وسعد عبد الوهاب، إلي جانب محمد عبد الوهاب. وتأتى مقاطع النشيد بالتوالى علي لحنين مختلفين : الأول هادئ نوعاً ذو انفعالية هادئة داخلية. أما الثانى فهو موقع بشدة وعلي درجة عالية من الانفعالية. أحد هذه المقاطع يغنيه محمد عبد المطلب علي اللحن الأولي الهادئ نسبياً. ويعيد غناءه محمد عبد الوهاب علي اللحن الثانى الانفعالى المتوثب :
قولـوا لعرابى أخـدنا بتارك مللى خانـوك
خرج الغاصب إللى شرانا من إللى باعوك
وإللى باقيلنا نخلص ثارنا
لفلسطـين وديار عروبتنا
وعلي ما أذكر هذا أول نشيد بعد الثورة يأتى علي ذكر فلسطين التى أصبح اسمها القاسم المشترك فى الكثير من الأناشيد التى ظهرت لاحقاً.
وتظهر فى هذه الأثناء أغنية - نشيد - ملتهبة غناء فايدة كامل، لا يحضرنى اسم ملحنها، «البركان العربى الهادى جالوا وقت وثار» وهى أغنية من الطراز الحماسى التحريضى الانفعالى، ويأتى فى مذهبها :
جـيش جـبار جـيش جـرار
ملهوش حصر ولهـوش عـد
صوته بيدوى يا فلسطين دقــت ســاعة التــار
وكان صوت فايدة كامل أحد أهم العناصر التى ساهمت فى إنجاح هذا النشيد بالرغم من لحنه القوى ومقامه الهزام الشديد الانفعالية. ولا ننسي أناشيدها فى نفس السنة فى أثناء الاعتداء الثلاثى الذى شكل أحد أهم عناصر المقاومة فى أناشيدها الخالدة : حضرب لآخر نقطة بدمى، ألحان الدكتور يوسف شوقى ونشيد :
دع سمائـى فسمائى محرقـة
دع قنالــى فمياهـى مغرقـة
واحذر الأرض فأرضى صاعقة
ألحان العظيم على إسماعيل وقد ورد فى أحد مقاطع هذا النشيد :
أنا عملاق قواه كل ثائر
فى فلسطين وفى أرض الجزائر
وبعد وقف العدوان وفى رحلة بحث مستقبل غزة : التدويل أم الانسحاب الإسرائيلى، ظهرت أغنية رائعة لمحمد قنديل ومجموعة كورال الرجال ومن تلحين أحمد صدقى :
غـزة غــزة إحنا فداهـا
أرض العـزة ما أغلاهــا
غـزة غــزة ما حننساها
وهى أغنية حماسية من مقام النهاوند الانفعالى وجاءت بأسلوب تلحينى تحريضى ورتم سريع متحفز.
فى سنة 1963 يلحن محمد عبد الوهاب نشيد «صوت الجماهير»، أحد أعظم الأناشيد القومية العربية الذى يشارك فى غنائه أهم الأصوات العربية الموجودة علي الساحة الفنية آنذاك : وردة الجزائرية، فايزة أحمد، فايدة كامل، نجاة الصغيرة، صباح، وعبد الحليم حافظ، إلي جانب الملحن محمد عبد الوهاب. وفى الكوبليه المخصص لفلسطين يلعلع صوت بل مدفع فايدة كامل :
باسم اتحادنا قوم يا كفاحنا قـول للصهاينـة المعتديـن
رايـة العروبة عرفت طريقها مـن عـام ثمانيـة وأربعين
وفى سنة 1965 وفى الأغنية الشهيرة التى غناها محمد عبد الوهاب بصوته «وعرفنا الحب» (مقام الهزام الانفعالى) المكونة من أربعة مقاطع، يأتى الأول والثالث علي لحن واحد والثانى والرابع علي لحن مغاير. ويحمل المقطع الرابع قسماً خاصاً لفلسطين ويعلنها محمد عبد الوهاب كالقسم بصوت متهدج ومتوعد تقشعر له الأبدان عند كلمة وحياة:
وحياة حبك لأجل عيونك يا فلسطين
راجعين راجعين
وتردد بعده المجموعة :
جيش تحريرك إيده فى إيدنا
بـكرا حيعلن عيـده وعيدنا
وذلك فى جملة مقتضبة من ثلاث علامات موسيقية يركز فيها محمد عبد الوهاب كل الخصائص الانفعالية لمقام الهزام الانفعالى أصلاً مع إيقاع قوى جارف، فتأتى هذه الجملة وكأنها مادة مضغوطة قابلة للتفجير وتحتوى علي طاقة انفعالية كبيرة جداً.
وفى سنة 1969 يلحن محمد عبد الوهاب قصيدة نزار قبانى الرائعة التى كتبها علي لسان فتاة مناضلة تريد الالتحاق بالفدائيين والقتال معهم «أصبح عندى الآن بندقية». ولهذه الأغنية العظيمة ثلاثة تسجيلات لهم قصة طريفة. التسجيل الأول بصوت محمد عبد الوهاب نفسه. الثانى بصوت أم كلثوم والثالث بصوت الاثنين معاً. وقصتها أن أم كلثوم رفضت الغناء حسب التقنية الجديدة للتسجيل من دون الأوركسترا بل علي الموسيقي المسجلة سابقاً. ولإقناعها سجل محمد عبد الوهاب الأغنية بصوته، أما التسجيل الثالث فهو نادر جداً لا يوجد فى الأسواق بل عند عشاق محمد الوهاب فقط.
وفى فيلم « الحياة الحب » (1953) وبعد ذهاب حبيب البطلة (ليلي مراد) إلي الجبهة الفلسطينية واستشهاده هناك ترثيه ليلي مراد بأغنية من أعظم الألحان الدرامية التراجيدية التى لحنها محمد عبد الوهاب وأكثرها عمقاً إنسانياً حيث تقول فى نهاية المطلع :
وإزاى أعيش من بعدك وأودعك ولا أرحش معاك
وتأتى كارثة 1967 الصاعقة، فتظهر تحفة محمود حسن إسماعيل ورياض السنباطى وسعاد محمد : «وعادت طيور المساء، يا قدس يا حبيبة السماء قومى إلي الصلاة» هذه التحفة الفنية المليئة بالخشوع وبنفس الوقت بالروح التحريضية المحفزة إلي المقاومة. كذلك تحفة صالح جودت ورياض السنباطى وأم كلثوم «الثلاثية المقدسة» هذه الملحمة الغنائية التى قل نظيرها فى تاريخ الغناء العربى.
أما فى الأغنيات القصيرة الحماسية فيبدع فؤاد حداد فى صياغة أغنيتين من أعظم الشعر ولحنهما سيد مكاوى، الأولي تقول :
ولا فى قلبى ولا عينـى إلا فلسطين
أنا العطشان ما ليش مية إلا فلسطين
أما الثانية التى طبقت شهرتها الآفاق فهى «الأرض بتتكلم عربى»، التى يقول الشاعر فى مقطعها الأخير :
الأرض بتتكلم عربى ومن حطين
ردى علي قدس فلسطين
أصلك مية وأصلك طين
هذا فى مصر. أما فى لبنان فتفجر مأساة 1967 عبقرية الأخوين رحبانى اللذين يبدعان باقة من أعظم ما ألفوا ولحنوا وغنت فيروز من أعمال درامية إنسانية عميقة « القدس العتيقة » (مريت بالشوارع)، «سيف فليشهر» (الآن الآن وليس غداً .. أجراس العودة فتلقرع) من شعر سعيد عقل، وهى تحفة من الفن التحريضى السامى، وتحفتهم «زهرة المدائن»، الأغنية التى أعطت اسمها للقدس فأصبحت لا تذكر إلا مقرونة بهذه الصفة. هذه المغناة (الكانتاتا) المكتوبة للأوركسترا والصوت الفردى والكورال تتألف من ثلاثة أقسام. القسم الأول يسيطر عليه الخشوع ورهبة الحدث : لأجلك يا مدينة الصلاة أصلى، مع مواكبة آهات الكورال وكأنك تسمع إلي ترانيم بيزنطية أو سريانية كنسية. هذا القسم ملىء بالعواطف السامية إلي جانب الجمل الموسيقية الرائعة الجمال، يزيدها أداء فيروز هيبة وجمالاً وسمواً وقدسية.
القسم الثانى: الطفل فى المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان. جو هذا القسم ملىء بالمزاج الإنسانى الهادئ، وقد كتب بأسلوب الترتيل الكنسى.
القسم الثالث: تحريضى استنهاضى : الغضب الساطع آت .. ثم القدس لنا والبيت لنا، وتتطور الدراما هنا لغاية ذروتها عند عبارة «بأيدينا سنعيد بهاء القدس»، حيث تتداخل الخطوط الغنائية الثلاثة : صوت بنات الكورال ورجالها والصوت الفردى فى نسيج بوليفونى يكثف النسيج الموسيقى ليوصله إلي نهاية الأغنية - المغناة : للقدس سلام آت.
أما تحفة الرحبانية المركزة فهى نشيد «سيف فليشهر» من شعر سعيد عقل وهى المرة الوحيدة التى أظهر فيها هذا الشاعر تعاطفه مع القضية الفلسطينية، وهو صاحب المقولة الشهيرة التى ملأت جدران بيروت الشرقية ومناطق لبنان الشرقية (فى أثناء الحرب الأهلية) : علي كل لبنانى أن يقتل فلسطينياً.
هذه الأغنية من نوادر الأناشيد التحريضية المشحونة انفعالاً ومعان قومية سامية تدعو إلي الجهاد شعراً ولحناً وأداءً وتوزيعاً وعزفاً. فقد جاء اللحن السريع مع التوزيع الدرامى المتدفق والقوى والمكثف بالتدريج مع صوت فيروز المنفعل الذى يعكس تأثرها الواضح بالحدث والمادة اللحنية الرائعة والشكل الثلاثى الواضح المعالم لأقصي حد، كل هذا جاء فى وحدة فنية متلاحمة كثيفة رفعت الشحنة الانفعالية والوجدانية والتحريضية والإنسانية والوطنية إلي درجة الغليان خاصة عند الذروة الدرامية:«قد جُن دم الأحرار» واقتحام المذهب لها بصوت الكورال علي كلمات المطلع: سيف فليشهر. كل هذا يجعل من هذه الأغنية العظيمة مثالاً نادراً للفن التحريضى السامى المتميز.
وتهز الفنان العربى فى مصر المجازر والفظائع النازية التى يرتكبها اليهود ضد العزل من أبناء فلسطين خاصة عندما أذاعت وكالات الأنباء المصورة مشاهد استشهاد الطفل «الدرة» بين أيدى والده القابع فى زاوية علي الأرض. فيظهر أوبريت من تلحين حلمى بكر شارك فيه كل الفنانين المعروفين علي الساحة الفنية تبرعاً وعلي رأسهم الفنانة الكبيرة الراحلة هدي سلطان. وقد قدمتُ هذا العمل ضمن أعمال وطنية أخري كثيرة فى حفلة كبيرة علي المسرح الكبير فى دار الأوبرا المصرية واشترك فى هذه الحفلة أكثر من أربعمائة فنان وفنانة من كل فرق دار الأوبرا : الأوركسترا السيمفونى - كورال الأوبرا - فرق الموسيقي العربية ومطربوها ومطرباتها الذين تبرعوا للمشاركة فى هذه الاحتفالية الوطنية الكبري.
وقد أخذ التحضير لهذه الحفلة، من الاتصال بالفنانين وإقامة التدريبات للفرقة الضخمة المشتركة وتحضير البرنامج وتنفيذه كل هذا، أخذ كل هذا ثلاثة أيام فقط. وقد أخذ الجانب الإدارى الضخم الذى كان من أهم أسباب نجاح الحفلة الفنان الدكتور مدحت العدل وإخوته.
وأخيراً فهذا جزء قليل من كم الأعمال الفنية الكثيرة جداً التى استلهم فيها مبدعوها قضية العرب القومية الأولي. وبهذا تكون قضية فلسطين وستبقي القضية المحورية الوطنية القومية الأولي التى شحذت وتشحذ وسوف تظل تشحذ موهبة الفنانين العرب وتمدهم بالشحنات الوطنية والإنسانية والانفعالية والوجدانية والجمالية لتظل فلسطين فى البال دوماً، ولتظل الينبوع الأول لإلهام الفنانين بالفن العظيم الملتزم.