ستر الله على عباده
ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة
بعنوان: "ستر الله على عباده"، والتي تحدَّث فيها عن فضل الله على عباده
بأنه يستر عليهم ذنوبهم ولا يفضحهم في الدنيا، وأنه - جل وعلا - يُمهِلُهم ويلطُفُ
بهم ويحلُم عليهم، ونبَّه إلى ضرورةِ أن يستر المُسلمُ أخاه إذا وجدَه على معصية
ولا يهتِك سترَه مع مُراعاة وجوب إسداء النصيحةِ له بألا يقعَ في المعاصِي، وبيَّن
أن المُجاهِرَ بالمعصيةِ أو المُحادّ لله ولرسوله يجبُ فضحُه ورفعُ أمره لوليِّ
المر ليرتدِع وليبتعِد الناسُ عن سلوك مسلكِه.
الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله مُوجِد كل موجود، ومُفيضِ الخيرِ والجُود، ذي القدرة
الباهِرة، والقوة القاهِرة، سُلطان الدنيا والآخرة، أحمده - سبحانه - وأشكره على
ما منحَ من آلاء، وأجزلَ من عطاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ
من آمنَ به وأسلَم، وفوَّضَ إليه الأمرَ وسلَّم، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا
عبدُ الله ورسوله خاتمُ أنبيائه، وخِيرةُ أصفيائه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه
وعلى آله وأصحابه أقاموا السُّنَن، واستقاموا على السَّنَن، والتابعين ومن تبِعَهم
بإحسانٍ ما تعاقبَ الزمن، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -،
والزَموا الصبرَ، واحذَروا الغدرَ، وخُذوا الناسَ بالعُذر؛ فالسعيدُ من هذَّبَ
بالصبر رغبتَه، ودبَّر بالحزمِ أمرَه، فالصبرُ جُنَّةٌ واقية، وعِزَّةٌ باقية،
وشفاءُ الصدور في التسليمِ بالمقدور، ومن ألِفَ الجزعَ قلبُه لم يرضَ عنه ربُّه،
وعظُمَ عليه خَطْبُه، وأنكرَه صحبُه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200].
أيها المسلمون:
لا كراسي اعترافٍ في الإسلام، ولا صُكوكَ غُفرانٍ عند المُسلمين؛ فمن
اقترفَ من عباد الله ذنبًا، أو هتكَ بينه وبين ربِّه سترًا فليُبادِر بالتوبة من
قريبٍ، والتائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له، والمرءُ قد تغلِبُه نفسُه أو هواه أو
شيطانُه، فيقعُ في المحظور، ويرتكِبُ الممنوع، فمن ابتُلِيَ بذلك فليستتِر بسِترِ
الله ولا يفضَح نفسَه، فكل الأمةِ مُعافَى إلا المُجاهِرين.
ومن المُجاهَرة: أن يعملَ الرجلُ عملاً، ثم يصبِح وقد سترَه الله فيقول: يا
فلان! قد عمِلتُ البارِحَةَ كذا وكذا، وقد باتَ يستُرُه ربُّه، ويُصبِحُ يكشِفُ
سِترَ الله عليه.
وفي "الصحيحين" أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم
-، فقال: يا رسول الله! إني عالجتُ امرأةً في أقصَى المدينة، وإني أصبتُ منها دون
أن أمسَّها - استمتاعٌ من غيرِ جِماعٍ -، فها أنا ذا، فاقضِ بما شِئتَ. فقال له
عمر: لقد سترَكَ الله لو سترتَ نفسَك، قال: فلم يرُدَّ النبي - صلى الله عليه وسلم
-، فقام الرجلُ فانطلقَ، فأتبَعَه النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً دعاه وتلا
عليه هذه الآية: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ
طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ
ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود: 114]. فقال رجلٌ من القوم: يا نبيَّ الله! هذا له خاصَّة؟
قال: «بل للناس كافَّةً».
معاشِر الأحِبَّة:
إذا وقعَ العبدُ في الذنب، وواقعَ المعصيةَ، فإن ربَّنا رحيمٌ ودودٌ لا
يُعاجِلُ بالعقوبة، ولا يُسارِعُ بالمُجازاة؛ بل يُضفِي عليه سِترَه، ويمنعُ
اطِّلاعَ الناس عليه، ويصرِفهم عنه حتى لا ينفضِح؛ رحمةً ن الله وفضلاً، ورأفةً
منه وكرمًا.
وفي الحديث: «إن اللهَ إذا سترَ على عبده عورتَه في
الدنيا، فهو أكرمُ من أن يكشِفَها في الآخرة، وإن كشفَها في الدنيا، فهو أكرمُ من
أن يكشِفَها مرةً أخرى»؛ رواه ابن ماجه،
والترمذي، والحاكم.
وعند مُسلمٍ: «لا سترَ الله على عبدٍ في الدنيا إلا
سترَه يوم القيامة»، وعند أبي داود
والنسائي: «إن الله حيِيٌّ سَتِّيرٌ يُحبُّ الحياءَ
والسِّترَ».
ويقول نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وآله وسلم - كما في "صحيح
البخاري" -: «يدنُو أحدُكم من ربِّه فيقول: أعمِلتَ
كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول:عمِلتَ كذا وكذا، فيقول: نعم، فيُقرِّرُه ثم يقول: إني
سترتُ عليك في الدنيا، وأنا أغفِرُها لك اليوم، فيغفِرُ له ذنوبَه».
بل إن من فضل الله ورحمته وكرمه: أن العبدَ إذا وقعَ في المعصية دعاه ربُّه
إلى الرجوع إليه والإنابةِ إليه: قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: 53]؛ بل إنه يتفضَّلُ على التائبِ بإبدالِ سيئاته حسنات: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ
وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 70].
أيُّ فضلٍ ورحمةٍ وعفوٍ وإحسانٍ وتودُّدٍ يُكرِمُ ربُّنا به عبادَه؟!
يُمهِلُهم إلى سنواتٍ وسنواتٍ لعلهم يرجِعون، يبسُطُ يدَه بالنهار ليتوبَ مُسيءُ
الليل، ويبسُطُ يدَه بالليل ليتوبَ مُسيءُ النهار، يفرحُ بتوبةِ عبده أشدُّ من
فرحِ العبدِ نفسِه برجوعه إلى ربِّه.
سبحانك! أنت أرحم الراحمين، أنت الغفور الودود، وأنت الحنَّان المَنَّان.
أما خيرُ الخلقِ وأرحمُ الخلقِ بالخلقِ نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم
- فهو عظيمُ الحياء، عفيفُ اللسان، حريصٌ على سَترِ العورات، وكتمِ المعايبِ
والزلاَّت، إذا رأى شيئًا في أصحابه أو سمِع شيئًا عرَّضَ بالتلميح، وألمحَ
بالتنبيه، فقال: «ما بالُ أقوامٍ يقولون كذا وكذا»، و«ما بالُ أقوامٍ يفعلون كذا وكذا».
وصِدِّيقُ الأمةِ وصادِقُها أبو بكرٍ - رضي الله عنه - يقول: "لو لم
أجِد للسارقِ والزاني وشاربِ الخمرِ إلا ثوبي لأحببتُ أن أستُرَه به"؛ رواه
ابن أبي شيبة، وصحَّحَ سندَه الحافظُ ابنُ حجر.
هذا هو طريقُ الإسلام، وهذا هو نهجُه مع العُصاةِ والمُقصِّرين.
معاشر المُسلمين:
ثم بعد ذلك إنك لتعجَبُ ممن باتَ يستُرُه الله ثم هو يذهبُ ليهتِكَ سِترَ
الله عليه، يمُنُّ عليه ربُّه بالسَّتر فيأبَى ذلك ويرُدُّه. هل رأيتَ أشدَّ
وقاحةً من شابٍّ قد سترَه الله فيذهبُ يقُصُّ على رِفاقه ما سترَه الله عليه،
يذهبُ يكشِفُ سِترَ الله عليه.
ثم أنتم - يا أمة محمدٍ -، أنتم - يا عباد الله -! اجتهِدوا أن تستُروا
العُصاة؛ فإن ظهورَ عوراتهم وهَنٌ في الإسلام، «ومن سترَ مُسلِمًا
سترَه الله يوم القيامة»؛ أخرجه البخاري.
ومن كشفَ عورةَ أخيه كشفَ الله عورتَه حتى يفضَحَه في بيته، فلا تكونوا
عونًا للشيطان على أخيكم.
وحينما الرجلُ بماعزٍ الأسلميِّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليُقيمَ
عليه الحدَّ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو سترتَه بثوبِك
كان خيرًا لك».
ويقو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاوية - رضي الله عنه -: «إنك إن اتبعتَ
عوراتِ الناسِ أفسدتَهم أو كِدتَ أن تُفسِدهم».
المؤمنُ يستُرُ وينصَح، والمنافِقُ والفاجِرُ يهتِكُ ويُعيِّرُ ويفضَح؛ فمن
أحبَّ إخوانَه سترَ عليهم عيبَهم، وحفِظَ عليهم غيبتَهم.
قال بعضُ السلف: "لا يُعذِبُ الله قومًا يستُرون الذنوبَ".
السَّترُ - عباد الله -: إخفاءُ ما يظهرُ من زلاَّت الناسِ وعيوبهم
وعوراتهم، وتجنُّبُ فضحِهم قولاً وعملاً، همزًا وغمزًا، إشارةً وإيماءً.
والعَورةُ: كلُّ ما يُستقبَحُ ظُهورُه للناسِ حِسِّيًّا كان أو معنويًّا من
الأفعال والأقوال والأبدان والهيئات والأحوال.
وتتبُّع العورات - حفظكم الله وحماكم - هو الاستشرافُ إليها، والفُضولُ في
البحثِ عنها، ومُتابعةُ ما يتعلَّقُ بها بنظرٍ أو سماعٍ أو غير ذلك، وسَترُ ذلك
كلِّه يُطفِئُ نارَ الفساد، ويُشيعُ المحبَّةَ، ويُثمرُ حُسنَ الظنِّ بالله
وبالناسِ.
معاشر الإخوة:
المُجتمعُ المُسلمُ لا يخسَرُ بالسكوت عن تُهَم الناس والسَّتر عليها أو
السَّتر على عيوبهم، ولكنه يخسَرُ كلَّ الخسارة بإشاعة الاتهامات، وإذاعةِ
السَّوءات، وتحريضِ الضِّعافِ على الإقدامِ على الفواحِشِ، وارتكابِ المُوبِقات،
ونزعِ الثقةِ من الثقات، وارتفاعِ الطمأنينة من البيوت والاستقرار في المُجتمع.
يقول الحليميُّ - رحمه الله -: "في هتكِ سرِّ أصحاب الآثام تهوينُ أمر
الفواحِشِ على قلوبِ من يُشاعُ عنهم، وقطعٌ للتوبةِ عن أصحابها، فلا تكونوا عونًا
للشياطين على إخوانكم".
أيها الإخوة المُسلمون:
راشدُ أهل الفواحِش وقائدُهم: إبليس - عليه لعنة الله -؛ ففي التنزيل
العزيز: يَا بَنِي آدَمَ لَا
يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ
عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ
مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 27]، ويقول - عزَّ شأنه -: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ
بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 169].
فويلٌ للذين يُحبُّون أن تشيعَ الفاحِشةُ في الذين آمنوا، وويلٌ لهم مع
تعدُّد وسائل النشر والفَضحِ، وكسرِ أبوابِ الحِشمةِ والحياء؛ من صُحُفٍ ومجلاتٍ،
ومسرحيَّاتٍ، وتمثيليَّات، وقنواتٍ وتِقنيَّات، وشاشاتٍ، وهواتِف محمولة، وصفحات
الشبكات، ومواقعها ومقاطِعها.
وويلٌ لهم في أنواعِ الملابِسِ الفاضِحَة، والهيئاتِ المُشينة في سُفورٍ
وفُجور، نشرٌ للفضائح، وإشاعةٌ للقبائِح، في سُرعة انتِقال، وسَعة انتشار، من غيرِ
دينٍ يمنَع، ولا خُلُقٍ يردَع، لِقالَة السوء سمَّاعون، ولإشاعة الفساد نقَّالون،
يتلذَّذون بالإذاعة، ويُسرُّون بالإشاعة، يتصدَّرون المجالسَ بالتجريح، ويتفكَّهون
بتبادُل المقاطِع، لا يمَلُّون من التكرار، ولا يفتُرون من رصدِ الزلاَّت، يرَون
المحاسِنَ أضعافَ المساوئِ فلا يحفَظونها، ولا ينقُلُونها، والسَّقَطات والعَورات
يُدوِّنونها ويفرَحون بها، ويتفكَّهون بها ويُغرِّدون.
وقد علِمتُم أنه لا يدفعُ إلى تتبُّع العوراتِ والعثَراتِ وتلمُّس
السَّقَطات والفلَتَات لا يدفعُ إلى ذلك إلا سُوءُ الظنِّ وسُوءُ الطويَّة؛ بل
يقودُ ذلك إلى الدخول في النيَّاتِ والمقاصِد، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
انظروا - رحمكم الله - وحماكم ماذا فعلت هذه الوسائل والتقنيَّات بإساءة
الظُّنون بالولاة والعُلماء وأهلِ الرأي والكُبَراء وذوي الهيئات وسائر المُؤمنين
والمُؤمنات، مما أدَّى إلى تغيير القلوب، وفُشُوِّ الشحناء. إنك إن تتبَّعتَ
عوراتِ المُسلمين أفسدتَهم أو كِدتَ تُفسِدُهم.
اجترأوا على حُرُمات إخوانهم، وانطلقَت بالسوءِ ألسِنتهم، في حديثٍ عن
المعاصِي والمعايِبِ، وتسهيلٍ للوقوع فيها، وإرشادٍ لطرائقها، وتهوينٍ من خطرِها،
وتقليلٍ من فظائعها. وذلكم - وربِّكم - من عظائمِ الأمور وأبوابِ الشُّرور،
يُظهِرون مُجتمعَ أهل الإسلام وكأنَّه كلَّه مُجتمعُ فُحشٍ وجرائمَ ونقائصَ، مما
لا يليقُ بصلاح القلوب، ونقاءِ السرائر.
فاستُروا - رحمكم الله - العوراتِ، وتستَّروا على العُصاة.
يقول الحسنُ - رحمه الله -: "من سمِعَ بفاحشةٍ فأفشاها فكأنَّما
أتاها".
وبعدُ - يا عبد الله -:
إذا سترتَ فإياك أن تُوبِّخ أو تُعيِّر، فذلك ممنوعٌ ممنوع؛ فقد نهى
النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تُثرَّبَ الأمةُ الزانيةُ مع أمره بجلدِها،
فيجلِدُها الحَدَّ ولا يُثرِّب؛ أي: لا يُعيِّرُ بالذنبِ ولا يُوبِّخ.
وإياك - حفِظَك الله - أن تجعلَ السَّترَ وسيلةً لإذلال المستور،
واستغلاله، وتعيره بذنبِه؛ بل احرِص - رعاك الله - أن يكون ذلك وسيلةً لإصلاحه
واستِجلابِ مودَّته وإعانتهِ على البُعد عن دُرُوبِ السوءِ ومواطِن الرَّيبِ.
اللهم استُر عوراتنا، اللهم استُر عوراتنا، وآمِن روعاتنا، وأجِرنا من
خِزيِ الدنيا وعذابِ الآخرة، اللهم لك أسلمنا، وبك آمنَّا، وعليك توكَّلنا، وإليك
أنبنا، وبك خاصَمنا، وإليك حاكَمنا، فاغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما
أسرَرنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلمُ به منَّا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا
إله إلا أنت.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ
قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ
عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
(18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ
لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ
رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ
بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور: 16- 21].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه
وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله نصبَ الأدلةَ على ربوبيته وألوهيته، وأسبغَ علينا من
سحائبِ فضله وكرمه ونعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً
تُبلِغُ الفردوسَ في جنَّته، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه أشرفُ
خلقه وأكرمُ بريَّته، صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين
عِترتِه، والغُرِّ الميامين صحابته، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ وسارَ على نهجه
وسُنَّته، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، معاشر الإخوة:
اعلموا أن السَّترَ وحِفظَ السرِّ لا يُنافِي النصيحةَ، والأمرَ بالمعروف
والنهيَ عن المُنكر، ولا يُعارِضُه؛ بل يجبُ على الساتِرِ أن ينصحَ المستورَ عليه،
وأن يُبصِّرَه بعيوبه، وأن يأمرَه بالمعروف الذي قصَّر فيه، وينهاه عن المنكر الذي
وقعَ فيه، سالِكًا في ذلك مسلكَ الحكمةِ والوعظِ الحسن.
أما من عُرِف بالأذى واشتُهِر بالفساد فيُؤذَنُ التحذير منه، كما يُؤذَنُ
بالتشهير بمن يُعلِنُ فَجورَه، ويتعدَّى ضررُه، ويُخشَى أثرُه، ويُجاهِرُ بجريمته
ومعصيته؛ من السحرة والكُهَّان والمُشعوِذين، ومُروِّجي المُخدِّرات ومُهرِّبيها،
ومُهدِّدي الأمن، وناشِري الانحرافات العقدية والفكرية، فكل هؤلاء وأمثالهم يجبُ
التحذيرُ منهم والدلالةُ عليهم؛ نُصحًا للأمة، وحِفظًا للأعراض والدماء وأمن
البلاد والعباد.
يقول الإمام النووي - رحمه الله -: "يُشترطُ أن يكون المستور عليه ليس
معروفًا بالأذى والفساد؛ لأن السَّترَ عليه يُطمِعُه في الإيذاء والفساد، وانتِهاك
المُحرَّمات، وجَسارة غيره على مثلِ فعلِه، وإنما يُرفعُ أمرُه إلى وليِّ الأمر".
اهـ كلامُه - رحمه الله -.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -، واحفَظوا حُرُمات المؤمنين والمؤمنات،
واستُروا العَورات، وأقيلُوا العثَرات، واغفِروا الزلاَّت.
ثم صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ
رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال في محكم تنزيله، وهو الصادقُ في قِيلِه: إِنَّ اللَّهَ
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ الحبيب المُصطفى،
والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ
اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة
أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك
وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم
أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزةَ الدين، واخذُل
الطغاة والملاحِدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمَّتنا وولاة
أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به
كلمتك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك، واجمَع به
كلمةَ المسلمين على الحق والهُدى يا رب العالمين، اللهم وفِّقه ونائِبَه وإخوانَه
وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى
الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى
يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى
فيه أهلُ المعصية، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ
قدير.
اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم اجمع
كلمتَهم، واحقِن دماءَهم.
سوريا بوابة الحرية، ومِصباحُ الصباح، وعنوان الشجاعة، ورمزُ الثبات، وصورة
البسالة، إخواننا أهلُنا في سوريا، يتصدَّون بإيمانهم لمُجنزراتِ الظلمِ، ودبابات
الطغيان، يُسطِّرون سيرةً أذهلَت هذا العالمَ المُتخاذِل عالمَ الظلم والمصالح
الضيِّقة، والحسابات الجائِرة.
صورةُ بَسالة وعِزَّة أخجلَت القريبَ والبعيدَ، عامٌ كاملٌ وهم أعِزَّةٌ
كِرام، يُقاوِمون الظلمَ، ويأبَون الخُنُوعَ، إنهم أحفادُ خالد بن الوليد - رضي
الله عنه - الذي ماتَ على فِراشه عزيزًا مُنتصِرًا وليس في جسدِه شِبرٌ إلا وفيه
ضربةٌ من سيف، أو طعنةٌ برُمح، أو رميةٌ من سهم.
أحفادَ خالد! خرجتُم من تحت الأنقاض في شُموخٍ وعِزَّة، وارتفاعِ جِباه،
فلا نامَت أعيُن الجُبَناء، فسلامُ الله عليكِ يا سُوريا، وسلامُ الله عليكِ يا
درعَا، وسلمُ عليك يا حِمص، ويا حماة، ويا حلب الشَّهباء، ويا دمشق الشام، سلامُ
الله عليكم أجمعين، سلامُ الله عليكِ يا أرض البركات والأنبياء، حفظَكِ الله
وأعزَّكِ، وأقرَّ بالنصرِ عينَكِ، وأبقاكِ رمزًا وذُخرًا لراية الحق، وحُماة
الدين، ومقبرةً للطُّغاة.
اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، واحفَظ
أعراضَهم، وأطعِم جائِعَهم، اللهم واشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِ طريدَهم،
اللهم فُكَّ حِصارَهم، واربِط على قُلوبهم، وثبِّت أقدامهم، وانصُرهم على من بغَى
عليهم.
اللهم واجعل لهم من كل همٍّ فرَجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ
عافية، اللهم أعِنهم ولا تُعِن عليهم، وانصُرهم ولا تنصُر عليهم.
اللهم عليك بالطُّغاة الظلَمة في سُوريا، اللهم عليك بالطُّغاة الظلَمة في
سُوريا، اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسَدوا وأسرَفوا في الطُّغيان، اللهم
عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك اللهم اجعل تدبيرَهم في تدميرهم، واجعل دائرةَ السوء
عليهم يا قويُّ يا عزيزُ.
اللهم وفِّقنا للتوبة والإنابة، وافتح لنا أبوابَ القبول والإجابة، وتقبَّل
طاعاتنا ودعاءَنا، وأصلِح أعمالنا، وكفِّر عنا سيئاتنا، وتُب علينا، واغفر لنا،
وارحمنا يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك ربِّ العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب
العالمين.
|