شهدت الدولة العثمانية بالتوازي مع توسُّع رقعتها الجغرافية الهائلة في البلقان والشرق الأوسط تطورا داخليا في سوق العلوم والمعارف ولا شك أن النهضة العلمية التي تمتَّعت بها الدولة المملوكية المجاورة في بلاد الشام ومصر وسهولة انتقال أتراك الأناضول وغيرهم من رعايا العثمانيين إلى دولة المماليك واحتكاكهم بالنظم التعليمية السائدة فيها فضلا عن التطور العلمي داخل الأناضول منذ عصور سلاجقة الروم كل ذلك خلق دينامية كبيرة وتطورا علميا هائلا في عصر السلاجقة والعثمانيين فيما بعد.
كانت المدارس العثمانية التي تطورت بصورة مدهشة منذ القرن الخامس عشر لا سيما مع عصر السلطان محمد الفاتح بمنزلة المنبع الذي تخرَّج فيه الموظفون العثمانيون وعلماؤهم بداية من القضاة ونوَّابهم ونهاية بالمدرسين والمُعيدين وكُتَّاب الدواوين والدفاتر وغيرهم. ويرجع تأسيس تلك المدارس إلى قيام الدولة العثمانية ذاتها في بدايات القرن الثامن الهجري حيث جرت العادة أن تُبنَى هذه المدارس بجوار المساجد أو ضِمن بنائها وهو أمر مُعتاد منذ عصر "نظام الملك" وزير السلاجقة الأشهر في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي.
نظَّم السلطان سليمان القانوني التعليم في تلك المدارس في اثنتي عشرة درجة ثم وضع لكل درجة منها اسما خاصا وكان على كل طالب الحصول على "إجازة" قبل أن ينتقل إلى الدرجة التالية وعندما وصل إلى الدرجة السادسة من "صحن الثمان" سُمِح له أن يعمل "مساعد مدرس" في الدرجات الأولى فأعاد مع الطلاب ما كانوا قد أخذوه من أساتذتهم وسُمِّي "معيدا" حينئذ وهي الوظيفة ذاتها التي نراها في جامعاتنا اليوم. وفي هذه الحالة توقَّف المُعيد عن كونه "صوفته" أي متشوِّق للعلم فإذا أراد أن يصل إلى منزلة "المُدرِّس" فعليه أن يُتابع تعلُّمه في الدرجات الستة الأعلى المتبقية والحصول على "إجازاتها" وإذا تمكَّن من ذلك فعليه أن يبدأ التدريس في المرحلة الدنيا ثم يرتقي تدريجيا نحو العليا عبر الدرجات التسعة الأولى من أصل اثنتي عشرة درجة. ولا يصبح مرشحا لمنصب "المُلَّا" أو "القاضي الكبير" إلا بعد الوصول إلى الدرجة التاسعة من التدريس على الأقل.[3]
ولا شك أن نظام المدرسة الإسلامية التي تُشبه اليوم الكليات والجامعات بمفهومها الحديث كان أسبق عصرا من الدولة العثمانية بثلاثة قرون على الأقل إذ وُجِدَت في معظم المدن الأناضولية هذه المدارس التي أنشأها رجال السياسة أو التجارة أو حتى أهل الخير من النساء والرجال المياسير أصحاب الثروات وتأكَّدوا من استمرارها من بعدهم عبر نظام الأوقاف الذي دعم ثبات الاستقرار المالي لتلك الشبكة التعليمية وكذا لطلبة العلم ومنها خرج كبار الأعلام والعلماء ورجال السياسة والجيش وغيرهم.
وُلد طاش كوبري في مدينة بورصة العاصمة القديمة للدولة العثمانية التي ازدهرت بسوق العلوم والمعارف في عصرها الذهبي في القرن التاسع الهجري لا سيما قبل افتتاح القسطنطينية واتخاذها عاصمة للعثمانيين منذ عصر السلطان محمد الفاتح وكان والده المولى "مصطفى بن خليل" من كبار علماء الدولة العثمانية ومدرسا شهيرا في العلوم الشرعية شغل العديد من وظائف التدريس في كبريات مدارس بورصة وأنقرة وغيرها من مدن الأناضول.[4]
في سنوات عُمره الأولى انتقل طاش كوبري زاده مع والده إلى مدينة أنقرة -عاصمة تركيا اليوم- حيث عمل والده في المدرسة البيضاء وهنالك حرص والده على تحفيظه وأخيه محمد القرآن الكريم وتعليمهما اللغة العربية وحين أتمَّ حفظ كتاب الله أرسله مع أخيه إلى مدينة إسطنبول لاستكمال تعليمهما على يد كبار علمائها وقد لقّبه والده منذ ذلك الحين بعلاء الدين أحمد بينما لقَّب أخاه بنظام الدين محمد. وحين أتمَّا ما أراده منهما انتقلا من جديد إلى بورصة حيث كان يقيم عمُّهما لكن بوفاة أخيه نظام الدين محمد في عمر الأربعة عشر عاما قرَّر طاش كوبري زاده الانتقال إلى مقر إقامة والده حينذاك في مدينة أماسيا وهنالك استكمل تلقيه للعلوم على يد العديد من مشاهير العلماء الأتراك والعرب مثل "قوجوي محيي الدين محمد أفندي" و"أحمد بن قاضي زاده" و"محمد التونسي" وغيرهم.[5]
نرى في ترجمته التي خصَّها لنفسه في كتابه الأشهر "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" ثراء وتنوعا كبيرا في العلوم التي حصَّلها طاش كوبري زاده في تلك السن ما بين علوم القرآن والعربية نحوا وصرفا وبلاغة والحديث النبوي الشريف والفقه الحنفي وعلم الأصول والمنطق وعلم الكلام. ونرى في العشرات من أسماء العلماء الذين تلقَّى عليهم طاش كوبري زاده أصالة وعلمية كبيرة. على سبيل المثال فإنه تلقَّى الحديث النبوي الشريف على يد الشيخ "محمد التونسي المغوشي" وقد قال فيه: "أجازني إجازة ملفوظة مكتوبة أن أروي عنه التفسير والحديث وسائر العلوم وجميع ما يحوز له ويصحُّ عنه رواية وهو يروي عن شيخه ولي الله شهاب الدين أحمد البكي المغربي وهو يروي عن شيخه حافظ المشرقين أمير المؤمنين في الحديث شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني ثم المصري".[6]
وبالمثل أخبرنا طاش كوبري زاده عن تلقِّيه علوم العربية والحديث والتفسير عن والده العالم الشيخ مصطفى بن خليل الذي نجده في سلسلة تلقيه العلوم حيث حرص طاش كوبري زاده على ذكرها وأنها تمتد إلى علماء كبار مثل العلامة "سعد الدين التفتازاني" إمام العربية والأصولي الأشهر في زمنه وهو ثراء مشيخي يكشف لنا مدى ترابط شبكة العلوم والمعارف بين أقطار العالم الإسلامي في ذلك الحين.
حين أتمَّ العلامة طاش كوبري زاده تحصيله العلمي عُيِّن وهو في سن الثلاثين بمدرسة "ديمهتوقة" وهي مدينة تقع في إقليم تراقيا اليوناني اليوم قُرب الحدود مع تركيا وهناك درَّس علوم البلاغة والعربية ثم انتقل إلى مدرسة "المولى حسن" بإسطنبول حيث درَّس أصول الفقه والفقه الحنفي ثم انتقل إلى التدريس في مدارس البلقان العثماني لا سيما في مدينة "إسكوب" عاصمة مقدونيا الشمالية اليوم. وواصل طاش كوبري زاده تنقُّله مدرِّسا وعالما في كبريات مدارس الدولة العثمانية حتى ارتقى إلى أعظم مدارس الدولة العثمانية ولهذه الشهرة العلمية الواسعة في علوم الحديث والتفسير والفقه والعربية والهيئة والطب وغيرها أصدر السلطان سليمان القانوني قراره بتعيينه قاضيا للعاصمة إسطنبول عام 1552م[7].
في هذه السنوات العشر الأخيرة من حياته أُصيب طاش كوبري زاده بالرمد ثم فقد بصره وبسبب ذلك تشوَّق الرجل إلى كتابة بعض المسائل العلمية التي استطاع تفسير مشكلاتها أو كما قال: "منَّ الله سبحانه عليَّ بحل بعض المباحث الغامضة وتحقيق المطالب العالية وكتبت لكلٍّ منها رسالة ومجموعها ينيف على الثلاثين إلا أن صوارف الأيام بتقدير الملك العلَّام قد اخترمتها ولم يتيسَّر لي تبييضها هذا ما منحني الله تعالى من العلوم". ونحن نرى ترجمته لنفسه في كتابه "الشقائق" وقد أملاها على بعض تلامذته حين مرض قبيل وفاته بثلاثة أعوام فقط حيث "فرغتُ من إملائه يوم السبت آخر شهر رمضان المبارك في تاريخ سنة خمس وستين وتسعمئة بمدينة قسطنطينية المحمية حماها الله تعالى"[8].
59fb9ae87f