ودخلت غزة
طلال الخضر
تحققت اليوم إحدى أمنيات حياتي.. فلطالما تمنيت أن تطأ قدمي أرض فلسطين المباركة.. والحمدلله الذي صدقني اليوم وعده..
دخلتها وآيات الفتح تمر بخاطري.. لقد صدقكم الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون
فخررت ساجداً لا أدري لماذا كنت عصي الدمع حينها..ربما لم أكن مستوعباً بعد.. فأنا أعرف نفسي وأعرف أن دموعي لا تغيب عادة عن هذه المواقف..
دخلتها وسط احتفاء حاشد من أهلها المتشوقين لرؤية ضيف -أي ضيف- يزورها.. فإن غزة ليست بالمكان الذي يزورها الزائر قبل أن يلاقي مثل ما لاقيناه من طول انتظار دام شهراً كاملاً في اللاذقية انتظاراً لموافقة حضرات السادة في السلطات المصرية..
دخلت البقعة الصغيرة في حجمها العظيمة في صمودها.. القطعة التي هي اليوم محور اهتمام العالم وشغل الإعلام الشاغل وحديث الخطباء والشعراء والناس.. دخلتها لأرى بنفسي ما يُقال عنها فأطابق مشاهد الإعلام بمشاهد عيني.. ففقد شاهدتها في الأخبار كثيراً.. لكنني اليوم شاهد عيان.. وليس السامع كالمعاين..
مشيت بين ضواحيها شبراً شبراً.. فقيل لي: هنا استشهد محمد الدرة.. بالمكان الذي تقف عليه الآن يا طلال.. وهنا قُصف الشيخ أحمد ياسين بثلاث قذائف بالأباتشي فجراً وأسلم روحه شهيداً سعيداً.. وفي هذا الحي استشهدت عائلة السموني كاملة عن بكرة أبيها, 50 فرداً في لحظة واحدة وما بقي إلا طفلة.. وانظر لهذا الركام الذي كان مدرسة أو مسجداً أو بيتاً.. كان هنا مدرسة ومسجداً وبيتاً..
أتيت غزة لا لأعطي.. بل لأأخذ.. ويدي اليوم هي اليد السفلى.. جئت لأتعلم درساً في معنى الكرامة.. ودرساً في مفهوم العزة.. ودرساً ميدانياً في الصمود.. هذه الدروس لا يدرسها اليوم إلا جامعة غزة..
أتيت غزة لا منة لي ولا فضلاً.. بل لأشكر أهلها على صمودهم.. وعلى جهادهم نيابة عن الأمة وسط تخاذل العالم عنهم..
فمن صاحب الفضل هنا؟ أهو الذي يوصل المساعدات أم الذي يدافع شرف الأمة وحرمة المسجد الأقصى؟ أهو الذي ينفق ماله أم الذي ينفق روحه؟
من ظن لحظة أنه صاحب الفضل والمنة على أهل فلسطين بحفنة دنانير أنفقها.. فإن المسجد الأقصى خصيمه يوم القيامة..
قيل لي أن غزة مدمرة بالكامل.. وأن أهلها صامدون..
وأقول أن من قال هذا من وسائل الإعلام أو غيرهم.. والله لا يعرف كيف يصف التدمير ولا وصف الصمود..
لقد ظلمكم الإعلام يا أهل غزة.. فالمفارقة شاسعة جداً بين الشاشة والواقع.. ولا أريد أن أصف شيئاً مما رأيت فأظلمهم
أسأل الله الذي أصدقني وعده بدخول غزة.. أن يبلغني صلاة الفاتحين في المسجد الأقصى
***
في الهامش:
بيت شعر نقشته على جدار مدرسة الأنوروا في مخيم اللاجئين في اللاذقية.. قلت هذا البيت قبل 3 سنوات.. ومطلع القصيدة يقول: خذوني دار ياسينٍ خذوني *** والقوني بغزة واتركوني
والحمدلله الذي أوصلني غزة اليوم
آخر كلمة:
قبل خروجي من الحدود المصرية على سيارتي.. أوقفتني مذيعة لإحدى القنوات المصرية وكادت أن تدخل المايك في فمي لتسألني عن شعوري بدخول غزة؟
فقلت الحمدلله.. دخولها حلم واليوم تحقق الحلم
قالت: وما تقول لمن ساهم في تسهيل قافلتكم؟
قلت: أشكر جميع من ساندنا ووقف معنا ودعا لنا
قالت: هل تشكر أحداً؟
قلت: أشكر قيادة القافلة وأشكر المتضامنين وأشكر السلطات السورية التي استضافتنا بكل حفاوة في اللاذقية طيلة ثلاثة أسابيع
قالت: وماذا تقول لمصر؟
قلت: أشكر الشعب المصري الذي أعلم تماماً تعاطفه مع إخوانه في غزة وحرقتهم على قضية فلسطين
قالت: طيب يا سيدي وبتقول إيه للسلطات المصرية؟
قلت:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهندِ