الفتاة الإيطالية التي دخلت غزة
طلال الخضر
عند وصولنا إلى معكسر الطلائع في مدينة اللاذقية السورية.. كانت الوفود الأوروبية لقافلة شريان الحياة قد سبقتنا إلى هناك, كذلك كان وفد المغرب العربي موجودا.. ركنّا سياراتنا التي أتينا بها من عمّان ثم سرت في جولة استكشافية للتعرف على مرافق المعسكر..
معسكر الطلائع: مدرسة عسكرية لطلبة الكشافة السورية, أشبه ما تكون بمزرعة كبيرة تتكون من غرف متجاورة تتكون من باب وشباك وأسرّة ذات طابقين, وفي الناحية الأخرى البعيدة توجد دورات المياه التي ربما تحتاج لأربع دقائق من السير لوصولها, وفي قلب المعسكر توجد المنصة الرئيسية المخصصة لقادة المعسكر والتي كان يستعملها أعضاء القافلة للاجتماع..
لا أخفيكم أن الوضع هناك لم يكن مريحاً حيث أنه لم يكن مهيّأً لمتضامنين بينهم نساء وكبار سن.. ناهيك عن نظافته "المش ولا بد" وافتقاره لأساسيات وضروريات العيش.. ولا أخفيكم أن البعض اشمأز من المكان وقرر الذهاب إلى فندق.. أما باقي الأعضاء رأوا أنها "قازرة".. على أمل أن المكوث في المعسكر لن يدوم أكثر من 3 أيام, فقريباً ما ستوافق السلطات المصرية للقافلة بالتحرك للعريش ومن بعدها ننطلق إلى غزة ونترك هذا المكان غير المريح.. لم نكن نعلم حينها أن مكوثنا في المعسكر سيمتد إلى 3 أسابيع انتظاراً!
وعلى أية حال.. كنت حريصاً على التعرف على أكبر عدد ممكن من أعضاء القافلة من المشرق والمغرب العربي خصوصاً المتضامنين الأوربيين الذين كان لي فضولاً كبيراً لمعرفة سبب تضامنهم مع غزة.. فلذلك دعوني أعرض لكم نماذجاً عجيبة غريبة من المتضامنين معنا في القافلة.
أولهم كانوا مجموعة من الايرلنديين الذين سألتهم عن سبب تضامنهم فقالوا: نحن في ايرلندا نعاني كما يعانيه الفلسطينيون تماماً من احتلال.. فنحن مازلنا تحت الانتداب البريطاني القاهر الذي ما زال يذل شعبنا ويصادر حريتنا.. لذلك نحن أكثر الشعوب شعوراً بمعاناة الفلسطينيين!
أما أبعد المتضامنين عن فلسطين هم المتضامنون من نيوزلندا.. ولك أن تتصور أنهم قطعوا نصف الكرة الأرضية غرباً ليصلوا إلى بريطانيا.. ثم عادوا شرقاً بالسيارات إلى غزة قاطعين قارة أوروبا كلها! سألت أحدهم ما جاء بكم؟ قال: نحن كنا تحت الاحتلال البريطاني لعقود طويلة وعانينا الاضطهاد والذل.. ثم استقلينا أخيراً بعد نضال وكفاح سالت فيه الدماء على الشوارع وزهقت فيه الأرواح وقطعت فيه الأشجار ودمرت فيه الأرض .. لذلك نحن لسنا نطالب بتحرير فلسطين فحسب.. بل نحن ندعم خيار المقاومة التي تمارسه حماس.. ونرفض خيار المساومة التي يمارسها عباس!! الله أكبر.. ما زلت مصدوماً من هذا الجواب! وتبدو صورة أحدهم في الأسفل مرتديا تيرشيرت أسود كتب عليه "المقاومة" بالأحمر !!!
هل تذكرون المصارع "هوق هوقان"؟ كان لدينا أحد المتضامنين البريطانيين يشبهه تماماً.. مفتول العضلات ومدرع بالسلاسل التي لفها حول رقبته ويده وقد أوقف جلده معرضاً للرسومات والوشم.. أول فكرة خطرت ببالي حينما قابلته لأول مرة: إلهى مالذي أتي بهذا من حلبة المصارعة إلى هنا؟!!
لكنه كان أنشط أعضاء القافلة في خدمة المتضامنين وترتيب المعسكر وتنظيفه وتحميل الاداوات الطبية الثقيلة وإدخالها في الحافلات.. غير ذلك ما رأيته من حسن تعامله مع الآخرين..
وبينما هو بيننا.. إذ وصل إليه خبر وفاة والده.. ولا أحتاج لشرح قدر ألم فقدان الأب..توقعنا عودته لكن صاحبنا أبى إلا أن يدخل غزة وألا يرجع إلى دياره.. ولما كانت الأيام الأخيرة قبل الانطلاق إلى غزة.. إذ وصل إليه خبر مرض زوجته التي تبدو أنها في صحة متدهورة.. هنا اضطر أخيراً صاحبنا للرجوع.. رجع وكان يبكي بكاء الأطفال لعدم تمكنه من إكمال الرحلة إلى غزة لإيصال المساعدات.. تخيلوا معي شكله الغريب وتفكروا بعظمة المبدأ الذي يحمله في قلبه!
أما المفاجأة الأخيرة.. هي تلك الفتاة الإيطالية الشابة, التي كانت تثير القلق من شكلها المريب.. فالوشم من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها, وحلقات الأذن تملأ أنفها وشفاها وأذنها.. والله أعلم أين أيضاً.. ولم يكن لبسها محتشماً في الأيام الأولى لولا أن أوعزت إدارة القافلة لها بالاحتشام قليلاً مراعاة للمتضامنين العرب..
رأيتها ذات يوم واقفة أمام أطفال فلسطينيين في مخيم اللاجئين وهي تلعب بثلاث كور صغيرة تتقاذفها بيدها ثم تتبعها بحركات بهلوانية حاملة بيدها عصاة تقلبها بيدها بخفة.. وقفت أشاهد العرض المجاني.. وكلي فضول لمعرفة مالذي أتى بفتاة بهذا الشكل من البارات والمراقص إلى هنا لتدخل معنا غزة!!؟ وبعد التصفيق سألتها ما معنى هذا الوشم الذي في يديك؟
فأجابتني بالانجليزي المكسّر: هذا الوشم للحماية, وهذا الوشم للحظ, وهذا الوشم الذي يوصلني بإله الحياة وهذا لإله القمر وهذا لإله..... !! وبعد أن عددت لي أسماء 10 آلهة سألتها..
قلت: طيب.. من أين أنتي؟
قالت: من ايطاليا
- ومن أي مدينة فيها؟
قالت: من لا مكان.. فأنا أعيش في Caravan وأتنقل من مدينة لأخرى وأجول بين القرى لأقدم عروض السيرك..
-مممممم إذاً أنتِ تعملين في السيرك؟!
قالت: نعم وقد جمعت محصول سنتين حتى أدفع تكاليف انضمامي لهذا القافلة!
-(!!!!!!).. ومالذي دفعك إلى ذلك؟!
قالت: أنا أفهم تعجبك من شكلي ومظهري ومن إلحادي.. ولست مثالاً جيداً للفتيات.. لكنني أعمل في السيرك من مدينة لأخرى حتى أرسم الابتسامة على الأطفال.. واليوم أريد أن أرسمها على وجوه أطفال غزة!!!
لا تعليق
أرى هذه النماذج من البشر فأقول سبحان الذي زرع الرحمة في قلوب أبعد الناس عن الإسلام.. ثم ألتفت إلى بيت الجيران فأقول:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهندِ
طلال الخضر
1 nov 2010