لا تتبعيني.. دعيني
طلال الخضر
ثلاثة فقط.. الذين دمعت عيني لوفاتهم وهي لم ترهم في حياتها قط.. الشيخ ابن باز والشهيد أحمد ياسين.. وغازي القصيبي رحمهم الله جميعاً..
أول ما خطر ببالي حين قراءتي خبر وفاته في رسالة الهاتف.. أنها إشاعة.. نعم إنها إشاعة! كما أشيع عنه وفاته قبل 3 أشهر عندما كان يعالج في أمريكا.. وظللت أتشبث بأمل أن يبلغني نفي الخبر إلى أن اجتاحتني أمواج القنوات والمواقع الإخبارية والرسائل الهاتفية لتغرقني بخبر وفاته.. آه كم هي لحظة ضعيفة..
أذكروا محاسن موتاكم.. قد نتكلف أحياناً بإظهار محاسن الراحلين امتثالاً للحديث او مجاملة لأهلهم أو تعاطفاً مع الموتى.. أما أبويارا -أحب الألقاب إليه- فيذكره المفكرون إذ كان أوسطهم رأيا وأعمقهم فهماً, ويذكره الشعراء إذ كان أعذبهم مفردة وأبدعهم صوراً, ويذكره الروائيون إذ كان أروعهم حبكاً وسبكاً وفكرةً, ويذكره الوزراء وأهل الإدارة إذ لم يشهد تاريخ المملكة وزيراً وإدارياً ناجحاً مثله, ويذكره الدبلوماسيون والسفراء وأهل الكويت عندما قال لهم مبشراً بتحرير الكويت: "سترجعين وردةً رائعةً كروعة النهار".. فهو الدكتور الأستاذ الجامعي السفير الوزير الشاعر المفكر الروائي.. لو حاز أحدنا لقباً واحداً منها لكان علماً من أعلام الأمة.. كيف بمن لبس كل هذه الألقاب جميعاً.. قل لي بربك من جمعها غيره؟
إنني حين أقف على أرفف مكتبتي الصغيرة.. إذ يطل علي "أبوشلاخ البرمائي" من غلاف الرواية المشهورة.. فيرسم على وجهي الابتسامة كلما ضاقت بي الدنيا, وهو صاحب الشخصية الكوميدية الذي يتعامل مع الأوضاع السياسية العالمية بكل عفوية وبساطة.. ثم ألتفت ليحييني "ضاري ضرغام الضبيّع" -أو ض.ض.ض كما سماه أبويارا اختصاراً لإسمه- من على الرف الأعلى من جهة اليمين-الرف الذي كتب على أعلاه (ركن الروايات).. مشعلاً سيجاره بين كتب القصيبي وهو يروي لي قصته مع عائشة- "الجنية" المغربية التي تزوجها وقضى معها أجمل أيام حياته .. ثم أنتبه إلى صوت شجار يخرج من أحد الكتب.. فإذا بي أتتبع الصوت إلى أن وقفت عند رواية "شقة الحرية" .. وعندما أفتح صفحات الكتاب إذ يفاجئني أربع طلبة بحرينيين يتجادلون حول مفهوم القومية العربية أثناء دراستهم في القاهرة! وهكذا كلما أمر على ركن الروايات في مكتبتي.. يحييني "سحيم" "وسلمى" وجميع أبطال روايات غازي الروائي.
ثم أسمع صوتاً موزوناً ذو إيقاع متناسق وجميل من غير ركن الروايات.. فألتفت لأسمع:
إنتحرتم؟ نحن الذين انتحرنا *** بحياة أمواتها الأحياء
يوم يدعو الجهاد لا استفتاءُ *** الفتاوى يوم الجهاد الدماءُ
فإذا هو غازي الشاعر..الشاعر الذي أوقف هذين البيتين للمقاومة الفلسطينية حينما اتُهم الشهداء بالانتحار.. وقد كلفه هذين البيتين إعفاءه من منصب سفير المملكة في لندن.. الشاعر الذي لم يبع شعره ولا قلمه لأحد.. بالرغم من مكانه الحساس وقربه من الحكام والملوك والأمراء ولسان حاله يقول:
ما احترفت النفاق يوماً وشعري *** ما اشترته الملوك والأمراء
ثم ألمح حركة في أقصى يسار المكتبة.. في رفٍ لا علاقة له بالشعر والأدب والروايات.. فإذا هم جماعة من الناس ..غازي المفكر وغازي الدبلوماسي وغازي السياسي مستندين على كتبهم في أرفف ركن السياسة والفكر.. يستند أحدهم على كتاب "العولمة والهوية والوطنية", ويستلقي الآخر على كتاب "حياة في الإدارة", ويقف غيره متفحصاً كتاب "التنمية وجهاً لوجه" كمن يقف أمام بيته متأملاً جماله ومتفحصاً ما يحتاج به إلى تحسين أو ترميم..
وهكذا وقفت أمام مكتبتي الصغيرة التي يطل على أبويارا من كل أركانها وأرففها وكأنه يقول:
لا تتبعيني دعيني واقرأي كتبي *** فبين أوراقها تلقاكِ أخباري
سقطت على ركبتي أبكي على هذا البيت الذي يودع فيه أبويارا ابنته.. لا تتبعيني إلى الممات.. فأنا لن أموت.. فها نحن موجودون.. أنا وغازي الشعر وغازي الرواية وغازي السياسة.. موجودون كلنا بين أرواق كتبنا.. بربك كيف أرثي رجلاً كهذا؟ كيف أرثيه وهو الحاضر الحي رغماً عن آفة الموت التي تجمّد الأبدان وتعطل الأعضاء.. ولا سبيل لها بتجميد الأرواح وذكرياتها وتاريخها وعطاءاتها..
بل كيف أرثي رجلاً قد رثى نفسه قبل الموت.. وكأنه يقول للشعراء.. قد كفيتكم همّ رثائي ورفعت عنكم واجب الكفاية وأسقطت عنكم التكليف.. وماذا سيكون رثائي له بعد رثاءه لنفسه سوى كلمات إنشائية قد يصفق لها المجاملون..
وداعاً أم يارا:
أيا رفيقةَ دربي!.. لو لديّ سوى *** عمري.. لقلتُ: فدى عينيكِ أعماري
أحببتني.. وشبابي في فـــتوّتهِ *** وما تغيّرتِ.. والأوجاعُ سُمّــاري
منحتني من كنوز الحُبّ.. أَنفَسها *** وكنتُ لولا نداكِ الجائعَ العاري
ماذا أقولُ؟ وددتُ البحرَ قافـــيتي *** والغيم محبرتي.. والأفقَ أشعاري
إنْ ساءلوكِ فقولي: كان يعشقني *** بكلِّ ما فيهِ من عُنفٍ.. وإصرار
وكان يأوي إلى قلبي.. ويسكـــنه *** وكان يحمل في أضلاعهِ داري
وإنْ مضيتُ.. فقولي: لم يكنْ بَطَلاً *** لكنه لم يقبّل جبــــــهةَ العارِ
وداعاً يا بلادي -المملكة العربية السعودية:
ويا بلاداً نذرت العمر.. زَهرتَه *** لعزّها!... دُمتِ!... إني حان إبحاري
تركتُ بين رمال البيد أغنيتي *** وعند شاطئكِ المسحورِ.. أسماري
إن ساءلوكِ فقولي: لم أبعْ قلمي *** ولم أدنّس بسوق الزيف أفكاري
وإن مضيتُ.. فقولي: لم يكن بَطَلاً *** وكان طفلي.. ومحبوبي.. وقيثاري
وداعاً للدنيا:
يا عالم الغيبِ! ذنبي أنتَ تعرفُه *** وأنت تعلمُ إعلاني.. وإسراري
وأنـــتَ أدرى بإيمانٍ منــنتَ بــــه *** علي.. ما خدشته كـــل أوزاري
أحببتُ لقياكَ.. حسن الظن يشفع لي *** أيــرتُجَى العفو إلاّ عند غفَّارِ؟
رحمكم الله يا غوازي