حظي تاريخ الملك عبد العزيز على مدى عقود باهتمام المؤرخين والباحثين على اختلاف توجهاتهم وجنسياتهم وغطت عشرات البحوث والدراسات والمؤلَّفات جوانب متنوعة من ذلك التاريخ سواء ما يتعلق بسيرة الملك السياسية وشخصيته القيادية وفكره الاستراتيجي ومهاراته العسكرية ورؤيته النهضوية... فذلك ليس تاريخ ملك فحسب وإنما تاريخ مملكة وسيرة أمة.
يصف الكاتب والدبلوماسي خير الدين الزركلي كيف أنه في أقل من 50 عاماً نجح رجل واحد في أن ينشئ بين البحر الأحمر وخليج العرب ما عجز 12 قرناً عن إنشائه أو الإتيان بمثله. ووصف الزركلي ذلك بالقول: إمارات تتوحد وأمة تتكون ودولة تُبنى وحضارة تُشَيَّد.
وإلى ذلك يضيف الأديب والمؤرخ السعودي محمد حسين زيدان: الملك عبد العزيز تاج تاريخه. لقد رد الاعتبار لجزيرة العرب في وحدة الكيان الكبير. أما الكاتب والصحافي البريطاني سيسيل روبرتس فيشرح كيف ملأ الملك عبد العزيز فراغاً كبيراً في التاريخ باسطاً ملكه على مساحة تقارب مساحات إنجلترا وفرنسا وألمانيا مجتمعة ويضيف: لقد غنم ملكاً باذخاً بسيفه وأمن حمايته بالسياسة.
وما يقتضي التدوين والتوثيق أيضاً طريقة تعامل أبناء الملك عبد العزيز مع ذلك الحدث الجلل فرغم مصابهم بالفقد الكبير فإن مهمتهم الهائلة في تحمُّل مسؤوليات حكم وترتيب انتقال سلطة وتأمين استقرار بلاد وإدارة شؤون دولة لم تنل أيضاً حقها كاملاً من التوثيق. فما اصطلح الدستوريون على تسميته فراغ السلطة في حالات كثيرة أحد أكثر الأوقات حرجاً في تاريخ الدول هو مما لم تعرفه المملكة العربية السعودية طوال تاريخها. ولا شك في أن مرد ذلك هو المرجعية التي اعتمدتها مؤسسة الحكم والسوابق الدستورية التي أقرتها وحرص الملك عبد العزيز على وضع آلياتها قبل وفاته لا سيما الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياته التي يرصدها هذا العمل.
وإذ يسجل شهر نوفمبر الحالي ذكرى مرور 70 عاماً على وفاة الملك عبد العزيز سنحاول الإجابة عن كثير من التساؤلات التي تتعلق بذلك التاريخ المهم في المملكة العربية السعودية والذي تزامن مع انتقال مقاليد الحكم إلى أبناء الملك عبد العزيز بما يحمله من دلالات وأثر على ما تلته من مراحل.
وكان الملك قد أطلق على عربته تلك التسمية المحببة (الحصان) واستحسن استخدامها ما جعله يترك المشي على قدميه مع تقدم السن والإصابة بتصلب الشرايين إضافة إلى قلة النوم والإجهاد بمتابعة شؤون الدولة فهو لم ينم أكثر من 4 إلى 6 ساعات في اليوم وأصيب بعدد من النوبات التي أثرت في صحته.
ويبقى أن كاريزما الشخصية وهيبة الملك وقوة الحضور لم تغب كما ظل ملازماً ذلك الحب الكبير من الشعب الوفي لأبي الأمة. وكان الملك رغم ظروفه الصحية عازماً على السفر إلى الطائف للإشراف بنفسه على موسم الحج ذلك العام.
ومع شروق الشمس غادرت الطائرة الملكية من طراز دي سي 4 سكاي ماستر الرياض في نحو الساعة 5:30 صباحاً وكأن شروق شمس ذلك اليوم وبسط أشعتها على هضبة نجد يذكران بشروق شمس الملك عبد العزيز على الرياض قبل ذلك التاريخ بأكثر من 50 عاماً وانطلاقه لتوحيد الجزيرة وبسط حُكمه عليها بعد قرون من الشتات.
ولا أعلم إن كان أحد في تلك الطائرة المقلعة إلى السماء يتصور أنها الرحلة الأخيرة وأن شمس الملك عبد العزيز تؤذن بالمغيب وسط إقلاع سرب من الطائرات أقلّت مرافقي الملك من الأمراء وكبار رجالات الدولة والحاشية والحرس.
وفي تمام الساعة 8:20 صباحاً حطت الطائرة الملكية في مطار الحوية وصعد إليها ولي العهد الأمير سعود ونائب الملك في الحجاز ووزير الخارجية الأمير فيصل للترحيب بمقدم عاهل الجزيرة. وعلى أرض المطار اصطفت الحشود من أمراء وعلماء ووزراء وأعضاء مجلس شورى وكبار التجار وقادة الجيش ورؤساء القبائل وعمد المحلات وجموع غفيرة من أبناء الشعب السعودي.
وبعد ذلك أدت الفرقة العسكرية التحية لجلالته وعُزف السلام الملكي ودوّى المطار بالتصفيق وأقيم سرادق كبير للاستقبال توافدت إليه الحشود قادمة من مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف وضواحيها لتحية الملك.
وعند وصول الموكب إلى القصر الملكي أُدِّيت التحية العسكرية وعُزف السلام الملكي. وفي مساء اليوم نفسه استقبل الملك وفوداً من أهالي الطائف وأُلقيت خلال الاستقبال قصيدة لوجيه الطائف الأديب عبد الوهاب عرب وكلمة الأهالي ألقاها نيابة عنهم المدرس بالمدرسة العزيزية الأستاذ أحمد كمال. واستمر برنامج الملك في استقبال الوفود الرسمية والشعبية وتصريف شؤون الدولة ووصفت ذلك الجريدة الرسمية بالقول: لا يزال القصر الملكي العامر بمدينة الطائف يكتظ كل يوم بالوفود من مختلف الطبقات للتشرف بالسلام على جلالة مولانا الملك المفدى والترحيب بمقدم جلالته الميمون فيتفضل جلالته بمقابلتهم ويغمرهم بعواطفه الملكية الكريمة إلى جانب استمرار جلالته في تصريف شؤون الدولة وإدارة سياستها العليا وتوجيه وزاراتها وإداراتها المسؤولة. مع النظر والإيجاز في ما يرفع إلى أعتاب جلالته من المعاملات والمعروضات.
أما الزركلي فوصف مشهداً مختلفاً فقال: لما أقبلت للسلام عليه رأيته جامد البصر لم يعرفني ولم يعرف أحداً من مقبِّلي يده أو جبهته وفيهم بعض خواصه والمقربين منه فارتعدت فريصتاي وحزنت. وفي ذلك العام لم يتمكن من ترؤس الحج فناب عنه ولي عهده الأمير (الملك) سعود. ولعل الملك كان يصاب بحالات وهن وإرهاق لا يعود فيها قادراً على التركيز الكامل يعود بعدها إلى طبيعته ويستجمع قواه.
في هذه الأثناء أشرف ولي العهد على شؤون الحجيج وتأمين سلامتهم وصحتهم وقد بلغ عددهم نصف مليون حاج وكان ذلك رقماً قياسياً. وأعلنت وزارة الصحة سلامة الحج من الأوبئة والأمراض وصادف ذلك العام اكتمال 30 موسم حج تحت حكم الملك عبد العزيز أَوْلَى خلالها الحرمين الشريفين جل اهتمامه من حيث العمارة والتوسعة والعناية والرعاية كذلك وطّد الأمن وأمَّن السبل ووفَّر الخدمات والماء والغذاء وسخَّر إمكانات الدولة لخدمة ضيوف الرحمن وكثير من ذلك لم يكن متوافراً من قبل.
وتجدر الإشارة إلى أنه خلال تلك المدة كانت هناك حوادث محلية وإقليمية وعالمية كما استمر استقبال الملك الوفود الرسمية في القصر الملكي بالطائف إذ استقبل بعد موسم الحج رئيس وزراء اليمن الأمير سيف الإسلام الحسين ووزير الأوقاف المصري الشيخ أحمد حسن الباقوري ومفتي القدس الحاج أمين الحسيني ودولة رئيس وزراء لبنان السابق صائب سلام والوزير اللبناني المفوض في جدة غالب الترك.
وكانت صحة الملك عبد العزيز قد بدأت تتراجع في الشهر الأخير من حياته وراجت شائعات بأن الأطباء أشاروا عليه بالسفر للرياض بسبب عدم ملاءمة أجواء مدينة الطائف لصحته لارتفاعها. وكانت هناك استعدادات للسفر وتكرر الحديث عن سفر الملك ثم العدول عنه وقيل إنه لم يكن مرتاحاً للسفر.
03c5feb9e7