نحو نظام ديمقراطي عـربي ...د.محمد عبد العزيز ربيع

300 views
Skip to first unread message

friendshipmorocco اصدقاء المغرب

unread,
Aug 30, 2013, 4:46:31 AM8/30/13
to fayad fayad, fay...@googlegroups.com, profess...@yahoo.com, Jaouad El Aouad, ayad

نحو نظام ديمقراطي عـربي

الديمقراطية فكرة اخترعها قدماء اليونان لتصف نظام حكم سياسي استهدف قيام الشعب بحكم نفسه بنفسه.  إلا أن التطبيق العملي لتلك الفكرة أدى إلى استيلاء طبقة واحدة على الحكم، هي طبقة الأحرار التي قامت بحكم العبيد والتحكم بهم. ومن خلال العرب وبوساطتهم انتقل الفكر اليوناني إلى الغرب الذي كان سباقاً في تطوير تلك الفكرة وغيرها من علوم وتوظيفها لتحقيق نهضة فكرية وثقافية وعلمية واقتصادية شاملة في العصر الحديث. ولقد كانت الديمقراطية من أهم الأفكار التي طورها الغرب وقام بتأسيسها كنظام حكم سياسي اكتسب مع الزمن شرعية غير منقوصة، ما جعل الفكرة الديمقراطية تتحول ببطء إلى موقف فردي وجماعي ينظم العلاقات بين الناس في المجتمع الديمقراطي. ففي المجتمعات الصناعية بالذات أصبحت الديمقراطية مع مرور الزمن حالة ذهنية تدفع الناس في اتجاه الاعتراف بحقوق متساوية مع الآخرين واحترام آرائهم، وحل الخلافات فيما بينهم بطرق سلمية. ويشير التاريخ الحديث إلى أن مبادئ الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص لم تتحقق إلا في ظل نظم الحكم الديمقراطية التي تبلورت في عصر الصناعة وتعمقت جذورها في المجتمع بعد تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية وقيام الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.

وكما أسلفنا، الديمقراطية ليست نظام حكم فقط، بل أيضاً قيمة اجتماعية ثقافية تقوم على مبدأ الاعتراف المتبادل بحقوق وواجبات متساوية، وحرية الرأي والفكر والعبادة، واحترام حقوق الإنسان والتعايش السلمي بين الناس. وإذا كانت الديمقراطية كنظام حكم تعني وضع حد نهائي للحكم الفردي ومؤسسات الدولة غير الخاضعة لرقابة شعبية فاعلة، فإن الديمقراطية كقيمة ثقافية اجتماعية تعني وضع حد نهائي لاحتكار الحقيقة من قبل حركة أيديولوجية أو فلسفة شمولية مثل الدين أو القومية أو الشيوعية، وقيامها بالسيطرة على الفكر والثقافة، وفرض مبادئها وتعاليمها على غير أتباعها من المواطنين.

يُعرِّف قاموس وبستر الديمقراطية على أنها "نظام حكم يقوم على تركز السلطة في يد الشعب أو في ممثليه المنتخبين تبعا لنظام انتخابي حر". كما يعرفها نفس القاموس أيضاً بأنها "حالة مجتمعية تتصف بتساوي الناس من الناحية الرسمية فيما يتعلق بالحقوق والواجبات". وهذا يعني أن الديمقراطية نظام حكم يُحدد علاقة الدولة بالشعب وينظمها بطريقة تُمكن الناس من المشاركة في اتخاذ القرارات ذات التأثير في مجرى حياتهم ومستقبلهم، ومنحهم الصلاحيات الكافية لمحاسبة ممثليهم فيما يتعلق بمسئولياتهم الرسمية. مع هذا، ليست الديمقراطية حالة سياسية مستقرة، وإنما عملية سياسية اجتماعية متطورة تؤثر في القيم الثقافية السائدة في المجتمع، وفي مواقف الناس ونظرتهم الفلسفية وتتأثر بها وبما تمر به من تطورات وتحولات. من ناحية ثانية، تتشكل المؤسسات الديمقراطية تبعا لتجربة كل مجتمع ديمقراطي، وتتأثر بالأوضاع الاقتصادية والهياكل الاجتماعية السائدة فيه ومدى نشاط القوى التي تتحكم في تشكيل الثقافات وصنع الحضارات. وبسبب مرور المجتمعات الإنسانية المختلفة بتجارب حياتية مختلفة جعلتها تعيش في ظل ظروف متباينة، فإن النظم الديمقراطية تختلف من مجتمع لآخر.

إن جذور الديمقراطية ومبادئها الأساسية القائمة على المساواة والعدالة والمسئولية من الممكن إرجاعها إلى العقائد الدينية. إذ اتجهت الديانات منذ ظهورها في الأزمنة القديمة إلى القول بأن كل إنسان مسئول أمام قوة عظمى غير مرئية، وأن عليه أن يتصرف بشكل أخلاقي مسئول. وعلى سبيل المثال، تقول اليهودية والمسيحية والإسلام إن كل إنسان خاضع لأوامر الله، وأن البشر متساوون أمامه. وفيما أسهمت هذه المبادئ في رفع مكانة العبيد في عين الله حسب ما تشير الأديان السماوية على الأقل، أدت إلى إضعاف منطق السلطة المطلقة التي استحوذ عليها حكام كثيرون. مع ذلك لم يستطع الدين وضع حد للاستبداد أو الاستغلال، بل قامت المؤسسات الدينية مراراً بتبرير سلطات ملوك مستبدين وحكام ظالمين. وفي سبيل إضفاء شرعية على الاستبداد والحكم المطلق، قام بعض الملوك بالادعاء بأنهم آلهة، أو من نسل الآلهة، أو يمثلون الآلهة على الأرض ويحكمون باسمهم. ولقد أسهمت تلك الادعاءات في تمكين بعض الملوك من استخدام الدين لتوحيد الناس من حولهم والاستيلاء على السلطات في المجتمع وتأسيس سلالات مالكة استمر بعضها قروناً.

إن هيمنة الكنيسة في العصور الوسطى على مختلف أوجه الحياة في المجتمع الأوروبي حرم الملوك والأمراء من الاستحواذ على ما يكفي من القوة لبناء دول قومية مستقلة ذات سيادة. لكن دخول الكنيسة في أزمة طاحنة مع انطلاق حركة الاصلاح الديني شجع الأمراء والملوك على التحالف مع أعداء الكنيسة من تجار وسكان مدن والحصول على قوة كافية لإقامة دول قومية خاضعة لسيطرتهم. وفيما استهدف الملوك من التحالف مع التجار وسكان المدن الحصول على المال لبناء جيوش وطنية تعزز سلطاتهم، استهدف التجار وسكان المدن من التحالف مع الملوك تعزيز ما حصلوا عليه من حرية اقتصادية واجتماعية بعيداً عن سلطة الكنيسة والملوك خلال القرون السابقة. إذ اتجه سكان المدن الأوروبية عامة والإيطالية خاصة مع نهاية القرن الرابع عشر إلى تسريع وتيرة النشاطات الاقتصادية والحرفية، وتكوين نقابات حرفية، والتوجه نحو تحدي التقاليد الاجتماعية السائدة في زمنهم وسلطات الكنيسة والملوك على السواء.

وفي ضوء ما ساد حياة تلك المدن حينئذ من حرية نسبية، واتجاه التجار والحرفيين إلى التركيز على نشاطات دنيوية استهدفت تحقيق مصالح مادية، فإن معطيات الحياة أخذت تتطور في اتجاه أبعد تلك المدن وسكانها عن حياة الاقطاع وتقاليده، وقادها إلى مخالفة تعاليم المؤسسة الدينية فيما يتعلق بالنشاطات التجارية والمعاملات المالية. نتيجة لتلك التطورات تبلورت طبقة غير تقليدية في المدن، تشكلت من تجار وحرفيين وممولين كان الكثير منهم قد هرب من الاقطاعيات بعد سنوات من العبودية، ما جعلهم يتصرفون ويفكرون كمجموعة من الأحرار. وإذا كانت الديمقراطية هي نظام حكم من الشعب وبالشعب ومن أجل الشعب كما قال لنكولن، فإن نظام المدينة الأوروبية في عصر النهضة كان نظاماً من التجار وبالتجار ومن أجل التجار.  لكن اصرار الكنيسة على تطبيق تعاليمها لم يترك مجالاً لحدوث تحول مجتمعي واسع من دون صراع دموي انتهى بهزيمة الكنيسة عام 1648. لكن فيما كانت العملية السياسية تسير ببطء نحو تعزيز سلطات الملوك، كان هناك أفكار جديدة وتطورات اقتصادية غير مسبوقة تغزو أوروبا وتقوم بتغيير الواقع الحياتي وطرق تفكير الناس ومواقفهم. يقول تشارلز فان دورين Charles Van Doren: شكلت تلك التغيرات تحدياً كبيراً جاء أولاً لصالح الدولة القومية على حساب الكنيسة، لكن لم تمض فترة طويلة حتى شعر الحكام المستبدون الذين حلوا محل الكنيسة بفقدان سطوتهم، حيث أصبح الإنسان، وليس الله، هو مصدر السلطات في المجتمع.

في غضون قرن من قيام الثورة الصناعية ظهر في كل دولة صناعية اقتصاد جديد، ومجتمع جديد ذو ثقافة جديدة يتكون من ثلاث طبقات: طبقة عمالية وطبقة وسطى وطبقة رأسمالية. وخلافاً لما كان عليه الحال في الماضي، قامت تلك الطبقات على أساس مصالح واهتمامات مشتركة وليس على أساس قيم ومعتقدات واحدة. ومع أن العلاقات بين تلك الطبقات خضعت لمنطق التنافس والنزاع أحياناً، إلا أن جميع الطبقات التقت حول هدف مشترك سعى إلى توسعة مجال الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي سبيل تحقيق أهدافها، قامت الطبقات الاجتماعية في المجتمع الجديد بقبول مبدأ التعددية السياسية والدينية والمشاركة في العملية السياسية. وهكذا قامت الحرية الاقتصادية التي تكونت في ظل حياة المدن بتمهيد الطريق لبلورة فكرتي الرأسمالية والديمقراطية وما ترتب عليها من نظم اقتصادية وسياسية، ما جعل النظامان يصبحان مع الأيام توأمين متلاصقين يؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به. 

تعود الأصول الفكرية للديمقراطية الحديثة إلى كتابات فلاسفة السياسة في القرنين السابع عشر والثامن عشر في الغرب، إذ اتجهت تلك الكتابات إلى القول بأن على الحكومات أن تحمي حقوق المواطنين من تسلط الدولة وسلطة الدين واستغلال المال. لذلك دعا أولئك الفلاسفة إلى الحد من تدخل الدولة في حياة الناس، خاصة فيما يتعلق بسعيهم للحصول على السعادة التي كانت تعني حينئذ الحرية والثروة. من ناحية أخرى، نظر الحكام الجدد بعين الرضا لتوجه الناس نحو الاهتمام بالمصلحة والمادة بعيداً عن الدين لأن شبح الكنيسة لم يكن قد زال تماماً من مخيلتهم. لكن حين حاولت الدولة الاستيلاء على سلطات الكنيسة والحد من حريات الناس ثارت عليها الشعوب وأجبرتها على التراجع. ومع نمو حجم الطبقة الوسطى وتحسن مستوى الحياة في ضوء استمرار النظام الرأسمالي في تحقيق التقدم، تم ترسيخ شرعية العملية الديمقراطية والفكرة العلمانية. ويجدر التذكير أن الفيلسوف العربي إبن رشد كان صاحب الفكرة العلمانية التي تقوم أساساً على فصل الدين عن الدولة والتي لم يكن بإمكان أوروبا أن تنهض من دونها.

في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وانهيار الماركسية وتفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، أصبح نظام حياة الغرب القائم على الديمقراطية والرأسمالية أكثر النظم جاذبية بالنسبة للشعوب التي عانت كثيرا من نظم الحكم الماركسية والاستبدادية، ما جعل فلاسفة الغرب يعلنون انتصار الرأسمالية والديمقراطية وانتهاء التاريخ. ولقد تبع ذلك حدوث أكبر موجة دمقرطة في العالم جعلت كل دولة خلال عقد من الزمن تصبح إما ديمقراطية أو تمر بعملية دمقرطة، أو تدعي بأنها تقوم على أسس ديمقراطية. مع ذلك استمر حكام العالم الثالث عامة، بمن فيهم حكام الدول العربية، في مقاومة الديمقراطية وإدخال تغيرات شكلية على نظم حكمهم لا تلمس جوهرها ولا تضمن الحد الأدنى من الحريات للناس.

إن قبول معظم أولئك الحكام بإدخال تعديلات ديمقراطية شكلية جاء نتيجة لحاجتهم لإرضاء دول الغرب الرأسمالية وتشجيعها على تقديم المزيد من الدعم المالي لهم من أجل الحيلولة دون انهيار اقتصاديات بلادهم، وليس بدافع الايمان بحقوق الإنسان أو واجب احترام كرامته. كان أولئك الحكام يأملون أن تؤدي الاصلاحات الاقتصادية الرأسمالية إلى تحسين أداء اقتصادياتهم قبل أن تترسخ الفكرة الديمقراطية في مجتمعاتهم وتقود إلى تغيير نظم الحكم التي يسيطرون عليها. ولما كان ليس بإمكان اصلاحات اقتصادية أن تقود إلى تحسين الأداء الاقتصادي بشكل ملحوظ من دون اصلاحات سياسية وثقافية واجتماعية موازية، فإن برامج الإصلاح الاقتصادية لم تفلح في تحقيق أهدافها، بل عادت على معظم فئات الشعب بنتائج سلبية. من ناحية ثانية، جاء الربيع العربي وما حمله من ثورات شعبية عام 2011 ليثبت أنه من غير الممكن أن تنجح اصلاحات اقتصادية في غياب اصلاحات ثقافية واجتماعية موازية تشمل نظم الحكم والقوانين وحقوق الإنسان. فالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان هي جوهر العملية الديمقراطية، وأهم الشروط المطلوبة لحدوث تنمية شاملة ونهضة مجتمعية تشارك فيها مختلف فئات المجتمع.

الآن، وقد دخلنا النصف الثاني من عام 2013، نلاحظ أن كل المجتمعات الصناعية أصبحت دولاً ديمقراطية أو في طريقها لاستكمال عملية التحول إلى الديمقراطية. أما المجتمعات التي تعيش في عصر الزراعة وما قبله فنلاحظ أنها ما تزال محكومة من قبل نظم حكم استبدادية أو غير ديمقراطية. من ناحية ثانية، نلاحظ أن المجتمعات التي تقف على أبواب عصر المعرفة أصبحت غير عقائدية أو في طريقها إلى التخلص من العقائدية، فيما ما تزال المجتمعات التي تعيش في عصور ما قبل الصناعة إما عقائدية أو تشهد ردة ثقافية تقوم على عقيدة دينية. مع ذلك، يوجد في كل مجتمع صناعي فئة أو أكثر تعيش في عصر حضاري مختلف وتمر بردة ثقافية عقائدية بسبب تفتت كل مجتمع إلى فئات ثقافية اجتماعية. فعلى سبيل المثال، تعيش ولايات جنوب أمريكا عامة في حضارة بعيدة عن حضارة المعرفة، ما يجعلها تمر بردة دينية أصولية ذات صبغة عنصرية. ومع انتصار الاقتصاد على السياسة في الثمانينيات من القرن العشرين، تحولت السياسة ببطء إلى أداة في يد النخب الاقتصادية تستخدمنها لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة. وهذا تسبب في تعطيل العملية الديمقراطية وحرمانها من القدرة على الحفاظ على رسالتها المجتمعية وخدمة قضايا الشعوب المؤمنة بها. وصف وولتر لبمان Walter Lippman الديمقراطية الأمريكية بأنها خدعة، وأن الفرد حين ينظر إلى دوره فيها وما حققه مقارنة بما كان من حقه أن يحققه فإنه سوف يقول ما قاله بسمارك عن نابليون الثالث، "يتراءى إليك من بعيد بأنه شيء عظيم، لكن حين تراه عن قرب تكتشف أنه لا شيء على الاطلاق".

شروط العملية الديمقراطية

تشير كتابات المفكرين السياسيين في الغرب إلى أن إقامة نظام ديمقراطي تحتاج إلى ثلاثة شروط أساسية:

1.  تعددية سياسية توفر خيارات حقيقية أمام الناخبين.

2.  طبقة وسطى كبيرة نوعاً ما ولديها استقلالية وثقة بالنفس ووعي يُمكِنها من تحديد مصالحها والقيام بحماية تلك المصالح.

3.  إعلام مستقل يوفر منابر للتعبير عن الرأي بحرية، ويلعب دوراً حيادياً أثناء الحملات الانتخابية.

مع ذلك، منحتني تجربتي الحياتية التي قضيت حوالي 35 سنة منها في أمريكا في الدراسة والتدريس الجامعي فرصة رؤية التجربة الديمقراطية الأمريكية والمشاركة في العملية الانتخابية، ما جعل بإمكاني تقييم تلك التجربة من الداخل. من ناحية ثانية، سمحت لي تجربة حياة غير عادية قضيت حوالي 35 سنة أخرى منها في التجول في عالم العلم والمعرفة والدراسة والتدريس الجامعي في أكثر من 50 دولة برؤية تجارب أخرى وتقييم التجربة الأمريكية من الخارج. نتيجة لذلك، وجدت أن الشروط السابقة لا تكفي لقيام نظام ديمقراطي قادر على تحقيق أهدافه. إن هناك حاجة لشرط رابع هو توفر ثقافة التآلف (التسامح)، وإيمان أتباع الديانات والثقافات والقوميات المختلفة بتلك الثقافة نظرياً وممارستها عملياً. وفي تحليلنا للعملية الديمقراطية، سوف نركز على التجربة الأمريكية بوصفها الأقدم والأكثر ديمومة.

التعددية السياسية

تتكون التعددية السياسية في أمريكا من حزبين رئيسيين: الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. في أواخر الثمانينيات حصل تقارب في وجهات النظر بين النخب السياسية الحزبية، ما جعل تلك النخب تتحرك نحو الوسط وتشكل فيما بينها طبقة حاكمة شبه مستبدة. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وفشل الماركسية تسارعت عملية التقارب، ما جعل بإمكان الطبقة الحاكمة أن تتبادل الأدوار فيما بينها وتقوم باحتكار كل القرارات السياسية والاقتصادية ذات العلاقة بمصير أمريكا ومعظم دول العالم. وفي الواقع، يتحكم في العملية السياسية الأمريكية برمتها مجموعة صغيرة تتكون من سياسيين محترفين وشخصيات إعلامية ورجال مال وأعمال وبعض المتقاعدين من جنرالات الجيش والاستخبارات ومثقفين متعسكرين لا هم لهم سوى خدمة مصالحهم. إلا أن انتخاب الرئيس جورج دبليو بوش عام 2000، وتقلص حجم ونفوذ الطبقة الوسطى والاتحادات العمالية تسبب في تصدع العلاقة بين أعضاء الطبقة الحاكمة. إذ فيما أسهم انتخاب بوش في تشجيع المحافظين الجدد على السعي إلى الهيمنة على العالم، دفع المتزمتين دينياً إلى المناداة بالعودة إلى الإنجيل، وحتم على اللبراليين تأكيد مواقفهم المناقضة لتلك التوجهات، ما تسبب في حدوث تمحور سياسي عقائدي داخل المجتمع.

جاء انتخاب الرئيس باراك أوباما عام 2008 ووقوع الأزمة المالية ليضع حداً لتقارب وجهات النظر بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ما جعل المجتمع الأمريكي يتمحور حول معسكرين متنافسين أحدهما محافظ والآخر لبرالي. ومع أن الاعتقاد السائد حتى تلك اللحظة كان يقول بأن بإمكان الديمقراطية تصحيح أخطائها، إلا أن ما تبع انتخاب أوباما من اتهامات متبادلة جاء ليثبت أن الديمقراطية الأمريكية وصلت الى درجة العقم، وأنه لم يعد بإمكانها الوفاء بوعودها. مع ذلك، لا ينبع الصراع بين المحافظين واللبراليين من الحرص على مصلحة عامة، بل الحرص على مصالح خاصة، ما جعل كل حزب يتبنى المواقف التي يعتقد بأنها تعزز فرص نجاحه في الانتخابات التالية. إلا أن هذا لا يعني أن النخبة الحاكمة المستبدة في طريقها إلى الاندثار أو التمزق، لأن ثقافة أعضائها واحدة، وتوجهاتهم الإستعمارية واحدة، وعداؤهم لكل ما هو ليس أنجلوسكسوني من شعوب وثقافات يشكل عقيدة راسخة في الوجدان لا تتغير بتغير ظروف حياتية ولا تتحول بتقدم معارف علمية.

من ناحية أخرى، تسبب شيوع مواقف الشك المتبادل بين الناس والنخب والتفرقة ضد الآخر في حرمان أصحاب الرأي المختلف من الوصول إلى الجماهير والتأثير في مواقفها. وهذا جعل من الصعب على مثقفي الأقليات أن ينشروا ما لديهم من أفكار لان من المفروض أن لا يتدخلوا فيما لا يعنيهم من أمور. ولقد أدى هذا الموقف إلى تقليص حرية الرأي والفكر، وإتاحة الفرصة لتكريس وجهات نظر نخب متصارعة تحرص كل الحرص على بقائها في الحكم واستخدام السلطة لحماية مصالحها وتعزيز مواقعها الاجتماعية على حساب الشعب والوطن وفقراء العالم أجمع. إن مواقف هذه النخبة تشير إلى أنها مستعدة للتجاوب مع مطالب رجال المال والأعمال والسكوت على الفساد، واعتبار الخداع وتشويه الحقائق وسائل مشروعة للحفاظ على السلطة وحرمان الآخر من الاقتراب منها. نتيجة لذلك يمكن القول أن التعددية السياسية انتهت في أمريكا مع نهاية القرن العشرين، وأن الحزبية لم تعد سوى إطاراً سياسياً لتسهيل التنافس والتعاون بين أفراد النخبة الحاكمة واحتكار السلطة. إذ إن الحرص على المصالح الخاصة والتمسك بالسلطة يلغي التعددية السياسية عملياً، ويجعل عملية الانتخاب مسرحية مسلية ولكن غير مجدية. لهذا يقوم كل حزب بالعمل على تزييف وعي أتباعه، وإعادة تشكيل مواقفهم، ومصادرة إرادتهم واحتكار القرارات السياسية والاقتصادية وتسخيرها لخدمة مصالحه ومصالح الفئات التي تقوم بتمويل حملاته الانتخابية.

وفي الواقع لا يكفي وجود حزبين في المجتمع لتوفير تعددية سياسية، ما يجعل كل مجتمع بحاجة إلى حزب رئيسي ثالث على الأقل لتوفير خيارات معقولة أمام الناخبين. إن وجود حزب ثالث يجعل من الصعب فوز حزب بأغلبية الأصوات والسيطرة على الحكم بمفرده. وفي الواقع، ليس في مقدور حزب أن يحصل على أصوات الأغلبية الشعبية مهما حصد من مقاعد نيابية بسبب تدني مشاركة الشعوب عامة في الانتخابات. إن أية أغلبية يحصل عليها حزب هي أغلبية المشاركين في الانتخابات الذين يندر أن تتجاوز نسبتهم 60% من السكان، ما يجعل الشرعية الانتخابية شرعية نسبية وليست شرعية مطلقة. ولما كان الحزبان الديمقراطي والجمهوري في أمريكا يتجاوبان مع مطالب الأثرياء ويعملان على خدمة مصالحهم فقط، ويهملان مطالب الفقراء والضعفاء، فإن من السهل الجزم بأنهما لا يمثلان الشعب الأمريكي.

الطبقة الوسطى

يقول المؤرخ السياسي البريطاني الكسندر كامبل أن أهم المتطلبات لقيام ديمقراطية في بلد ما هو وجود طبقة وسطى كبيرة الحجم نسبياً ومتماسكة بما يكفي وتملك ثقة كافية بالنفس لاحتلال مكانة مرموقة في المجتمع. ويشير تاريخ أوروبا وأمريكا الحديث بالفعل إلى قيام الطبقة الوسطى بدور ريادي في حياة المجتمع الصناعي، ليس فقط في دعم العملية الديمقراطية بل وأيضاً في تنوع النشاطات الاقتصادية. ومن الأمور التي ساعدت على نمو تلك الطبقة تصاعد خوف الرأسماليين من الفكرة الاشتراكية بعد نجاحها في إثبات وجودها كنظام سياسي واقتصادي بديل للرأسمالية في عدة دول أوروبية وآسيوية. إذ تسببت تلك التطورات في تشجيع قادة دول الغرب الصناعية على سن تشريعات استهدفت تخفيف حدة النزعة الاستغلالية للرأسمالية ومساعدة الفقراء وتعميم التعليم، وبالتالي إضعاف إغراءات الفكرة الاشتراكية. ولقد نتج عن تلك التشريعات تضييق فجوة الدخل بين الطبقات الاجتماعية وتعزيز نفوذ الطبقة الوسطى، وإضعاف دوافع استغلال الطبقة الغنية للطبقة الفقيرة، وإحساس معظم أبناء الشعب بإمكانية تسلق السلم الطبقي من خلال العمل والمثابرة.

إذ فيما أسهمت تلك السياسات في دمج العمال في النظام الرأسمالي العالمي، جعلتهم أصحاب مصلحة حقيقية في ازدهار الرأسمالية، ما شجعهم على المشاركة في نشاطاتها الاستعمارية حول العالم. لكن تعثر النظم الاشتراكية وفشلها في مواصلة التقدم مكن التيار المحافظ من العودة بقوة إلى مسرح السياسة والاقتصاد في دول الغرب الرئيسية. إذ قام ذلك التيار بإقرار سياسات حكومية وإضفاء شرعية على توجهات فكرية وثقافية أساسها المصلحة الذاتية تسببت، بين أشياء أخرى، في توسعة الفجوة بين الفقراء والأثرياء، وعزل الطبقة الفقيرة عن المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاقتصادية، وانعزال الطبقة الغنية عن الإسهام في قضايا التنمية المجتمعية، وتقلص حجم الطبقة الوسطى ودورها في المجتمع كثيراً. ومن أجل تبرير تلك الإجراءات، اتجه مفكرو التيار المحافظ إلى الادعاء بأن مساعدة الفقراء تُسهم في تكريس اعتمادهم على الغير وتحول دون نموهم واستقلالهم. ولقد تبع ذلك اتجاه الشركات متعددة الجنسية إلى تصدير ملايين الوظائف الصناعية إلى الدول حديثة التصنيع، وتضييق الخناق على النقابات العمالية، ما تسبب في انكماش حجم الطبقة الوسطى وانتشار الفقر وتراجع شعبية الحكومات المنتخبة.

وفي الواقع، اتجه التيار المحافظ إلى رفض مفهوم المجتمع ككل ونقض مبدأ التكافل الاجتماعي، ما جعل مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في الثمانينيات تقول: "لا يوجد شيء اسمه مجتمع، هناك أفراد فقط". وهذا يعني الإقرار بوجود مصالح فردية وعدم الاعتراف بوجود مصلحة جماعية أو مجتمعية. أما بطل فيلم وول ستريت فقال: "إن الجشع جيد يخدم صاحبه، الجشع هو الشيْء الصحيح، إنه يوضح الأمور على حقيقتها ويعكس روح التطور في هذا العصر". وفي الحقيقة أصبح الجشع في أواخر القرن العشرين المحور الأساس لثقافة الطبقة الحاكمة في الغرب عامة وفي أمريكا خاصة، وأهم الدوافع التي تحرك أثرياء العالم وتستثير غرائزهم وتفتح شهيتهم بغض النظر عن جنسياتهم ومواطنهم. فرأس المال عالمي الأبعاد، ذاتي الأهداف والمصالح، استغلالي المواقف والسلوكيات، لا يؤمن بدين معين ولا يدين بولاء لبلد محدد، ولا يقيم في وطن معروف، ولا يلتزم بقضية سوى قضية العائد المادي المجرد من القيم.

عبر روبرت رايش، وزير العمل في إدارة الرئيس كلينتون الأولى (1992- 1996) عن تلك التطورات وأسبابها في كتابه "ما بعد الصدمة" قائلاً: إن الأمريكيين ارتبطوا معاً خلال معظم سنوات القرن العشرين بفعل عاملين أساسيين: "تهديد الحرب الباردة لنظام حياتهم الذي كانت قوة الاتحاد السوفيتي مصدره الأساس، واقتصاد أمريكي حيوي استطاع توفير متطلبات نمو طبقة وسطى. أما اليوم فإن فعل القوتين يسير نحو الزوال. إذ فيما انتهت الحرب الباردة بشكل دراماتيكي مفاجئ، زال الإحساس بالخطر السوفييتي وقدرته التوحيدية بين أبناء الشعب الواحد. أما الطبقة الوسطى فقد انهارت ببطء وهدوء عبر السنوات. وفيما كنا نشاهدها تحتضر يوماً بعد يوم لم نستطع، لأسباب غير معروفة، رؤية النهاية إطلاقاً. إن السؤال الذي يجب مواجهته اليوم هو كيف التعامل مع تبعات انهيار تلك الطبقة".

لقد أصبح حال الطبقة الوسطى في أمريكا وفي غيرها من دول ديمقراطية غربية شبيه بحال شخص يركض على حزام كهربائي يتحرك بشكل متسارع، ما يجعله يركض بسرعة أكبر وأكبر كي يتجنب السقوط على الأرض. لكن الجري في المكان يقود إلى إرهاق الطبقة الوسطى واستنزاف قوتها وإضعاف عزيمتها وشعورها بفقدان التوازن. وفيما يستطيع البعض من الأقوياء أن يحافظ على مكانته وتوازنه، يتعرض الضعفاء وكبار السن وذوو الدخل المحدود وقليلو العلم إلى السقوط من فوق الحزام والانضمام لصفوف طبقة فقيرة متنامية. لذلك تنامى حجم الطبقة الفقيرة ليصل إلى 16%  من السكان عام 2012، أي ما يزيد عن 50 مليون شخص. أما عدد العائلات المشردة فقد زاد عن 170 ألف عائلة عام 2010، فيما تجاوز عدد الأمريكين الذين كانوا بلا تأمين صحي 51 مليون شخص. وفي أواخر عام 2011، أشار استطلاع للرأي العام إلى أن حوالي ثلثي الأمريكيين يقولون أنهم فقراء أو يشعرون بأنهم فقراء.

ليس هناك شك في أن ملايين الأمريكيين يحصلون على دخل يؤهلهم لعضوية الطبقة الوسطى من الناحية النظرية، لكن الدخل لا يكفي وحده لشعور مجموعة من الناس بأنها تشكل طبقة. إن هناك ثلاثة شروط أخرى لتكوين طبقة اجتماعية: مصالح مشتركة، قيم متشابهة وتطلعات متقاربة، وفوق ذلك كله وعي طبقي. إن مجاميع الناس الذين يُعتبرون أعضاء في الطبقة الوسطى اليوم في أمريكا وأغلبية دول العالم يفتقدون معظم هذه الشروط. إنهم يعملون لدى شركات تجارية وصناعية ومؤسسات حكومية وجمعيات خيرية وجيوش ذات أهداف غير متجانسة وأحياناً متضاربة، ما يجعلهم غير قادرين على تكوين وعي طبقي.

الإعلام

فيما كان الإعلام يستحوذ على المزيد من القدرة على جمع المعلومات المتعلقة بكافة نواحي الحياة وتحليلها والتلاعب فيها، كانت المؤسسات الإعلامية تتحول بسرعة إلى شركات تجارية تهيمن عليها نخبة إعلامية صغيرة. ومع كل سنة تمر، تشهد ساحة الإعلام قيام بعض الشركات بشراء شركات أخرى ما جعل فئة المالكين والمديرين التي تقوم بتوجيه الإعلام وصياغة رسالته تصغر يوماً بعد يوم. وفيما يؤدي تركز القوة الإعلامية في أيدي شركات قليلة العدد إلى تقليص حجم النخبة الإعلامية وحصر وجهة نظرها ضمن نطاق ضيق، يُسهم ذلك التطور في تمكين تلك الشركات من التأثير في ثقافات مختلف الشعوب ومواقفها. نتيجة لذلك فقد الإعلام اهتمامه بتوعية الجماهير بشكل عام ولفت نظرهم لما تواجهه شعوب العالم المختلفة من تحديات مصيرية بوجه خاص، فيما قام بحرمانهم من التعبير عن آرائهم بشكل يكاد يكون كاملاً. لذلك يقول كوينسي رايت Quincy Right: إن حرية الرأي التي تروج لها معظم المجتمعات الغربية بشكل مستمر تتغاضى عما للإعلام من تأثير كبير، وهو إعلام غير خاضع لرقابة ديمقراطية.

من ناحية ثانية، يقوم الإعلام بالترويج لفلسفات مجتمعية تخدم مصالح المالكين والمعلنين دون سواهم، والتركيز على القضايا والآراء التي تتوافق مع قناعتهم وطموحاتهم، والاعتماد على مجموعة صغيرة جداً من "خبراء" السياسة والاقتصاد والأمن للقيام بشرح ملابسات القضايا المختلفة. وهذا موقف يعكس عنجهية تستهين بعقول الناس ومشاعرهم وتُسهم في تكريس ما تعانيه النخبة الإعلامية من جهل بأحوال الفئات والشعوب التي تعيش بعيداً عن المركز، كما أنه يشجع على استبدال الحقيقة بالرأي والتحيز ضد بعض الناس. وهذا من شأنه التشكيك في إنسانية بعض الشعوب وتأليه بعضها الآخر، وانتقاص قدر الفقراء والمُستضعفين، وخداع أغلبية الناس وتزييف وعيهم. ومع تحول أغلبية المؤسسات الإعلامية إلى شركات تجارية أصبح الربح هو الهدف الأول لتلك المؤسسات وليس نشر الحقيقة بين الناس، ما تسبب في إلحاق أضرار بالغة بالعملية الانتخابية والسياسية والثقافة الشعبية. ومع التركيز على العائد المادي اتجهت مؤسسات الإعلام إلى إيقاظ مخاوف الناس وغرائزهم وميولهم العدوانية وتحويلها إلى حاجات قابلة للاستغلال. لهذا نلاحظ اتجاه الإعلام إلى إنتاج برامج تلفزيونية وأفلام تركز على العنف والجريمة والجنس والمخدرات بهدف استثارة غرائز الحسد والغيرة والتنافس التي لا تحترم قيما أو تقاليد.

وهكذا، فيما استحوذت النخبة الاقتصادية على حرية تلويث البيئة، واستحوذ المال على حرية إفساد السياسة وشراء ضمائر السياسيين، تعمل النخبة الإعلامية على تزييف وعي الناس وتلويث عقولهم وثقافاتهم. وهذا تسبب في تغيير منظومات القيم، حيث اصبح من يملك المال ويتمتع بالنجاح يعتبر على حق، فيما أصبح من يعاني الفقر وآلام الفشل يعتبر على خطأ. يقول ليسل شيلنجر Liesl Schillinger "في عصر ما بعد ديمقراطية أمريكا، أصبح علينا أن نفهم أن الثري ثري وبالتالي جيد، وأن الفقير فقير وبالتالي سيئ. أما ديانا جونستون فتقول Diana Jonestone "إن أقوال رجال الإعلام أصبحت القوة التي تتحكم في توجهات الرأي العام، ما يجعل كل حركة تحاول تغيير العالم تواجه تحدياً كبيراً من القوى الإعلامية. كما وأن صورة كل زعيم وكل حركة اجتماعية وسياسية وكل شعب أصبحت عرضة لرحمة الإعلام".

أما إدوين يودر Edwin Yoder فيصف قوة الإعلام ومدى تأثيره على الرأي العام من خلال تقييم أثره على حظوظ الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب في الانتخابات. يقول يودر "تميز فورد بكونه من أكثر رؤساء أمريكا لياقة بدنية، لكن حين تعثرت خطواته على سلم طائرة الرئاسة في أحد الأيام تغيرت صورته إلى الأبد. وحين توقفت النكات وانتهى التلفزيون من وصف ما حدث بطريقة هزلية انتهى معها فورد، إذ تسببت تلك النكات في تقزيم الرجل والتقليل من قيمته وإسقاطه من حسابات الناس. أما فيما يتعلق بالرئيس بوش، فيقول إن التغير السريع والعميق في صورة بوش لا يمكن تفسيره بما حدث من تغيرات في أمريكا. إن ما تغير بسرعة مذهلة هي صورة بوش من قائد منتصر (بعد حرب الخليج عام 1991) إلى رجل بلا برنامج، بل أكثر من ذلك، رجل ليس لديه قناعات أساسية ولا يعرف موقعه من الأحداث". ولقد تسببت أقوال الإعلاميين ومواقفهم في فشل فورد وبوش في انتخابات الرئاسة التالية.

إن التلاعب في المعلومة ومشاعر الجماهير باستخدام الإعلام عمل يمارسه قادة الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية. فعلى سبيل المثال لجأت الحكومة الأمريكية إلى تلك السياسة أثناء قيامها بغزو العراق عام  2003، وخلال سنوات احتلالها للعراق وأفغانستان، وذلك من أجل خلق رأي عام مؤيد للحرب والعدوان. ومما قام به الإعلام لتبرير العدوان على العراق تصوير الرئيس العراقي السابق بأنه شيطان يدعم الإرهاب، وتصوير العرب والمسلمين بأنهم إرهابيون لا يحترمون إنسانية الإنسان. من ناحية أخرى، دأبت الجهات الرسمية على الإشارة إلى الضحايا من أبرياء العراق وأفغانستان وباكستان واليمن بوصفهم أضراراً ثانوية، وعدم عرض الجرائم التي يرتكبها الجيش الأمريكي على التلفزيون إلا جزئياً ونادراً. إن قيام الإعلام بترديد أكاذيب الحكومة الأمريكية يجعله شريكا في جرائم الحرب، وذلك إضافة إلى كونه بوقاً يروج لآراء الأثرياء والأقوياء ويخدم مصالحهم على حساب الحقيقة والضعيف والفقير والمصلحة العامة والسلم العالمي.

في ضوء الأجواء العدائية التي خلقها الإعلام الأمريكي لكل ما هو عربي وإسلامي، أيدت أغلبية أعضاء الكونجرس والشعب الأمريكي غزو العراق، فيما قام الإعلام بدور المشجع. كتب ديفيد اغناطيوس في جريدة الواشنطن بوست يوم 2 أيار 2010 يقول: "إنني أعتقد أن أحد الأسباب لعدم قيام الإعلام بتحليل مبررات الحرب وتقييمها خلال عامي 2002 و 2003 هو علمنا المسبق بأن بوش اتخذ قراره بغزو العراق، وأن الجنود الأمريكيين كانوا منتشرين في الصحراء، ما جعل أغلبية المحررين تتجه نحو البحث عن أفضل طريقة لنقل أحداث الحرب". وهذا يتضمن اعترافاً بفشل الإعلام في القيام بواجبه، ويعطي فكرة جيدة عن قيام أحد الإعلاميين البارزين بتبرير ذلك الفشل بدلاً من إدانته. وفي الواقع، قام الإعلام الأمريكي خلال سنوات الغزو بالعمل على تبرير الحرب بوصفها ضرورة أمنية، فيما قام في السنوات التالية بتبرير الاحتلال بوصفه ضرورة لتأسيس الديمقراطية في الشرق الأوسط، ويقوم اليوم بتبرير سياسة الدولة الفاشلة وتمزيق النسيج الثقافي والاجتماعي للشعوب بوصفها دفاعاً عن حرية الأقليات وحقها في تقرير المصير.

مع ذلك جاءت التطورات الحديثة في وسائل الاتصالات والإنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي لتخلق رأياً عاماً أكثر وعياً من السابق، مكن الكثير من الناس على الرغم من تباعد أماكنهم على التواصل والتعرف على الأحوال الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية على الجانب الآخر. وهذا جعل بإمكانهم تكوين مجتمعات افتراضية سهلت حدوث تفاعل ثقافي عبر الحدود الجغرافية والسياسية والعقائدية، ما تسبب في هدم الكثير من الحواجز التي كانت تحول دون تواصل الناس في الماضي، كما قام بكشف الكثير من الحقائق المتعلقة بتصرفات الحكام المستبدين وميل النخب السياسية والاقتصادية إلى ممارسة الفساد والاستغلال. إن الثورات الشعبية التي اجتاحت عدة دول عربية تثبت مدى أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في توعية الناس وتمكينهم من القيام بعمل جماعي من دون الحاجة للتواجد في مكان واحد. إلا أن الحرية التي وفرها الإنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي دخلت مرحلة التآكل بسبب قيام الشركات الإعلاماتية الكبيرة بشراء الشركات الصغيرة وضمها إلى إمبراطورياتها التجارية، واستخدام تلك الوسائل منابر لطرح وجهة نظرها والترويج لبضائع وخدمات تستثير غرائز الناس وشهواتهم بدلاً من استثارة عقولهم وضمائرهم. وكما كشف إدوارد سنودن Edward Snowden في أوائل عام 2013، تقوم شركات الإنترنيت والتواصل الاجتماعي والاتصالات بجمع المعلومات عن المشتركين وتزويد وكالة الأمن الوطني National Security Agency في أمريكا بها، ما جعل بإمكان تلك المؤسسة التجسس على الناس والتعرف على أحوالهم ومراقبة تصرفاتهم عن قرب.

من ناحية ثانية، أسهم الإنترنيت وغيره من وسائل التواصل في خلق ثقافة عالمية وثقافات فرعية وإحياء العديد من الثقافات القديمة. لكن تشكيل ثقافات فرعية، وتمكين الأقليات القومية والدينية من إعادة إحياء ثقافاتها القديمة قاد إلى تكوين جيتوات  Ghettosثقافية في كل دولة من دول العالم. إن تكوين جيتوات ثقافية لا يتطلب تواجد أعضاء تلك الجيتوات في مكان واحد لأن بإمكانهم التواصل من خلال الإنترنيت وتطوير عقلية جيتو تقوم على قيم ومواقف مشتركة ومعتقدات دينية واحدة والإيمان بنظريات تآمرية. وبالنظر إلى أحوال الأقليات الدينية والقومية في دول الغرب بالتحديد نكتشف أن معظم تلك الأقليات قامت فعلاً بتكوين جيتوات ثقافية خاصة بها، تتبادل من خلالها معلومات تعزز إيمان أعضائها بما نشأوا عليه من تقاليد وأفكار ومخاوف، ما يعمل على تعميق عزلتهم عن المجتمعات التي يعيشون فيها، ويضعف قدراتهم على التواصل مع غيرهم من أتباع الثقافات والديانات الأخرى.

يتميز الجيتو التقليدي الذي عاشت فيه العديد من الأقليات العرقية والدينية الأوروبية بكونه مكاناً معزولاً اضطر سكانه إلى العيش فيه بسبب الفقر والتفرقة العنصرية. أما الجيتو الثقافي الجديد فهو عبارة عن فضاء مفتوح اختار أعضاؤه من أفراد وجماعات العيش فيه بمحض إرادتهم. وهذا يعني أن الجيتو التقليدي يفرض على سكانه العزلة عن المجتمع الأكبر ما يجعلهم يتحينون الفرص للتحرر منه، فيما يفرض سكان الجيتو الثقافي على أنفسهم الانعزال عن مجتمعاتهم ما يجعلهم يشعرون بالرضا عن النفس ويخشون التفاعل مع المجتمع الأكبر. ويمكن القول أن اليمين واليسار الأمريكي كوَّن جيتو ثقافي كبير خاص به ومجموعة من الجيتوات الفرعية، يعيش أعضاؤها فيها حيث يعملون ويفكرون ويحلمون ويتآمرون ضد بعضهم بعضاً وضد كل من يقف في طريقهم من جماعات ومنظمات وحكومات وشعوب. ولما كان التآمر يحتاج إلى السرية، فإن الجيتوات الثقافية تحرص دوماً على عزلتها ورفض الآخر، ما يجعلها عاجزة عن الاستفادة من الأفكار الجديدة التي يطورها مثقفون ومفكرون لا ينتمون إليها.

الشورى والديمقراطية

إن الحديث عن الشورى في التراث العربي الإسلامي هو محاولة لدعم الفكرة الديمقراطية والمطالبة بإقامتها بوصفها ليست غريبة من حيث المضمون والأهداف عن الفكر العربي، وليس من أجل استبدال الشورى بالديمقراطية. وقبل الانتقال إلي الحديث عن الشورى وعلاقتها بالديمقراطية لا بد من الإشارة إلى أن الشورى كمبدأ في الحكم لم يتم تعريفه بشكل محدد في أية فترة من فترات التاريخ العربي أو الإسلامي، وأن ممارستها بقيت محدودة ضمن نطاق ضيق للغاية، وأنه تم تجاوزها خلال فترة حكم من حاول ممارستها من الخلفاء الراشدين، وأن الواقع لا يشير إلى وجودها في أية دولة إسلامية، على افتراض أن هناك دولاً إسلامية. إلى جانب ذلك، لم تستطع هذه الفكرة أن تتطور إلى نظام حكم ذا مؤسسات تضمن تمثيل الشعب، وذا آليات تضمن مشاركة الفرد في العملية السياسية وفي اتخاذ القرارات ذات التأثير في مصيره ونوعية حياته. وهذا يجعل الشورى مجرد مبدأ في الحكم لا يملك الحد الأدنى من مقومات الوجود كنظام سياسي قادر على ضمان الحقوق الفردية والحريات السياسية وغير السياسية التي تضمنها الديمقراطية.

إن التفسير الذي نقدمه فيما يلي لمفهوم الشورى هو محاولة للغوص في أعماق ذلك المفهوم واستنباط كل ما يمكن استنباطه من معان ذات مدلول إيجابي. وهذا يجعلنا ننظر إلى الشورى من زاوية إنسانية ذات أبعاد عالمية ومنظور واسع وليس من خلال منظور تاريخي ضيق انتهى زمنه وانتهت صلاحيته منذ أمد بعيد. إن ما سنقوم به في الواقع هو محاولة لإعادة تفسير مفهوم الشورى بما يتوافق مع قيم العصر ومتطلبات التعايش معه، وإعطاء التراث العربي الإسلامي مصداقية تعزز دعوته إلى احترام حقوق الإنسان وحرياته، خاصة حقه في المشاركة في الحكم وإبداء رأيه بحرية وصراحة.

تقوم الدعوة إلى الشورى في المرجعية الفكرية الإسلامية على نصين واضحين في القرآن الكريم، يقول أحدهما "وأمرهم شورى بينهم"، ويقول الآخر "وشاورهم في الأمر". وهذا يعني إرساء مبدأ تبادل الآراء بين الناس وتداولها فيما يتعلق بالقضايا العامة التي تهمهم، ودعوة الحاكم لأخذ رأي المواطنين في الأمور الهامة. ويتضح من النصين أن الدعوة إلى الشورى دعوة قائمة بذاتها – وأمرهم شورى بينهم، وأن مسؤولية الحاكم تجاه التشاور مع الناس مسؤولية مستمرة لا تنقطع أوصالها ولا تنتهي أسبابها – وشاورهم في الأمر. وفي الواقع، يشير المبدأ الأول ضمناً إلى أنه لا يحق لأي شخص أو جهة أن تفرض رأيها على غيرها من الناس لأن "أمرهم شورى بينهم"، فيما يشير الثاني إلى أنه ليس من حق الحاكم أن ينفرد في اتخاذ القرار وأن عليه أن يعود إلى الناس ليشاورهم فيما يعنيهم من أمور.

يقول بعض الفقهاء والمفكرين أن مبدأي الشورى والتشاور هما من حقوق الناس الثابتة، وإن ما يصدر عنها من قرارات يلزم الحاكم والمحكوم. ويقول آخرون إن الشورى والتشاور دعوات للحوار وتبادل وجهات النظر لا غير، وإن ما يصدر عنها من آراء لا يُلزم الحاكم أو المحكوم. ويستند هؤلاء في إدعاءاتهم هذه إلى النص القرآني الذي يقول "فإذا عزمتَ فتوكل على الله". إذ يوحي هذا النص بالنسبة لهم بأن من حق الحاكم اتخاذ القرار وتنفيذه. لكن وجود النصين الآخرين يتناقض مع هذا الاستنباط، ما يجعل من غير الصواب اعتماد نص واحد دون غيره من نصوص قرآنية ذات علاقة مباشرة بقضية الحكم، خاصة وأن النص الأول عام والنص الأخير خاص، ما يجعل "وأمرهم شورى بينهم" هو الأساس الذي تُبنى عليه النصوص الأخرى، وليس العكس. لذلك كان لا بد من أخذ النصوص جميعاً ضمن نظرة شمولية تكفل التوفيق فيما بينها وتكاملها، لا تناقضها. وفي الواقع لا يمكن فصل "فإذا عزمت فتوكل على الله" عن "وشاورهم في الأمر" لأن النصين يشكلان بعض ما جاء في آية واحدة، ما يجعل من غير الممكن أن يقوم جزء من آية بنسخ جزء آخر. أما نص تلك الآية الكريمة فهو: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ".

إن في مقدور النظرة الشمولية أن تكتشف مدى ترابط تلك النصوص وتكاملها وقدرتها معاً على التجاوب الفعال مع حاجة المجتمعات الإسلامية لتأسيس الديمقراطية. أما النظرة الجزئية فمن شأنها تفضيل نص على غيره من نصوص قرآنية وتكوين أحكام شمولية بناء على نظرة انتقائية ضيقة كانت وما تزال سبباً من أسباب المعاناة والظلم والتخلف الذي لحق بالعرب والمسلمين على مدى أكثر من ألف عام. إلى جانب ذلك، تؤدي النظرة الانتقائية إلى تعميق الأزمة التي يعيشها الفكر الديني في المرحلة الراهنة، وتتيح المجال لكل فكر متطرف لمحاولة فرض رأيه ورؤيته الضيقة على عامة الناس غالباً رغم إرادتهم. ومن أجل تكوين أحكام عامة بناء على نظرة شمولية، كان لا بد من ترتيب النصوص القرآنية المتعلقة بنظام الحكم على نحو يجعل كل نص مكمل للنص الذي يسبقه وخطوة على طريق النص الذي يليه:

1.      وأمرهم شورى بينهم.

2.      وشاورهم في الأمر.

3.      وإذا عزمت فتوكل على الله.

يرسي النص الأول المبدأ الأساسي في الحكم حيث يجعل من حق، بل من واجب جميع الناس التداول في الأمور العامة التي تهمهم، بما في ذلك أمر الحاكم. أما النص الثاني فيرسي المبدأ الذي ينظم علاقة الحاكم بالمواطنين حيث يأمر الحاكم بالرجوع إلى المواطنين باستمرار لمشاورتهم في الأمور العامة وأخذ رأيهم قبل اتخاذ قراراته. ويرسي النص الثالث واجب الحاكم على الحسم في اتخاذ القرار بعد مشاورة المواطنين وسماع آرائهم واستكمال المعلومات المتعلقة بالقضية المعنية. وهذا يعني أن الشورى عملية اجتماعية سياسية لا تتم إلا من خلال مناقشة مفتوحة للقضايا التي تهم الناس جميعاً، ما يجعلها لا تكتمل من دون حوار يشارك فيه كل الراغبين بطريقة تتيح لهم فرصة التعبير عن آرائهم وسماع آراء غيرهم بحرية تامة. وما دام الأمر شورى بين الناس، فإن ما تثيره تلك العملية من نقاش يصبح بلا معنى إذا لم يستهدف التوصل إلى قرارات جماعية ملزمة. إضافة إلى ذلك، يعني النص "وأمرهم شورى بينهم" عدم إسناد أية سلطة لشخص بعينه، وإخضاع كافة القضايا التي تهم الناس للحوار الذي يعني عمليا المشاركة في اتخاذ القرار، وهو قرار سياسي بطبيعته. وفيما لا يعطي هذا المبدأ حقاً خاصاً لشخص معين، يطلب ضمناً عدم تدخل الغير في مداولات أصحاب القضية، ما يعني السماح بالتجمع والتداول بين أصحاب المصالح المشتركة من دون تدخل الدولة أو غيرها من تيارات فكرية أو قيادات تدعي الوصاية على الشعب والوطن.

أما النص الذي يقول "وشاورهم في الأمر" فيتعامل أساساً مع واجب الحاكم تجاه المواطنين حيث يأمره صراحة بالعودة إلى الناس لأخذ رأيهم ومشاركتهم في اتخاذ القرار، وبالتالي يرفض الدعوة لانفراد الحاكم في الحكم واتخاذ ما يحلو له من قرارات تحت أية ذريعة كانت. وبسبب كثرة الأمور التي تهم الناس، وفي ضوء تغير الظروف الحياتية بصفة مستمرة، فإن دعوة الحاكم لمشاورة المواطنين أصبحت دعوة قائمة ومستمرة. وهذا يجعل تلك الدعوة وممارسة ما جاء بشأنها عملية جماعية تحتم قيام تفاعل وتواصل دائم بين الحاكم والمحكوم، فيما تجعل ما يصدر عنها من قرارات ملزمة للحاكم والمحكوم على السواء.

إن جمع النصين معا والنظر إليهما نظرة شمولية يجعل من الضروري إقامة مؤسسات مجتمعية تُعنى بقضية الحكم، أي تصميم عمليات مجتمعية وظيفتها خلق أطر للتفاعل والتشاور بين الناس، وبينهم وبين الحاكم، وتقنين عمليات اتخاذ القرارات بشكل يضمن المشاركة الشعبية في العملية السياسية. وهذا بدوره لا يمكن أن يتم من دون الاعتراف بحقائق معنية والإقرار بحقوق محددة جاءت الإشارة إليها ضمناً في الدعوة القرآنية إلى الشورى والتشاور:

1.      الاعتراف بوجود مجتمع، أي شعب يعيش في ظل ظروف معينة تجعله يُكون وحدة إنسانية ذات أمور مشتركة، ووجود فئات اجتماعية ضمن ذلك المجتمع ذات قضايا ومصالح خاصة.

2.      الاعتراف بوجود قضايا ومشاكل عامة تهم الناس جميعاً وتحتاج إلى قرارات جماعية وحلول يتم التوصل إليها والاتفاق حولها من خلال التشاور بين الناس والمشاركة في اتخاذ القرار.

3.      الاعتراف بوجود خلافات في الرأي والمواقف بين الناس تستدعي اللجوء إلى الشورى والتشاور.

4.      الإقرار بأن المعنيين من الناس، أي أفراد المجتمع أعرف بأمورهم وأقدر على التعامل معها، وأن الحكم لا يستقيم من دون أن يعي الحاكم هذه الحقيقة ويحترمها.

5.      الإقرار بتغير ظروف الحياة وتبدلها باستمرار، والدعوة إلى التعامل مع الواقع المتغير من خلال الشورى والتشاور بوصفهما عمليتين مجتمعتين مستمرتين وملزمتين.

6.      الإقرار بأن ممارسة الشورى والتشاور لا تتم إلاّ إذا توفرت الحرية وسادت أجواء التساوي بين الناس وأقيمت المؤسسات المجتمعية ذات العلاقة بعمليتي الشورى والتشاور، بما في ذلك القوانين والتشريعات التي تضمن حرية الرأي وحق الرأي الآخر في المشاركة في العملية السياسية.

7.      الإقرار بأن الخلافات في الرأي بين الناس تعني:

·         ديمومة التباين في مصالح الناس، وهي مصالح قد تتغير من حيث الشكل أو المضمون لكنها لا تتغير من حيث المبدأ.

·        أن وجود تلك الخلافات وذلك التباين هو أمر طبيعي وقضية مشروعة.

·        أن السبيل الوحيد للتعامل مع قضايا الخلاف في الرأي والتباين في المواقف هو الحوار المفتوح والمشاركة في اتخاذ القرار واحترام الرأي الآخر.

يدعي البعض أن رسالة الإسلام واضحة فيما يتعلق بكل نواحي الحياة، وأن هناك إجماع على كيفية التعامل معها لا يقبل التأويل. هذا إدعاء خاطئ لأنه يتناقض مع حقيقة اختلاف الأئمة في الماضي حول تفسير العديد من النصوص القرآنية والأحاديث المنسوبة إلى الرسول وتعدد المذاهب والتيارات الفكرية الإسلامية القديمة والحديثة، كما انه يتعارض مع مبدأي الشورى والتشاور. فلو كان الإجماع قائماً حقاً، ولو اعترف القرآن بذلك الإجماع لما جاء نص يأمر الناس والحكام بالشورى والتشاور فيما يعنيهم من أمور، ولما اختلف أئمة الفكر الإسلامي قديماً وحديثاً فيما بينهم حول العديد من القضايا.

إن وجود أربعة مذاهب دينية سنية رئيسية هي المذهب الحنفي والمالكي والحنبلي والشافعي لدليل قاطع على اختلاف الأئمة حول تفسير بعض النصوص القرآنية وتباين ثقتهم بصحة الروايات والأحاديث والأفعال المنسوبة إلى الرسول. وعلى الرغم من قيام هؤلاء الأئمة بتأسيس مذاهبهم ونجاحهم في اجتذاب الأتباع من المؤمنين إلا انهم جميعاً اعترفوا باحتمال وقوعهم في الخطأ وطالبوا بشكل مباشر أو ضمنيً باستمرار عملية الاجتهاد. وعلى سبيل المثال، قال الشافعي "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط". أما مالك فقال "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فاعرضوا أقوالي على كتاب الله وسنة رسوله". وقال أبو حنيفة "كلامنا هذا رأي، فمن كان لديه خير منه فليأت به". أما أحمد بن حنبل فقال "لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي وتعلم كما تعلمنا". أما ابن الجوزي فقال "في التقليد إبطال منفعة العقل لأنه إنما خُلق للتدبر والتأمل، وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيئ بها أن يطفئها ويمشي في الظلام".

وانسجاماً مع هذا التقليد وهذه الدعوة إلى الاجتهاد نطرح أفكارنا مُستخدمين شمعة العقل التي أصبحنا أحوج ما نكون إليها في هذه العصور المظلمة التي نعيشها اليوم. إن طرق حياتنا وظروفها تثبت تخلفنا عن روح العصر وحقائقه في الميادين العلمية والفكرية والثقافية والتكنولوجية والاقتصادية، ما جعلنا نسير خلف دول لا تحترم عقولنا التي أهملناها طويلا، ولا تعترف بحقوقنا التي تنازلنا عنها طواعية، ولا تعير اهتماماً يُذكر لإنسانيتنا التي طمرناها تحت رمال صحراء فكرية قاحلة.

إن تداول الآراء بين الناس، وطرح القضايا العامة للحوار الهادف هي عملية مجتمعية لا تتم في فراغ ولا تأتي أكلها إلا إذا توفرت لها أجواء الحرية لإبداء الرأي، وقام المشاركون فيها بالسعي لسماع الرأي الآخر واحترامه. وهذا يعني أن توفر الحرية، خاصة حرية الرأي والتعبير والمشاركة في العملية السياسية هي من أولى متطلبات تطبيق مبدأي الشورى والتشاور. وفي الواقع، تعني الشورى التجسيد الفعلي لفكرتي الحرية والتعددية في الديمقراطية، فيما يعني التشاور الترجمة العملية لفكرة المشاركة في الحكم.

إضافة إلى ما سبق، نشير إلى حديثين يُنسبان إلى الرسول يتعاملان مباشرة مع قضية الحكم ودور الحاكم. يقول الأول "أنتم أعلم بأمور دُنياكم"، فيما يقول الثاني "إنما أنا بشر مثلكم، إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من أمور دنياكم فإنما أنا بشر".

بالنظر إلى هذين الحديثين نظرة عقلانية يتضح لنا أن الرسول يُرسي من خلالهما الأساس لفصل الدين عن الدولة بشكل مباشر وكامل لا غموض فيه، وذلك استجابة لاحتياجات الناس وتجاوباً مع حقائق الحياة وظروفها المتغيرة. إذ فيما يُقرُ الحديث الأول بأن قدرة الحاكم، حتى لو كان رسولاً، على معرفة أمور الناس محدودة، يؤكد على أن أفراد المجتمع هم أكثر معرفة بما يهمهم من أمور حياتية. ولما كانت المعرفة بالأمور تستوجب التصرف على أساس المعرفة المتوفرة، فإن الحديث يعترف ضمناً بحق الناس في التشريع بما يتعلق بأمور الدنيا. أما الحديث الثاني فينص صراحة على وجود فرق واضح بين أمور الدين وأمور الدنيا، إذ يقول بأن الرسول أعلم بأمور الدين من بقية الناس، وأن الناس أدرى من غيرهم بأمور دنياهم. لذلك يأمر أتباعه بإطاعته فيما يتعلق بأمور الدين ويترك لهم حرية الخيار فيما يتعلق بأمور الدنيا، لأن رأي الرسول في قضايا الحياة ليس إلا رأي إنسان يحتمل الصواب والخطأ. ويُعتبر الحديثان دعوة صريحة إلى الناس بوجوب تحمل مسؤولية أمور دنياهم بوصفهم الأعرف بتعقيداتها والأقدر على التعامل معها بواقعية، فيما يشير النص القرآني "وأمرهم شورى بينهم" إلى وجود قضايا عامة تهم الناس ويُترك لهم أمر التعامل معها.

لذلك يمكن القول أن مبدأي الشورى والتشاور في القرآن الكريم، ودعوة الرسول لفصل الدين عن الدولة تشمل كل مكونات الفكرة الديمقراطية، وتشمل ضمناً قضايا الحرية والتعددية الفكرية والثقافية وشرعية الاختلاف في العقيدة والرأي والمصلحة، والدعوة إلى حل الخلافات بالطرق السلمية من خلال الشورى والتشاور، وليس من خلال فرض رأي على غيره من آراء أخرى. وهذا يعني رفض مبدأ سيطرة فكر أو حزب أو رأي على غيره، ورفض مبدأ سيطرة الأغلبية على الأقلية لأن من حق جميع الناس أفراداً وجماعات المشاركة في عمليتي الشورى والتشاور واتخاذ القرار المناسب فيما يتعلق بأمور الدنيا.

إذا كانت فكرة الشورى قادرة على استيعاب المفهوم الديمقراطي فهل باستطاعتنا، أو من المصلحة استخدام كلمة شورى بدل كلمة ديمقراطية وبناء نظام حكم شوريّ؟ الجواب على هذا السؤال، ومن دون مواربة، لا. إن مفهوم الشورى ما يزال موضع خلاف كبير، وانه لم يتم تحديد معانيه ومحتوياته بشكل يحظى بإجماع رجال الفكر والسياسة المعنيين بقضية حق الشعوب في المشاركة في العملية السياسية، كما أنه ليس من المتوقع أن يحصل إجماع في المستقبل المرئي. إلى جانب ذلك، لم يتم تأسيس فكرة الشورى أو قيمتها في الثقافة العربية أو الإسلامية، كما لم تحاول دولة إسلامية واحدة استخدام تلك الفكرة وإقامة نظام حكم على أساسها. وهذا يجعل الحديث عن استعمالها محاولة لاستخدام فكرة ضبابية لا تستند إلى جذور فكر سياسي أو ممارسة عملية. وفي الواقع، جاء طرح فكرة الشورى مُجدداً ليس لتعزيز مبدأ الحرية والاعتراف بالتعددية، وإنما كرد فعل على المطالبة بالديمقراطية في محاولة للتشكيك فيها ورفضها، ما جعل الشورى تبدو نقيضاً للديمقراطية ونظاماً بديلاً لها، وهو نقيض غير حقيقي ونظام بديل ليس له وجود.

إلى جانب ذلك، أصبحت فكرة الديمقراطية كنظام حكم وقيمة ثقافية مفهوماً عالمياً ذا دلالات إيجابية تقدمية، وهو مفهوم ليس غريباً عن التراث الفكري العربي، بل واحد من أبرز مفردات الخطاب السياسي العربي الحديث. وما دمنا نبحث عن وسيلة تُحررنا من التخلف والاستبداد والحكم الفردي وهيمنة فكر تراثي مهترئ على ثقافتنا، فإن كون مفهوم الشورى غير واضح من الناحية الفكرية، وغير مطبق من الناحية العملية يفرض علينا الابتعاد عنه، واستخدام لغة العصر ومفاهيمه لينقشع الضباب ويصبح بإمكاننا رؤية الهدف الذي نسعى إليه على حقيقته.

الديمقراطية الغربية والواقع العربي

إن مبدأ الاختيار بين التيارات السياسية المتنافسة الذي تقوم عليه الديمقراطية الغربية لا يناسب الدول النامية بمن فيها الدول العربية. ويعود السبب في ذلك إلى كون معظم المجتمعات العربية تشمل أقليات عرقية ودينية وثقافية غير متجانسة وأحياناً متنازعة، وإلى سيطرة التطرف على فكر أغلبية القوى السياسية النشطة في المجتمع العربي، وهي قوى تستند إلى مراجع دينية أو قومية أو تاريخية جامدة إلى حد بعيد. كما أن ثقافة التسامح والتآلف ما تزال غائبة عن حياة تلك المجتمعات وثقافاتها الشعبية التقليدية. وهذا يستدعي تأسيس نظام حكم ديمقراطي يحول دون انفراد "الأغلبية" بالسيطرة على الحكم، ويصون حقوق الأقليات ويمكنها من المشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية على قدم المساواة مع الأغلبية، ولكن من دون أن يمنحها صلاحيات استثنائية تُمكنها من تعطيل عمل الحكومة الديمقراطية. وهذا يعني بناء نظام يقود على مشاركة كافة فئات الشعب في الحكم وليس هيمنة فئة على غيرها من فئات أخرى، خاصة وأن الهيمنة في المجتمعات التقليدية تقود عادة إلى احتكار السلطة والتمسك بها حتى لو استلزم الأمر ممارسة التسلط.

من ناحية أخرى، تشير سنة الكون إلى أن كل نظام وكل فكر محكوم عليه بالتقادم وفقدان الصلاحية مع مرور الزمن وتغير ظروف الحياة. فعلى سبيل المثال، لم تعد تقاليد المجتمع القبلي ولا طريقة حياته ولا نمط إنتاجه قادرة على توفير أسباب العيش الكريم لأفراده بعد أن أصبح من المتعذر عليه التجول في الصحاري والغابات بحرية. كما أن ظروف حياة القرية التقليدية وطرق تفكير الفلاحين لم تعد صالحة للتعايش مع عصر الصناعة والمعرفة. حتى الاتحادات العمالية في الدول الصناعية لم تعد قادرة على المساومة مع أرباب العمل وتحقيق مكاسب كما كان عليه الحال قبل عقود قليلة. ولما كان لكل فكرة ومؤسسة عمر افتراضي لا تستطيع أن تتجاوزه، فإن النظام الديمقراطي الغربي أصبح على وشك استنفاذ صلاحيته. وفي الواقع لم يعد بإمكان النظام الديمقراطي الأمريكي بالذات القيام بالدور المنوط به من كثرة المشاكل والأخطاء التي ارتكبها، ما يجعله بحاجة ماسة لإعادة هيكلية أو استبدال، تماماً كما هي الحال بالنسبة للنظام العربي.

قد يثير الحديث عن الأقليات وحقوقها السياسية ردود فعل سلبية من قبل بعض مثقفي العالم العربي من العقائديين القوميين والإسلاميين، وذلك بدعوى الحرص على الوحدة الوطنية والهوية العربية والإسلامية. وتنبع ردود الفعل هذه من عقلية فوقية وخلفية ثقافية تعتمد القومية أو الدين مرجعاً لها. فالقومية والتيارات السياسية المنبثقة عنها تميل إلى رفض الاعتراف بوجود أقليات قومية ضمن حدود الدولة الواحدة ذات حقوق واحتياجات خاصة، فيما ترفض التيارات الدينية الاعتراف بكل القوميات لأنها تعتبر كافة المسلمين أمة واحدة، وإن اعترفت بوجود أقليات دينية. وانطلاقاً من هذا الفهم الخاطئ ترفض إيران مثلاً الاعتراف بأقلية كردية لأن الأكراد مسلمين، وتميل إلى اضطهاد أتباع الديانة البهائية بدلاً من الاعتراف بهم كأقلية دينية.

إن التسليم بوجود تنوع ثقافي من شأنه توظيف التنوع لإثراء الحياة الاجتماعية والثقافية للناس عامة، وربما القيام بدور فاعل في تكوين تجمع سياسي اجتماعي في الوسط يُسهم في الحفاظ على توازن المجتمع ويقوم بدعم العملية الديمقراطية. لذلك أصبح الموقف السليم سياسياً والعادل اجتماعياً والمنسجم مع نفسه أخلاقياً هو الموقف القائم على الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني والملتزم بصيانة حقوق كل الأقليات ضمن أطر مجتمعية تعزز المساواة والوحدة الوطنية. وهذا يستدعي استنباط معادلات سياسية تعترف بالأقليات وتصون حقوقها في التعبير عن نفسها والمشاركة الفاعلة في حياة المجتمع السياسية وغير السياسية.

ينادي أتباع التيارين القومي والديني في الوطن العربي بتفكيك المشروع القُطري القائم على أرض الواقع، أو على الأقل تجاوزه وبناء أطر وحدوية عربية أو إسلامية شمولية. لكن التركيز على القومية العربية يزيد مخاوف الأقليات غير العربية ويدفعها إلى التمسك بالمشروع القطري الحالي، كما أن التركيز على الدين يُخيف الأقليات غير المسلمة ويدفعها إلى التمسك بنفس المشروع الذي أثبتت التجربة العربية طُغيانه وفساده وعدم صلاحيته. ومما يشجع الأقليات غير العربية وغير المسلمة على التمسك بالمشروع القُطري حصول معظمها في ظله على حقوقها وتمكن بعضها من الحصول على امتيازات غير عادية. وهذا يجعل مواقف تلك الأقليات يتعارض مع أهداف المشروعين الإسلامي والقومي ما يعزز العقبات التي تعترض سبيلهما. لذلك كان لا بد من الاعتراف بوجود الأقليات القومية والدينية واحترام حقوقها انطلاقاً من إيمان بوجوب مساواتها مع الأغلبية الشعبية، ومن أجل تحسين فرص نجاح كلا المشروعين.

تشير الحقائق السياسية والاجتماعية في البلاد العربية إلى تباعد القيم الأساسية والمواقف الأيديولوجية بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار، حتى بين أتباع التيار العقائدي الواحد. إذ تبدو الخلافات بين القيادات العقائدية حادة لدرجة تحول أحياناً دون التفاهم، كما هو الحال بين ما يسمى السلفيين والمعتدلين من المسلمين المأدلجين. وهذا يجعل قضايا الخلاف بين الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية في البلاد العربية قضايا أساسية تنبع من إيمان بعقائد وأيديولوجيات يصعب التوفيق فيما بينها، وذلك خلافاً لما هو عليه الحال في بلاد الغرب التي تم فصل الدين عن الدولة فيها منذ قرون. وفي الواقع، فيما تتسارع حركة الأحزاب العقائدية في أوروبا نحو التقارب مع تراجع الفكرة العقائدية، تتسارع حركة التيارات السياسية العربية نحو التنافر بسبب ما تعيشه البلاد العربية من ردة ثقافية ونزعة قُطرية.

إن الاختلاف في الموقف الفلسفي من قضية الحكم بين التيار الديني المحافظ والتيار القومي العلماني هو من الكبر بمكان بحيث جعل من شبه المستحيل قيام حوار بناء واعتراف متبادل بشرعية الآخر. فاليمين العربي الذي يُجسده الإسلام السياسي يعتبر الإسلام دين ودولة، ويدعي أنه يملك نظرية إسلامية في الاقتصاد والسياسة تختلف عن نظريات التيار القومي وتتعارض معها. وفي المقابل ينادي التيار القومي بوصفه نظاماً علمانياً بفصل الدين عن الدولة ويعتبر الديمقراطية والحرية أساس النظام السياسي، فيما يعتبر الترتيبات الاقتصادية التي تقوم على البنوك التجارية والشركات المساهمة أساس النظام الاقتصادي القادر على التعايش مع العصر وتحقيق نهضة اقتصادية. إن تسييس الدين والقومية يعني توظيف الدين والقومية في خدمة أهداف سياسية لا تعود بالنفع سوى على قيادات تُحسن استثارة عواطف الجماهير لخدمة مصالحها على حساب مصالح الفقراء، وتعزيز سلطاتها على حساب الحريات العامة.

وفيما ينادي التيار القومي بالوحدة العربية وتأسيس العلاقات الدولية على أسس مصلحية، يستصغر أفكار التيار الإسلامي الذي ينادي بإقامة وحدة إسلامية. وفي المقابل، فيما ينادي التيار الإسلامي بوحدة إسلامية وتأسيس العلاقات الدولية على مبادئ عقائدية، يرفض الدعوة إلى الوحدة العربية كبديل أو حتى نقطة انطلاق نحو وحدة إسلامية. إلى جانب ذلك، يميل أتباع التيار القومي عموماً وجناحه الليبرالي خصوصاً إلى المطالبة بتأسيس الديمقراطية على مبدأ التعددية السياسية وتداول الحكم والاعتراف بحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، فيما يميل أتباع التيار الإسلامي عموماً وجناحه السلفي خصوصاً إلى رفض التعددية السياسية وحصر الحكم في المؤسسة الدينية وعدم الاعتراف بمساواة المرأة مع الرجل. وهذا يعني أن فوز تيار عقائدي معين في الانتخابات في حالة توفر الديمقراطية على الطريقة الغربية من شأنه تغيير السياسات العامة وتعديل نظام القيم، واستخدام كل الوسائل المشروعة وربما غير المشروعة لحرمان المعارضة من فرصة الفوز في الانتخابات التالية. وعلى سبيل المثال قال المرشد العام لحركة الإخوان المسلمين في مصر بعد سقوط نظام مبارك "إذا استلمنا الحكم فلن نتخلى عنه". لذلك كان لا بد من مشاركة القوى السياسية والاجتماعية الرئيسية في الحكم وتحمل مسؤولية إدارة شؤون الدولة، وتوظيف تلك المشاركة لإضعاف ميل الفريق الفائز إلى ممارسة عنجهية الانتصار، وتقليص إحساس الفريق الخاسر بالهزيمة والانسحار.

إن من الأمور المتفق عليها في ظل النظم الديمقراطية حاجة كل الحكومات لصلاحيات كافية وأجهزة فعالة لإدارة شؤون الدولة، ومن بينها اقتراح سياسات وبرامج جديدة، وتعديل النظم والترتيبات القائمة لتكون أكثر كفاءة وواقعية. إلا أن تلك الحكومات، وبحكم مصدر الشرعية الانتخابي الذي تعتمد عليه وتنبثق منه، لا تملك صلاحية المساس بجوهر الديمقراطية أو تجاوز مؤسساتها الرئيسية. وهذا يعني أن القيام بتعطيل العملية الديمقراطية من خلال حصر الانتخابات ضمن تيارات فكرية معينة كما هو الحال في إيران، أو التلاعب في الانتخابات من خلال التأجيل والتزييف وحرمان الرأي الآخر في حق التعبير عن نفسه كما كان يجري في مصر هي مواقف غير ديمقراطية وسياسات غير مشروعة. ويمكن القول باختصار:

1.     أن نظم الحكم العربية الحالية نظم غير ديمقراطية.

2.     أن التمحور السياسي والعقائدي في الوطن العربي لا يفسح المجال لممارسة الديمقراطية الغربية.

3.     أن المدخل لتأسيس نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية يستدعي البحث عن معادلة جديدة تناسب الواقع العربي وتوفر تعددية سياسية، وتصون حقوق الأقليات الدينية والقومية، وتتيح المجال لمشاركة كافة المواطنين في العملية السياسية.

نحو نظام ديمقراطي عربي

إن التطبيق العملي لمبدأ الديمقراطية يمكن أن يتم من خلال عدة معادلات لكل منها متطلباتها وتبعاتها. إلا أنه في ضوء تزايد الحياة تعقيداً، واضمحلال إمكانية حدوث تفاعل مباشر بين الناس من ناحية وبينهم وبين الحكام من ناحية ثانية، أصبح من الضروري استنباط معادلة تتيح تطبيق المبدأ الديمقراطي بشكل يضمن فصل الدين عن الدولة، ويفتح المجال لحدوث تواصل وتفاعل بين الناس وحكامهم. وهذا يعني أن على المعادلة المقترحة أن تنص على انتخاب النواب والحكام من قبل الشعب، وأن تحول دون سيطرة الأغلبية على الأقلية أو سيطرة تيار فكري معين على غيره من تيارات فكرية أخرى، وتُشجع إقامة منظمات المجتمع المدني وتفعليها. كذلك وجب أن تعترف المعادلة بوجود الأقليات وحقوقها المشروعة، وتقوم على انتظام الانتخابات بصفة دورية، ما يعني أن على المعادلة الديمقراطية أن تضمن ما يلي:

1.      حدوث انتخابات دورية للمجالس النيابية والحكام، ومنح كل الراشدين حق المشاركة فيها بغض النظر عن الجنس والعرق والدين.

2.      تخصيص مقاعد معينة في مجالس النواب للأقليات العرقية والدينية التي تختار، ضمن استفتاء عام، المشاركة في العملية الانتخابية على أساس أنها أقليات، وهذه تجمعات تعترف الديمقراطية بوجودها وشرعية اختلافها عن غيرها من مواطنين، وحقها في المشاركة في اتخاذ القرار.

3.      ضمان عدم سيطرة تيار فكري معين على غيره من تيارات فكرية أخرى من خلال تحديد النسبة العليا لتمثيل أي حزب في المجلس التشريعي فيما لا يزيد عن 25% من المقاعد، مع ضمان تمثيل كافة الأقليات والقوى الاجتماعية التي تشكل قوة فاعلة على أرض الواقع.

4.      وفي ضوء تراجع أهمية الأحزاب والحزبية، ومن أجل ضمان تمثيل ديمقراطي ومشاركة شعبية أفضل، أصبح من الضروري تخصيص نسبة من المقاعد النيابية لمنظمات المجتمع المدني بما يتناسب مع حجم ونشاط كل منظمة واتساع قاعدتها الشعبية، ما يعني أن التعددية التي نتحدث عنها ليست سياسية فقط، بل وأيضاً اجتماعية ثقافية.

إن المشاركة القائمة فعلاً على تعددية سياسية واجتماعية ثقافية من شأنها الحيلولة دون انفراد حزب واحد أو تيار فكري معين باتخاذ قرارات مصيرية بناء على منطلقات أيديولوجية ضيقة أو مواقف إيمانية متزمتة، مثل قرارات الحرب والسلام، وسن التشريعات المتعلقة بنظام التعليم وحقوق المرأة والموقف من الاكتشافات والبحوث العلمية. كذلك من شأن المشاركة التعددية تعطيل برامج تزييف وعي الجماهير، وإحباط محاولات جر الناس لاتخاذ مواقف عاطفية تدعم سياسات عقائدية غير واقعية باسم الدين أو القومية أو التراث، وزوال الحاجة لتشكيل لوبيات ضاغطة، وإضعاف أثر المال على العملية السياسية.

إن تمثيل الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية الرئيسية في الحكومة قد يؤدي إلى صعوبة اتخاذ القرارات المناسبة، خاصة في أوقات الطوارئ التي تتخللها أزمات مجتمعية، كما أنه قد يتسبب في إلغاء وجود معارضة قادرة على المتابعة والتحليل والنقد. لذلك كان على معادلة المشاركة الديمقراطية أن تضمن التعاون والتنسيق بين مختلف الأحزاب والتيارات الفكرية، وان تراعي أهمية وجود معارضة حقيقية خارج أروقة الحكم، وان تسعى إلى تحقيق التفاعل بين القوى السياسية والاجتماعية والثقافية المهتمة أساساً بالقضايا العامة، وتفعيل العملية الإعلاماتية وضمان حيادها. وهذا يعني أن القيام مثلاً بتشكيل حكومة من الأحزاب الرئيسية الممثلة في مجلس النواب على الطريقة البريطانية سيجعل الحكومة نسخة مصغرة تقريباً عن مجلس النواب، ويجعل قادة المجلس الأول يتحكمون في المجلس الثاني وقراراته. كذلك من المؤكد أن يؤدي مثل هذا الترتيب إلى حصر المشاركة في المجلسين ضمن قيادات سياسية اكثر اهتماماً بالحوار الفكري والخلافات العقائدية، وبالتالي أقل اهتماماً بالقضايا الإدارية والفنية التي تهم عامة الناس.

لذلك نقترح تحقيق الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وحصر صلاحيات الأولى في مجلس النواب والثانية في مجلس الوزراء والرئاسة، وتشكيل مجلس الوزراء بالكامل من خارج مجلس النواب. أما رئيس مجلس الوزراء فنقرح أن يتم انتخابه بطريقة مباشرة من قبل مجلس النواب. وفي حالة رغبة حزب معين في تعيين أحد نوابه في مجلس الوزراء، فإن على ذلك العضو الحصول أولاً على موافقة رئيس مجلس الوزراء المنتخب، ومن ثم الاستقالة من المجلس وإعلان مقعده شاغراً وإجراء انتخابات عامة لملئه. وهذا يفتح المجال لتعيين وزراء من أصحاب المعرفة والاختصاص والخبرة، ويُنمي القاعدة القيادية في المجتمع، ويحصر المناكفة المعتادة بين القيادات السياسية في مجلس النواب.

أما فيما يتعلق بالانتخابات على المستويات المحلية، فإننا نميل إلى ترك الباب مفتوحاً للتنافس بين الأحزاب المختلفة، لإعطاء كل تيار سياسي أو اجتماعي فرصة كافية لمحاولة تطبيق بعض أفكاره واثبات كفاءة رجاله وصلاحية نظرياته على أرض الواقع، على أن تكون الصلاحيات خاضعة للسياسة العامة للدولة. وهذا يعني حصر التنافس على المستويات المحلية ضمن مجالات التطبيق العملي للسياسة العامة للدولة بهدف تحسين الأداء الإداري واقتراح الجديد من البرامج لاستغلال الموارد المتاحة محلياً وخدمة المواطنين وحماية مصالحهم. وهذا يستوجب إتباع سياسة اللامركزية في إدارة الحكم، بحيث يتم تحديد القضايا الوطنية والقضايا المحلية بشكل يسمح بفصلها عن بعضها بعضاً وتكاملها معا في آن واحد.

إن محدودية تجربة الوطن العربي مع الحزبية، واستحواذ كلمة حزبية في التراث العربي الإسلامي على معنى سلبي، دفع الأغلبية الشعبية إلى البقاء خارج الأحزاب، كما دفع نسبة كبيرة من المفكرين والمثقفين إلى الابتعاد عن العمل الحزبي وعدم الخوض في قضايا خلافية عقيمة. ويعود السبب في ذلك لعدة عوامل، منها:

1.      شعور المفكرين والمثقفين الملتزمين بضرورة التعامل مع قضايا الوطن والتحديات المصيرية من رؤية كلية وليس من رؤية حزبية ضيقة.

2.      ميل القيادات الحزبية إلى استخدام مفردات لغوية غوغائية بهدف استثارة عواطف الناس وكسب ثقتهم، ما يتسبب عادة في تجاوز التوقعات الشعبية حدود الإمكانيات الوطنية المتاحة.

3.      صعوبة وصول الفكر القائم على حقائق علمية إلى مراكز قيادية في ظل أوضاع تتيح المجال لسيطرة قيادات فردية وتحول دون تأسيس مراكز دراسات علمية داخل المؤسسة الحزبية.

لذلك، ومن أجل فتح المجال أمام أكثر القيادات وعياً ومصداقية للوصول إلى الحكم نقترح قيام مجلس النواب بانتخاب رئيس مجلس الوزراء انتخاباً حراً مباشراً من خارج المجلس، وإعطاء كل القيادات الحزبية وغير الحزبية فرصة شغل ذلك المنصب الهام دون تعصب أو تفرقة، ومنح رئيس الوزراء المنتخب حق تشكيل الوزارة واختيار أعضائها بالكامل من خارج المجلس النيابي.

إن التطور المتسارع في مختلف نواحي الحياة أدى إلى تعقيدها وتشابكها، كما أدى في الوقت ذاته إلى ربط أجزاء العالم بعضها ببعض بروابط اقتصادية مصلحية وأمنية حتمت الاعتماد المتبادل بين الشعوب والدول. وهذا أدى إلى جعل العديد من المشاكل الوطنية مثل مشاكل انتهاك حقوق الإنسان قضايا عالمية، وجعل العديد الآخر من المشاكل والهموم العالمية مثل تلوث البيئة وتجارة المخدرات قضايا وطنية. ولقد ترتب على ذلك إضعاف مفهوم السيادة الوطنية، وتقليص دور الدولة القومية وقدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات الداخلية والخارجية على السواء. من ناحية أخرى، أدى التطور المتراكم في نوعية الحياة ومتطلباتها اليومية إلى تعميق الخصوصية بالنسبة للأقاليم والمدن والقرى البعيدة عن المركز. وهذا جعل مؤسسات أكبر الدول تبدو صغيرة أمام العديد من القضايا العالمية، فيما جعل مؤسسات أصغر الدول تبدو كبيرة أمام القضايا المحلية التي تشغل بال المواطنين في الأقاليم والقرى النائية، كما جعل البيروقراطية القائمة على المركزية عاجزة عن فهم مشاكل الناس وضعيفة القدرة على التعامل معها بكفاءة.

لذلك نقترح اعتماد اللامركزية في الحكم من أجل إفساح المجال لحكومة المشاركة الديمقراطية كي تقوم بالتركيز على القضايا العامة وقضايا العلاقات الدولية من دون إهمال القضايا المحلية. وهذا يعني تشكيل مجالس محلية منتخبة وإسناد صلاحيات واسعة لها لإدارة الشؤون الحياتية للناس، بما في ذلك الشؤون المتعلقة بالأمن والتعليم والثقافة والاستثمار، ولكن من دون الإخلال بالسياسة العامة للدولة أو المناهج الدراسية. وهذا من شأنه التعامل مع معظم المشاكل حال وقوعها من دون تأخير، وتخويل الناس الأكثر معرفة بالبيئة الاجتماعية المحلية والأقرب إلى فهم مشاكل الناس مسؤولية التعامل مع احتياجاتهم وهمومهم بشكل مباشر. كذلك من شأن نظام يعتمد اللامركزية إتاحة الفرصة لنمو قيادات جديدة باستمرار وفتح المجال لحدوث تنافس بناء بين الأقاليم في مجال النشاطات الثقافية والسياحة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

الطبقة الوسطى في العالم العربي

فيما كانت دول الغرب الصناعية تمر بمرحلة نمو اقتصادي وتقدم علمي وتنوع ثقافي مُدهش، كانت أغلبية دول العالم الثالث بمن فيها الدول العربية تعيش مرحلة الاستقلال الوطني والبناء المؤسسي. وبسبب تخلف تلك الدول اقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً وفقرها النسبي، فإن الطبقة الوسطى في المجتمعات النامية لم تستطع النمو بالقدر الكافي وتحقيق الثقة الكافية بالنفس للقيام بدور فاعل في حياة المجتمع. كما أن محدودية النشاطات الاقتصادية، وسيطرة العسكر على الحكم في أغلبية الأحيان، وغياب الحريات السياسية وغير السياسية، وخضوع الاقتصاد للسياسة، وسيطرة بيروقراطية على الحياة العامة اتصفت عموماً بالجهل والفساد جعل من غير الممكن أن تستحوذ الطبقة الوسطى على أسباب القوة والوعي للقيام بدور فاعل في المجتمع.       

إن ضعف القاعدة الإنتاجية ونمو النزعة الاستهلاكية على حسابها أديا إلى حصر أهم النشاطات الاقتصادية في النشاط التجاري القائم أساساً على الاستيراد والتصدير. وبسبب علاقة هذا النشاط بالدول والشركات الأجنبية التي ارتبطت في الذاكرة الجماعية للشعوب العربية بالاستعمار، فإن فئة التجار افتقدت الإحساس بالانتماء للوطن والثقة بالنفس لتشكيل طبقة اجتماعية ذات مصالح مشروعة. وهذا قاد تلك الفئة إلى التركيز على الربح السريع وليس الاستثمار بعيد المدى، والتنافس فيما بينها للحصول على وكالات تجارية خدمة لمصالح ذاتية، تفضي بالضرورة إلى خدمة الشركات الأجنبية التي تمثلها.

في المقابل، جاء طرح شعار الاستقلال الاقتصادي في العالم العربي، وإتباع نظام المركزية في التخطيط الإنمائي، وسيطرة الدولة على أهم النشاطات الإنتاجية ليحول دون نمو طبقة وسطى فاعلة، لان الاقتصاد هو البيئة الطبيعية لنمو تلك الطبقة وأداتها الأهم لفرض وجودها والتعبير عن ذاتها. وفي ضوء التحول العالمي نحو المعرفة سيكون من الصعب جداً نمو طبقة وسطى تتمتع بالصفات الضرورية لدعم الديمقراطية ومؤسساتها السياسية. إن معايشتنا لتطور المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ تقودنا إلى الاعتقاد بأن المجتمع الصناعي هو المجتمع الوحيد الذي أفرز طبقة وسطى ذات دور مجتمعي فاعل. فالمجتمع القبلي يتكون من طبقة واحدة، والمجتمع الزراعي يتكون من طبقتين: أغنياء وفقراء، والمجتمع المعرفي الآخذ في التكون يسير نحو تشكيلة مجتمعية مختلفة تماماً، ما يجعل الطبقة الوسطى ظاهرة غير عادية من الصعب الاحتفاظ بها أو الاعتماد على استمرار وجودها في أي مجتمع كان، إلا إذا تم تغيير النظم الاقتصادية الحالية. في المقابل، جاء التوسع الكبير والمفاجئ في حجم الدولة العربية ونشاطاتها في مجال الخدمات ليخلق طبقة وسطى غير تقليدية في رحم الدولة، ما جعل هذه الطبقة وسطى من حيث الدخل، ولكن بلا قاعدة إنتاجية أو وعي طبقي، وبالتالي تجمعات غير قادرة على تشكيل طبقة اجتماعية مستقلة.

من ناحية ثانية، أسهمت ثورتي الاتصالات والمعلومات في دخول العديد من المجتمعات والأقليات عصر المعرفة، ما أدى إلى زيادة أهمية العملية الإعلاماتية المكونة من الإعلام والمعلومات في الحياة المجتمعية، وتنشيط مؤسسات المجتمع المدني القديمة والجديدة مثل جمعيات حقوق الإنسان وحماية البيئة. كما شجعت تلك التطورات تجمعات أصحاب المصالح الخاصة على التدخل في العملية السياسية والتشريعية بهدف التأثير في قراراتها. وبسبب فعل العولمة المتجه نحو تدويل الاقتصاديات والثقافات الوطنية تضاءل حجم الطبقة الوسطى ونفوذها في كل المجتمعات، فيما تزايد حجم الفئات المعرفية ونفوذها، وهذه فئات تعتمد أساساً على المعرفة وليس على الثروة الاقتصادية. وفيما تختفي الطبقة الوسطى ذات الجذور الاقتصادية تدريجياً، يتم استبدالها بفئات اجتماعية ثقافية ترتبط أساساً بأقليات عرقية ودينية ومعرفية.

إن ضعف الطبقة الوسطى في الوطن العربي وغياب الوعي الطبقي من حياتها يجعل من الصعب قيامها بدور رائد في حماية العملية الديمقراطية وتنويع النشاطات الاقتصادية. وهذا يجعل من الضروري إسناد دور هام لمؤسسات المجتمع المدني في العملية السياسية، ويحتم احتفاظ الدولة بجزء كبير من دورها التقليدي في حياة المجتمع. إن كون قيادات مؤسسات المجتمع المدني قيادات مُنتخبة تمثل مختلف قطاعات الشعب والنشاطات الاقتصادية وغير الاقتصادية يجعلها أهلاً للمشاركة في تمثيل الشعب، خاصة وأن انتخابها يتم عادة بطرق أكثر شفافية من الانتخابات العامة. إضافة إلى ذلك، تتصف قيادات المجتمع المدني عامة بارتفاع مستوى التعليم ودرجة الوعي، والالتزام بقضايا المجتمع، ولديها القدرة على التواصل مع الجماهير التي يغلب عليها وعلى قياداتها التقليدية الجهل وثقافة التواكل، كما وأن نسبة الشباب بين تلك القيادات كبيرة مقارنة بأي مجلس نيابي منتخب، ما يجعلها تشكل أرضاً خصبة لنمو القيادات المجتمعية وتجديد القيادات السياسية باستمرار.

 من ناحية ثانية، تستوجب الطبيعة التقليدية للمجتمعات العربية، والتركيبة القبلية والعشائرية لبعضها أن تحتفظ القيادات التقليدية بجزء من دورها الحالي، وذلك حتى تتغير الهياكل الاجتماعية وتتجذر الفكرة والممارسة الديمقراطية. وهذا يعني أن من الضروري أن يحتفظ رئيس السلطة السياسية سواء كان ملكاً أو رئيساً منتخباً بصلاحيات حقيقية، تزيد كثيراً عن صلاحيات ملك في نظام ملكية دستورية مثل بريطانيا، وتقترب من صلاحيات رئيس ديمقراطي منتخب في فرنسا. كما تستوجب مرحلة التطور الاقتصادي الحالية استمرار رقابة الدولة على النشاطات الاقتصادية والمالية ودعم تلك النشاطات، وذلك حتى ترتفع مستويات التعليم وتتحسن الأوضاع المعيشية وتتسع النشاطات الاقتصادية.

تشير تجربة بعض الدول الغربية مثل هولندة وبريطانيا والدنمرك والسويد إلى أن استمرار الملكية الوراثية لم يمنع التحول نحو الديمقراطية، وأن الاحتفاظ بتلك المؤسسة على رأس الدولة كان من أهم عوامل الاستقرار السياسي فيها. إذ استطاعت الملكية في تلك الدول إيضاح مصدر الشرعية، وتعميق إحساس الحاكم والمحكوم بالطمأنينة إلى سلامة العملية الديمقراطية وفاعلية العملية السياسية. كذلك تشير تجربتي اليابان والصين إلى أن رقابة الدولة على النشاطات الاقتصادية الهامة واتجاهها إلى دعم  بعض الصناعات داخلياً وخارجياً، وتمويل نشاطات البحث العلمي كان له اثر إيجابي في تنمية الاقتصاد الوطني ورفع المستويات المعيشية بوجه عام، وتأهيل تلك الدول للتنافس صناعياً وعلمياً وتكنولوجياً مع الدول الصناعية العريقة.

وفي سبيل الدعوة إلى ثقافة تتيح الفرصة لنمو فكرة الديمقراطية وازدهارها في المجتمع العربي، اتجه معظم المعنيين بقضايا الحرية والمساواة إلى استخدام كلمة "تسامح" للتعبير عن الثقافة المطلوبة. لكن كلمة تسامح توحي بأن هناك طرفاً قوياً يتمتع بقدر كبير من الشرعية بسبب خلفيته الثقافية أو القومية أو معتقداته الدينية، وأنه يتسامح مع طرف ضعيف آخر يتمتع بقدر أقل من الشرعية، كما يُقال عن تسامح المسلمين مع أتباع الديانات السماوية الأخرى. وهذا يعني أن كلمة تسامح لا تعكس إقراراً بالمساواة بين الناس، ما يجعلها لا تفي بالغرض المطلوب، وقد تقود إلى شعور فريق بتميزه على غيره من الناس والاتجاه نحو التفرقة ضدهم. لذلك حاولت شخصيا تجنب هذا الخلل باستخدام مصطلح "التسامح المتبادل"، فيما حاول آخرون استخدام كلمة "مساواة". لكن المساواة مبدأ في الحكم ذا علاقة بالقانون والدستور، وليس موقفاً من الآخر يعكس قيمة مترسخة في الوجدان الثقافي. وهذا يعني ببساطة أن كلمة مساواة شأنها شأن كلمة تسامح لا تصلح للتعبير عن قيمة ثقافية وظيفتها الأساسية تنظيم علاقة الفرد بغيره من أفراد المجتمع بناء على مبدئي المساواة والمواطنة. لذلك كان علينا أن نبحث عن كلمة أخرى تفي بالغرض، ما يجعلني أطرح اليوم كلمة "تآلف" كبديل لكلمتي تسامح ومساواة. فكلمة تآلف تعني المعايشة عن قرب، وتعكس علاقة ود تقوم على التكافؤ بين طرفين يشعر كل طرف فيها بأنه ند للآخر وشريك له.

إن تداول السلطة في المجتمع بالطرق السلمية هو لب العملية السياسية الديمقراطية، إذ من دون تداول للسلطة لا تقوم للديمقراطية قائمة. وهذا يفترض قيام كافة فئات المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية بقبول مبدأ تداول السلطة واحترامه. إلى جانب ذلك، ليس بالإمكان قيام نظم حكم ديمقراطية من دون اعتراف المجتمع، ثقافة ومؤسسات وقوانين، بالحريات الفردية والعامة واحترامها وصيانتها. من ناحية ثانية، ليس بالإمكان ضمان مشاركة شعبية واسعة في العملية الديمقراطية الانتخابية في غياب ظروف سياسية وثقافية تجعل المشاركة حقاً وواجباً في آن واحد. وهذا يستوجب توفر الوعي لدى فئات الشعب المختلفة، والتزام العمليتين التربوية والإعلاماتية بالإسهام في تأسيس الديمقراطية كقيمة اجتماعية ثقافية ونظام حكم سياسي، إلى جانب الالتزام بالكشف عن الحقيقة العلمية والتاريخية ونشرها في المجتمع.

ومن دون المزيد من الشرح، نعتقد بإمكانية قيام نظام عربي ديمقراطي لتولي مهام الحكم في كل قطر عربي، على أن تقوم المعادلة المقترحة بإعادة هيكلة ما هو قائم من ترتيبات سياسية واقتصادية وليس هدمها، وأن تعمل في الوقت ذاته على تمكين الشعب من ممارسة حقه في المشاركة في العملية السياسية بحرية، وأن تبتعد بقدر الإمكان عن التجربة الأمريكية. ومن الأمور التي تستوجب الابتعاد عن التجربة الديمقراطية الغربية عامة أن الظروف التي نشأت فيها تلك التجرية ما تزال غائبة عن حياة المجتمعات العربية. ومن الأمور التي سبقت تأسيس الديمقراطية في الغرب فصل الدين عن الدولة، وشيوع الحرية الاقتصادية، ونشوء الهياكل الاجتماعية والاقتصادية المتصلة بالصناعة.

 أما العناصر الرئيسية للمعادلة الديمقراطية العربية المقترحة فتتكون مما يلي:

1.      انتخابات مباشرة لتشكيل مجلس نواب تُسند إليه مهام السلطة التشريعية ضمن شروط تحدد فترة خدمة النائب بعدد محدود من السنين، وتحول دون حصول أي حزب على أغلبية مطلقة. إذ إن كافة المنتمين إلى الأحزاب في كل قطر عربي لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة جداً من السكان، ما يعني أنه لا يمكن لحزب أو يحصل على أغلبية شعبية، ولا يجوز لحزب أن يدعي بأنه يمثل الأغلبية. وعلى سبيل المثال، لا يحظى الحزب الحاكم في أمريكا إلا على تأييد حوالي ربع المواطنين، ما يعني أن الأقلية تسيطر على الأغلبية، وليس العكس.

2.      عدم السماح لأي حزب بدخول مجلس النواب إذا فشل في الحصول على نسبة معقولة من أصوات الناخبين، أي إذا عجز عن إثبات قدرته على إقناع قطاع كبير نسبياً من المواطنين بصلاحية أفكاره وواقعية برنامجه الانتخابي.

3.      تخصيص مقاعد في المجلس النيابي للأقليات الدينية والعرقية التي تطالب بمعاملتها كأقلية، على أن تتناسب الحصص المخصصة لها مع نسبتها إلى المجموع العام إلى السكان.

4.      تخصيص مقاعد في المجلس النيابي لمؤسسات المجتمع المدني الأكثر أهمية، خاصة الاتحادات العمالية والنقابات المهنية، واتحادات رجال الأعمال والمال والغرف التجارية والصناعية، والاتحادات النسائية والطلابية، وجمعيات حقوق الإنسان وحماية البيئة وغيرها، على أن يكون لتلك المنظمات وجوداً فاعلاً وقاعدة شعبية.

5.      على كل عضو من أعضاء مجلس النواب أن يكون حاصلاً على الشهادة الثانوية على أقل.

6.      الفصل الكامل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتشكيل مجلس الوزراء من خارج مجلس النواب، على أن يكون عضو مجلس الوزراء حاصلاً على شهادة جامعية.

7.      انتخاب رئيس مجلس الوزراء من خارج مجلس النواب مع إسناد صلاحية انتخابه لذلك المجلس، وتحديد فترة زمنية لرئاسته في حدود خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط.

8.      إتباع نظام اللامركزية في الحكم الذي يمنح صلاحيات واسعة لمجالس الحكم المحلية والإقليمية المنتخبة فيما يتعلق بتسيير شؤون الناس اليومية، ولكن ضمن السياسة العامة للدولة.

9.      إتباع نظام انتخابي يجمع بين الاستمرارية والتجديد بحيث يتم انتخاب نصف أعضاء مجلس النواب في كل دورة انتخابية – كل ثلاث سنوات مثلاً.

10.   تحديد فترة حكم الرئيس المنتخب بستة سنوات غير قابلة للتجديد، على أن يكون من حقه إعادة ترشيح نفسه للرئاسة بعد انقضاء فترة رئاسية واحدة على الأقل.

إن التطرف الفكري والسياسي هو ارتهان لفكر ماضوي تجاوزه الزمن، أو تعلّق برؤية نظرية مستقبلية لم يختبرها الزمن. وهذا يجعل الارتهان لماض بائد والتعلق بمستقبل مجهول مواقف بعيدة عن الواقع وضعيفة القدرة على التعامل مع مشاكله وتحدياته بعلمية. وحين يكون التطرف سبباً في حدوث تمحور عقائدي ثنائي أو متعدد الأطراف، فإن حياة المجتمع وموارده تصبح عرضة للاستنزاف في معارك كلامية محبطة للأمل، أو في حروب أهلية مدمرة. إن المجتمعات التي يسيطر عليها التطرف والتمحور العقائدي هي مجتمعات غير قادرة على القبول بحلول وسط، أو حتى التفكير بحلول وسط، ما يجعل من الصعب إيجاد مكان فيها للعقلانية والواقعية. وهذا يحتم إقامة نظم ديمقراطية تفرض على الجميع التعاون بقدر الإمكان، وتُشجع الاعتدال والتآلف بين الناس، وتضمن وجود تعددية سياسية وحرية فكرية ومشاركة شعبية، وتحول في كل الحالات وتحت كل الظروف دون سيطرة أغلبية مزعومة على أقلية تمثل في الواقع الأغلبية الشعبية في المجتمع.

----------------------------------------------------------

الدكتور محمد عبد العزيز ربيع

د.محمد ربيع أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية الحكامة والاقتصاد في الرباط في المغرب. درس في جامعات مصر وألمانيا وأمريكا، وقام بالتدريس في عدة جامعات عربية وأمريكية وأوروبية من بينها جامعتي جورجتاون وجونز هوبكنز في واشنطن. نشر عشرات الكتب ومئات الدراسات والمقالات، وشارك في عشرات المؤتمرات والندوات في العديد من دول العالم. وتشير اهتماماته وكتاباته إلى التزامه بقضايا الفقراء والمحرومين ومعضلة التنمية المجتمعية، والدفاع عن قضايا الحرية والعدالة والمساواة وتحرير الشعوب من التبعية، والدعوة إلى الحوار وحل الخلاقات بالطرف السلمية، والعمل على تعزيز فرص السلام العالمي والإخاء الإنساني.


الموقع

www.yazour.com

    profess...@yahoo.com

 

محمد ربيع.jpg
نحو نظام ديمقراطي عـربي.docx
نحو نظام ديمقراطي عـربي (2).docx
MOHAMED RABIE.jpg
649371.jpg
arabii.jpg
Investment Map Arab World-GUCCA.jpg
ARAB.jpg
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages