العلاقات الاستراتيجية الصينية - الروسية...علي حسين باكير/ باحث في العلاقات الدولية

830 views
Skip to first unread message

friendshipmorocco اصدقاء المغرب

unread,
May 19, 2013, 3:11:47 AM5/19/13
to fayad fayad, fay...@googlegroups.com

العلاقات الاستراتيجية الصينية - الروسية


يستطيع المراقب للعلاقات الصينية-الروسية المتنامية ملاحظة وجود تنسيق استراتيجي متزايد بين الطرفين ما يثير بالإضافة إلى  القلق،  الحفيظة لدى قوى عديدة اقليمية و دولية ترى في هذه العلاقات خطرًا يتهدّد نفوذها خاصة أنّ التعاون بين الطرفين يشمل العديد من القضايا و منها : التسلّح العسكري، التنسيق السياسي و الدبلوماسي في القضايا الدولية، التعاون المشترك في مجالات البحث و التطوير، بالإضافة إلى التجارة المتبادلة.

* خلفية العلاقات الصينية-الروسية:

أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين الصين والإتحاد السوفياتي في الـثاني من تشرين الأول  أكتوبر العام 1949. وفي آب العام 1991، تفكّك الإتحاد السوفياتي، فوقّع البلدان في الـسابع والعشرين من كانون الأول 1991، على محضر المحادثات وحلّت مشكلة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والإتحاد السوفياتي السابق. (1)
بعدها شهدت العلاقات الروسية الصينية تحسّنًا منذ العام 1992 حين أكّد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين خلال زيارته لبكين في ديسمبر من ذلك العام على أهمية التوازن في السياسات الخارجية الروسية بين التوجّه الغربي والتوجّه الآسيوي باعتبار أن روسيا دولة اورو آسيوية. ثم جاءت قمّة بكين في نيسان أبريل العام 1996 لتعطي دفعة قوية للعلاقات بين البلدين وترسي دعائم المشاركة الاستراتيجية بينهما بعد النجاح في تسوية مشاكل الحدود بشكل نهائي، وذلك بعد الاتفاقيتين المتعلّقتين بالحدود الشرقية عام 1991، والحدود الغربية العام 1994. وقد اتخذت العلاقات الروسية الصينية عدة أبعاد: (2)

أولها: موقف البلدين من السياسة الأميركية ورفضهما لهيمنة قوة واحدة على النظام العالمي في إشارة إلى الولايات المتحدة، ومعارضة مشروع الدرع المضادة للصواريخ التي تقيمها الولايات المتحدة بدعوى حماية أراضيها من هجمات محتملة قد تشنّها ما تطلق عليه "الدول المارقة" مثل إيران وكوريا الشمالية. وترى فيها الصين وروسيا تهديدًا للأمن العالمي وتجديدًا لسباقات التسلّح، لذا فهما يدعمان التمسّك بمعاهدة الحد من انتشار الاسلحة البالستية الموقّعة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية العام 1972 باعتبارها أساس الاستقرار العالمي، واتفاقات الحد من التسلّح بصفة عامة.

ثانيها: التعاون في مجال التقنيات العسكرية حيث تعتبر الصين أكبر سوق للسلاح الروسي، وتستأثر وحدها بـ 40% من صادرات السلاح الروسي، في حين تشكّل الأسلحة الروسية 70% من إجمالي واردات الصين من الأسلحة.

ثالثها: التنسيق الأمني بين البلدين في منطقة آسيا الوسطى بهدف تحجيم نشاط الحركات الاسلامية في المنطقة ومكافحة تجارة المخدّرات وتهريب الأسلحة والتصدّي للإرهاب والنزعات الانفصالية، وذلك في إطار مجموعة شنغهاي الخماسية، التي تضمّ كازاخستان و طاجيكستان و قيرغيزستان إلى جانب روسيا والصين وتكوّنت في نيسان إبريل 1996 مع توقيع معاهدة أمنية بين الدول الخمس.

رابعها: تأكيد عدم تدخّل كل طرف في الشؤون الداخلية للطرف الآخر واحترام الوحدة والسلامة الإقليمية له. فقد أكّدت الصين دومًا على أن قضية الشيشان هي من الشؤون الداخلية التي تتعلّق بوحدة الأراضي الروسية. كما التزمت روسيا تفادي إقامة علاقات رسمية مع تايوان، وأعلنت ان التيبت جزء لا يتجزّأ من الصين، وبذلك يتفادى البلدان دعم الحركات الانفصالية في كل من بلديهما.

خامسها: يتعلّق بتنامي العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.  فالعام 2000 بلغ التبادل التجاري بينهما نحو 7 مليارات دولار. وتعتبر الصين ثالث أكبر شريك تجاري لروسيا بعد ألمانيا والولايات المتحدة. ولا شك في أن الإمكانات المتاحة للبلدين تتيح الفرصة لمضاعفة التبادل التجاري بينهما ولمزيد من التعاون في المجال الاقتصادي.

هذا كلّه يوضح عمق المشاركة الإستراتيجية بين روسيا والصين وعدم اقتصارها على الجوانب الأمنية والعسكرية فحسب بل اتساعها لتشمل العديد من الجوانب الأخرى لا سيما الإقتصادية، ولكن على الرغم من تنامي العلاقات بين البلدين فإنها تظل عند حد المشاركة الاستراتيجية ولا ترقى إلى مستوى التحالف العسكري، وقد أكّد الطرفان ذلك في أكثر من مناسبة، كما أكّدا أنها لا تستهدف طرفًا آخر وإنما تأتي تلبية للمصالح المشتركة للبلدين.

 و العام 2001، وصلت علاقات شراكة التعاون الاستراتيجية بين الصين وروسيا إلى مستوى جديد. حيث تعمّقت الثقة السياسية المتبادلة بين الجانبين وتكثّفت الاتصالات بين قادتهما. واجتمع الرئيس الصيني جيانغ تزيمين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ثلاث مرات في عام واحد بالإضافة إلى الاتصال الهاتفي بينهما ست مرات. وقنّت معاهدة حسن الجوار والتعاون الودّي بين البلدين التي وقّعها رئيسا البلدين العام 2001 والبيان المشترك الذي أصدراه في العام نفسه قنّنا مفهوم الصداقة المتوارثة من جيل إلى جيل وعدم المعاداة إلى الأبد.
و ما بين الـسادس والعشرين والـثامن والعشرين من أيار العام2003،  قام الرئيس الصيني هو جين تاو بزيارة رسمية لروسيا.
وفي السنوات الأخيرة، ظلّت التجارة والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين الجانبين تتكثّف يومًا بعد يوم. كما ازدادت مع مر الايام التبادلات والتعاون في مجالات الثقافة والعلوم والتكنولوجيا والتعليم والتربية وغيرها.

أمّا بالنسبة إلى الخلاف الذي كان في السابق يحدّ من هذا التعاون بشكل أساس، فهو خلاف حدودي. إذ  تشترك الصين وروسيا في حدود يبلغ طولها 4370 كيلومترًا. و قد حدّد الجانبان 97% من الحدود عبر مفاوضات استمرت سنوات عديدة على أساس معاهدات الحدود الحالية ومبادئ القوانين الدولية المعترف بها وروح التشاور المتكافئ والتفاهم والتسامح.(3)

معظم هذه الخلافات الحدودية تمّ الاتفاق على حلّها بشكل رسمي العام 2001، أمّا باقي المناطق الخلافية الحدودية فقد تمّ تسويتها بشكل نهائي في حزيران من العام 2005.

و قد كانت مسألة تسوية الحدود إنطلاقة قويّة لتأسيس علاقات سياسية و تجارية متبادلة تكون بمثابة حجر الاساس لبناء علاقات استراتيجية صينية-روسية خاصّة أنّ الطرفين يتلاقيان في السياسة الدولية التي تقوم على مبدأ "عالم متعدّد الأقطاب" لمواجهة التفرّد الأميركي. و قد اتّفق الطرفان على ضرورة التعاون أيضًا في قضايا الدفاع الصاروخي: تايوان، آسيا الوسطى، و الفضاء.

* العلاقات السياسية الصينية-الروسية:

أولا: التحالف الاقليمي
تسعى كل من الصين و روسيا إلى تشكيل تحالف إقليمي ليكون صدًّا في وجه الاختراق الأميركي للمنطقة، خاصّة في المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة الإتحاد السوفياتي سابقًا و التي فرط عقدها إثر انهياره. و قد عمدت الدولتان إلى تأسيس بعض المنظّمات الإقليمية و تفعيل البعض الآخر لهذا الغرض و منها، بل و أهمّها:
 
مجموعة شنغهاي: و التي ضمّت كل من ) الصين، روسيا، طاجيكستان، كازخستان وقيرغيزستان  ثم انضمّت إليها أوزبكستان)، و تمّ تأسيسها العام 1996 في محافظة شنغهاي الصينية. و في العام 2001 تمّ توسيع المنظمة من خلال دخول أوزبكستان إليها. و تهدف هذه المنظّمة إلى تعزيز التعاون بين الدول الاعضاء و مناقشة عدد من المواضيع المهمة بشكل دوري وذلك، بهدف:
-  إعادة ترسيم الحدود بين جمهوريات ما بعد الإتحاد السوفياتي من جهة، و الصين من جهة أخرى.
-  من أجل مواجهة الأخطار المشتركة وتنسيق الحرب على الإرهاب والنزعة الإنفصالية والتطرّف، إضافة للتعاون الاقتصادي.
-  مواجهة الاضطرابات الداخلية، فهذه البلدان كلّها إما تشهد صحوة إسلامية، كما هو الحال في طاجيكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان، وإما تشهد مواجهات بين المسلمين والأنظمة غير المسلمة مثل روسيا والصين.
و قد أصدرت المجموعة في اجتماعها الاخير السنة الفائتة دعوة لخروج جميع القوى الخارجية من منطقة وسط آسيا و إنهاء القواعد العسكرية الخارجية في إشارة غير مباشرة للقوات العسكرية الأميركية و قواعدها في المنطقة.

و قد قاد العديد من العوامل فيما بعد الطرفين إلى إنشاء رابط استراتيجي مشترك بينهما و إلى تقوية العلاقات الثنائية في السنوات الاخيرة. على الجانب الصيني، ساهمت النقلة العالمية في السياسة الدولية و عبر القادة الاستراتيجيين الصينيين، في إعادة تقييم سياسة الصين الأمنية و مناقشة الاحتمالات و الخيارات كافة المتاحة أمامهم و منها إنشاء علاقات تعاون ثنائية أو تحالف قوي و متين لصد هيمنة الولايات المتّحدة على المنطقة و محاربة نزعتها الأحادية.
بالنسبة إلى روسيا، فقد رأت أنّ عليها استعادة قوّتها و أنّ ذلك لا يمكن أن يتحقّق بمواجهة القوى و الدول الصاعدة في المنطقة، بل في التعاون معها لا سيما الصين.
و لعلّ هذا السبب الرئيس في إنشاء التحالف القوي في النصف الثاني من التسعينات بين الصين و روسيا بالاضافة إلى قضايا أخرى مشتركة و مهمّة و منها:(4)
1- التحديات- الجيوسياسية و الجيو-استراتيجية على مسرح روسيا الغربي الحيوي، و الامتداد التوسّعي لحلف الناتو شرقًا، مع الجهود الواضحة للولايات المتّحدة لتقويض التأثير و النفوذ الروسي في آسيا الوسطى و مناطق أخرى قريبة منها، و هو الأمر الذي زاد من عزيمة الطرفين الروسي و الصيني على توثيق علاقاتهما في هذه المنطقة مع دعوة الطرفين إلى عالم متعدّد الأقطاب مع ضرورة إنشاء نظام سياسي وإقتصادي جديد.
2- معارضة كلا الطرفين لمشروع الدفاع الصاروخي الأميركي و الانسحاب الآحادي الأميركي من معاهدة "أي بي أم" للحد من انتشار الأسلحة البالستية.
3- لدى البلدين تخوّف من القوى و النفوذ الاسلامي في البلدان المجاورة بالإضافة إلى تخوّف من تنامي الحركات القومية الوطنية في تلك المناطق مثل القوقاز، آسيا الوسطى، و مناطق غرب الصين.
4- نمو صادرات روسيا من النفط مقابل ارتفاع استهلاك الصين للطاقة، و هو الأمر الذي كان يشكّل دافعًا إضافيًا لضرورة إقامة علاقات استراتيجية ثنائية بين الطرفين.
5- إنخفاض انتشار الجيش الروسي في الأماكن المجاورة و البلدان الحديثة الإستقلال و تبديل روسيا تحالفاتها السابقة في فترة الاتحاد السوفياتي و تخلّيها عن معاهدات الدفاع المشترك و استبدال ذلك كلّه بعلاقات تعاون و صداقة مع الهند، فيتنام، كوريا الشمالية، و هو ما يريح الصين مقارنة بوضع الإتحاد السوفياتي الذي كان سابقًا.
6- حاجة كلا الطرفين إلى بعضهم البعض، روسيا كقوة آخذة في الذبول بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، و الصين كقوة آخذة في الصعود مؤخّرًا خاصّة من الناحية الاقتصادية مع تحوّلها العام 2002 إلى الدولة الأولى الجاذبة للاستثمارات الخارجية المباشرة في العالم.

على الرغم من هذه القواسم المشتركة بين الطرفين، إلاّ أنّ العلاقات المشتركة واجهت بعض الصعوبات في العام 2000 إثر صعود بوتين إلى الحكم في روسيا. فقد صنّف آنذاك على أنّه موالي للتوجّهات السياسية و الأمنية و الاقتصادية الغربية يسعى إلى علاقات ثنائية قوية مع أميركا ما خفّف قليلا من سرعة التوجّهات المشتركة الروسية-الصينية. خاصّة أنّ الرئيس الصيني أيضًا "جن تاو" يمثّل الجيل الصيني الجديد في سدّة القيادة الصينية، و هو كما معظم جيله لم يتلقّوا تعليمهم في روسيا و لم يخبروها و مبادئها، لذلك فقد كانوا متحرّرين كليًّا من تأثيرها. لكن سرعان ما دفعت التغييرات الحاصلة في المنطقة إلى ضرورة تدعيم العلاقات الثنائية خاصّة مع دخول الأميركيين حلبة السباق للسيطرة على منطقتهم و تخومهم في أفغانستان، آسيا الوسطى و باقي المناطق الحيويّة لهم.(5)
 ثمّ ما لبثت أن تكثّفت الاتصالات والزيارات على المستويات الرفيعة بين الصين وروسيا العام 2001. 

فقد التقى الرئيس الصيني يانغ زيمين والرئيس الروسي بوتين مرات عديدة، ثمّ وقّعا رسميًا ((إتفاقية التعاون وحسن الجوار بين الصين وروسيا في تموز\ يوليو، الأمر الذي أدّى إلى إرساء أساس قانوني لتنمية علاقات ودية طويلة الأمد بين البلدين. والمضمون الرئيس لهذه الإتفاقية هو "إنتقال الصداقة بين البلدين والشعبين من جيل إلى جيل، وعدم تحويل الآخر إلى خصم إلى الأبد". وباعتبارها وثيقة منهجية لإرشاد تنمية العلاقات بين البلدين، حدّدت طبيعة العلاقات الصينية- الروسية الداعية إلى عدم الانحياز وعدم المواجهة وأنها غير موجّهة إلى أي دولة ثالثة. وقدّمت إلى المجتمع الدولي مثالاً في البحث عن الأمن بالاعتماد على الثقة المتبادلة والبحث عن التعاون بالاعتماد على المنفعة المتبادلة. وفي أيلول- سبتمبر 2001، زار رئيس مجلس الدولة تشو رونغ جي روسيا، ما عزّز تنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.(6)

ثانيا: معاهدة التعاون و حسن الجوار المشتركة

في تموزيوليو من العام 2001 قامت الصين و روسيا بتوقيع إتفاق تعاون ثنائي لتوثيق علاقات الدوليتين خلال العشرين سنة المقبلة. و تحلّ هذه الاتفاقية الجديدة مكان تلك التي تمّ توقيعها أيام ماو تسي تونغ و ستالين و التي شكّلت الحلف المشؤوم العام 1950 و أصبحت غير واقعية فيما بعد في نهاية الستينات إثر التوتّر الذي حصل بين البلدين  وفسخ علاقاتهما الثنائية.
و قد جاءت هذه الاتفاقية الجديدة آنذاك لتدعم "الشراكة الاستراتيجية" بين البلدين و القائمة منذ نهاية التسعينات ولا سيما والدولتان قلقتان من التحوّل في النظام العالمي الجديد الذي تسيطر عليه الولايات المتّحدة و حلفاؤها الأوروبيين.
و على العموم ركّزت هذه الاتفاقية المؤلّفة من 25 بندًا على ما يلي:(7)
1- المعارضة المشتركة لبرنامج الدفاع الصاروخي الأميركي.
2-رفض المفهوم الغربي "التدخّل الإنساني" و الذي تبنّاه حلف الناتو العام 1999 في كوسوفو.
3- معارضة الخطط الأميركي بالتوسّع العسكري، و التي لا يمكنها إلاّ أن تضرّ بمصالح الأمن العالمي.
4- الدعم الروسي لمفهوم "صين واحدة" و الاعتراف بحق الصين في تايوان كجزء منها.
5- تدعيم التعاون العسكري بين الطرفين.

في الجانب العسكري:أمّا فيما يتعلّق بحالات الطوارئ العسكرية، فمن المهم أن نشير إلى أنّ الطرفين تجنّا إنشاء تحالف عسكري، فقد نصّت الاتفاقية على أنّه "في حال وجود تهديد أو عدوان ، يقبل الطرفان على الاتصال ببعضهما البعض بأسرع وقت ممكن و يتم إجراء مشاورات لإزالة هذا التهديد أو العدوان". كما نصّت أيضًا على عدم استخدام أي من الطرفين القوة أو التهديد باستخدامها  أو أي وسائل ضغط أخرى إقتصادية أو غير إقتصادية، و على حل الخلافات و النزاعات ثنائيًا بشكل حصري و بالطرق السلمية، و قد تعهّد الطرفان بعدم توجيه أو استخدام الأسلحة النووية ضدّ بعضهم.
فيما يخص قضية تايوان و سيادة الصين: تدعم روسيا سياسة الصين و موقفها أراضيها وتعترف بمبدأ الصين الكبرى الواحدة، و إنّ حكومة الصين هي الحكومة الشرعية التي تمثّل كامل الصين. و في المقابل تقوم الصين بدعم روسيا فيما يخص وحدة الأراضي الروسية و سيادتها.

و على الرغم من أنّ الجميع يدرك أنّ الصين قوّة ناهضة و أنّ قوة روسيا في ذلك الوقت آخذة في الذوبان، إلاّ أنّ محور بكين-موسكو آخذ في الصعود و التمكّن. و مع هذا فإنّ الصين تبقى متشكّكة دائمًا من سياسات بوتين تجاه الغرب خاصّة الولايات المتحدة، أوروبا و حلف الناتو. لكنّ الزيارات العديدة التي قام بها بوتين للصين و التي يسعى من خلالها إلى طمأنة الشركاء الصينيين إلى توجهاته قد أرضتهم، خاصّة إثر تأكيد روسيا على تعاونها الوثيق و التزامها الاتفاقية و بنودها الموقّعة مع الصين.

هذا و يرى الطرفان أنّه ليس من مصلحتهما حاليًا إعلان تحالف عسكري خشية أن يثير ذلك جنون الولايات المتّحدة أو يسلّط الضوء على انبعاث خطر كبير على أوروبا  وأميركا و خوفًا من أن يتم استغلال مثل هذا الوضع في إذكاء نار العداء بين الصين و روسيا من جهة و الغرب من جهة أخرى. لذلك، فقد أكّدت الصين بشكل رسمي مرات عديدة و في مناسبات مختلفة أنّ نوعية علاقاتها المميّزة مع روسيا ليست حلفًا استراتيجيًا أو عسكريًا بالضرورة، و هو غير موجّه ضدّ أي طرف ثالث، و الأهم من هذا أنّه لا يشكّل تهديدًا لأي طرف خارجي. و قد أوضح الصينيون لطمأنة غيرهم، أنّ علاقاتهم مع روسيا هي "علاقات تعاون استراتيجية" و ليست "شراكة أو تحالف استراتيجي".

على الصعيد الروسي الداخلي، لا تزال فئة روسية غير مقتنعة بشراكة استراتيجية مع الصين و تشير إلى خطر العلاقات معها وتتناولها بمصطلحات عدائية مثل "الغزو السكاني الصيني"، أو "الاختراق الاقتصادي الصيني"، أو "تحدّي عسكري"، أو "تعارض جيو-استراتيجي"، لكنّ الأغلبية ما زالت ترى أنّ الصين شريك مهم جدًا و يمكن الاعتماد عليه، و أنّ الأولوية في سياسة روسيا الخارجية يجب أن تكون لصالح تنمية العلاقة معها و تقويتها.

على الجانب الصيني، يشكّك البعض بقدرة معاهدة الصداقة و التعاون الأخيرة، و هي الثالثة مع روسيا بعد الحرب العالمية الثانية، على تقديم شيء جديد للصين، على اعتبار أنّ جميع المعاهدات السابقة أدّت إلى خسارة الصين جزء من مناطقها المتنازع عليها مع روسيا و لم تفد الطرف الصيني كثيرًا خاصّة أنّ روسيا كانت و لا تزال تبيع الهند أنظمة تسلّح أكثر حداثة و تطوّرًا ممّا تقدّمه للصين نفسها و هو ما يعتبره العديد من الخبراء الصينيين إستغلالاً روسيًا في دعم الهند ضدّ الصين.

و يرى جزء آخر من الصينيين أنّه يجب التركيز على الاقتصاد و التنمية في العلاقة مع روسيا و عدم الانجرار وراء علاقات عسكرية قد تثير المشاكل. و يقول الصحفي الاقتصادي (جيم رهود) الكاتب في مجلة الإيكونوميست أن الصين لو استمرت بمنهج التنمية الحالي فإنها ستصبح العام 2025 أكبر دولة إقتصادية، حيث سيبلغ حجم اقتصادها ما يعادل مرّة ونصفًا إقتصاد الولايات المتحدة، وما بين 75 إلى 80 في المئة من إجمالي إقتصاد أوروبا واليابان. 
إن المتابعة المتأمّلة لإنجازات الصين الاقتصادية والسياسية والتحليل العلمي لمراكز الدراسات الصينية التي أنشئت حديثًا في بعض الجامعات البريطانية، تبيّن أن ذلك المارد الصيني سيظل ساكنًا إلى أن تكمل الصين خطط التطوير السياسي والاقتصادي بما يتماشى مع متطلّبات العصر، مع تحديث مستمر لقواتها المسلحة وتزويدها المعدات الإلكترونية الحديثة بشرط أن تتوافر ثلاثة شروط أساسية للصين، وهي: (8)
أولا: المحافظة على الاستقرار السياسي الداخلي فيها. 
ثانيًا: إستمرار نموّها الاقتصادي الذي بدأته منذ سنوات قليلة. 
ثالثًا: ألاّ يشغلها عن عملية النمو الاقتصادي والبناء السياسي أية أحداث أخرى مهما كانت كبيرة مثل غزو جزيرة تايوان أو إقحامها في منافسة دولية أو المشاركة في عمليّات عسكرية إقليمية. 
ومن الأمانة القول بأن تناول أوضاع الصين بصورة موضوعية لا يعني أن كل شيء رائع هناك. 
فالحقيقة الواقعية تكشف أن الصين تعجّ بمشاكلها الداخلية والأزمات منها ضرورة تقليص زيادة جديدة في المواليد وأزمة غذائية وبطالة في بعض المقاطعات تصل إلى ما بين 60 ـ 80% من عدد القادرين على العمل، كما تتردّد بين حين وآخر حركات إنفصالية في مقاطعات كثيرة إضافة إلى وجود بيروقراطية حزبية وحكومية وتقنين الديمقراطية بمقاييس «العطارين» الصينيين.

* العلاقات الاقتصادية الصينية-الروسية:
أولا: العلاقات التجارية
تعتبر روسيا شريكًا تجاريًا قويًا للصين و هي تحتلّ دائمًا موقعًا بين الشركاء العشر الأوائل لها و احتلّت سنة 2005 المرتبة التاسعة بعد أميركا، اليابان، هونغ كونغ، كوريا الجنوبية، تايوان، ألمانيا، ماليزيا و سنغافورة. و تعتبر روسيا المصدّر الأوّل للأخشاب إلى الصين 64،7% من جميع واردات الصين من الخشب، المخصّبات 47،5%، المأكولات البحرية 44،5%، النفط 8،75%، معادن حديدية 13،9%. أمّا بالنسبة إلى الصين، فتكاد صادراتها إلى روسيا تنحصر بالمواد والسلع الاستهلاكية، فيما تطمح روسيا في أن تزيد الصين من استثماراتها المباشرة في اقتصادها والتي بلغت العام 2004 حوالي 5% من حجم الاستثمارات الصينية الخارجية الكلية حيث تأمل الصين في أن تبلغ هذه الاستثمارات العام 2020 في الاقتصاد الروسي الـ12 مليار دولار.(10)

العام 2000، عرفت التجارة الثنائية بين الطرفين أرقامًا قياسية ببلوغها 8 مليارات دولار و لكنها تشكّل 1،7% فقط من حجم التجارة الصينية. و يعدّ هذا الرقم متواضعًا جدًا مقارنة بحجم التجارة الصينية مع أميركا و البالغ 115 مليار دولار في ذلك الوقت. العام 2001 إرتفع حجم التجارة الصينية- الروسية ليبلغ 10،67 مليار دولار ثمّ 12 مليار دولار في العام 2002. لكنّ هذا المبلغ يبقى متواضعًا مقارنة مع حجم التجارة الصينية-الأميركية على سبيل المثال.
على العموم، التعاون الاقتصادي المشترك في نموّ متزايد، على الرغم من أنّ روسيا تعهّدت بتطوير علاقاتها الاقتصادية مع آسيا و المحيط الهادئ، إلاّ أنّ الأرقام المتوافرة لا تزال تشير إلى ضعف هذا التوجّه مع حيازة أوروبا: حوالي 40% من  حصّة التجارة الروسية مع الخارج، وعلى التوالي 22.2% و 16.5% من صادرات دول الكومنولث ووارداتها على التوالي، 5،9% و 3،3% من صادرات  الولايات المتّحدة ووارداتها على التوالي، و4،5%5 و 2،5% حصّة الصين فقط، 3،5% و 2،9% من حصّة اليابان.

و قد تكثّفت العلاقات الاقتصادية بين البلدين في العام 2004و بلغت حوالي 21،2 مليار دولار بزيادة نسبتها 35% عن السنة السابقة لها، فيما بلغت في الفصل الأول من العام 2005 حوالي 5،4 مليار دولار بزيادة نسبتها 23،1% عن الفترة نفسها من السنة السابقة. و قد نمت الصادرات الروسية لعام 2004 بنسبة 24،7% عن السنة السابقة لها التي حقّقت نموًا يبلغ 15،7% ، و قد بلغ الحجم الكلّي للصادرات الروسية 12،1 مليار دولار عام 2004. و بالمثل، فقد ازدادت الصادرات الصينية لروسية بنسبة 50،9% عن الفترة نفسها لتبلغ 9،1 مليار دولار، فيما سجّلت أرقام الربع الأول من العام 2005 زيادة في صادرات كلا البلدين: الروسية إلى الصين بنسبة 19،3% لتبلغ 3،27 مليار دولار، و الصينية إلى روسيا بنسبة 22،9% لتبلغ 2،13 مليار دولار.(11)

ثانيا: المصالح النفطية

و من هنا،  لا تزال العلاقات الاقتصادية الصينية-الروسية تشكّل بوّابة واعدة لتقوية العلاقات و الاستثمارات المشتركة لا سيّما في القطاع النفطي و قطاع الطاقة بشكل عام.
لقد اضطلعت الطاقة الروسية بدور كبير و مهم في تنمية العلاقات الثنائية السياسية و الاقتصادية الصينية-الروسية وتطويرها منذ العام 1996 و بشكل متزايد. و منذ زيارة الرئيس الصيني يانج زيمين لروسيا العام 2000 و العلاقات في مجال الطاقة تتسارع و تكبر. فقد وقّعت شركات النفط في الجهتين إتفاقًا ضخمًا  العام 2001 يهدف إلى إنشاء أنبوب نفطي طوله 2400 كيلومتر مع قدرة على نقل ما بين 25 و 30 مليون برميل سنويًا. و عند إتمام هذا الخط الذي تبلغ كلفته ما بين 2،5 و 3 مليار دولار تقريبًا، سيكون قادرًا على تزويد الصين 700 مليون طن من النفط الروسي خلال 25 سنة.(12) و يمتد هذا الانبوب من منطقة الشرق الأقصى الروسية إلى موانئ الشمال الصينية تتنافس عليه اليابان أيضًا التي اقترحت مسارًا آخر له بطول 4100 كيلو متر و بكلفة تبلغ 4 أضعاف كلفة الخط الصيني المقترح سابقًا.

وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) إلى أن الصين ستحصل عبر هذا الأنبوب في حال إنجازه بشكل كامل على مليون برميل يوميًا من حقول أناغارسكز وقبل أن تحدث أزمة شركة يوكوس الروسية كانت شركة (CNPC) الصينية وقّعت معها في حزيران 2003 مذكّرة تفاهم حول المشروع، و اقترح بوتين فيما بعدإعطاء الصينيين حصّة في الشركة التي تنتج 1% من نفط العالم الخام، و كان بوتين يأمل بذلك أن يعيد النفط تسخين العلاقات الصينية-الروسية الباردة تاريخيًا.

لكنّ العام 2003 شهد أيضًا تطوّر بعض المشاكل في العلاقات الثنائية و ذلك نتيجة تجميد مشروع خط أنابيب نقل النفط الخام من روسيا إلى الصين المعروف اختصارًا بإسم خط (إن دي)، وهما الحرفان الأوّلان للمدينة الروسية التي سينطلق منها الخط، والمدينة الصينية التي سيصب فيها. والواقع أن روسيا هي التي بادرت في تشرين الثاني نوفمبر 1994 بطرح هذا المشروع حيث وقّعت إتفاقية بين الحكومتين في هذا الصدد في تموز يوليو و أيلول سبتمبر العام 2001.

وفى بداية كانون الأول ديسمبر العام 2002 أعلنت الحكومة الصينية أنها انتهت من دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع وخاطبت الجانب الروسي خطيًا بالموافقة عليه. وفي مايو العام 2003 قامت المؤسّسة الصينية للنفط والغاز الطبيعي وشركة يوكوس الروسية للنفط بالتوقيع على الاتفاقية العامة للمشروع والمشار إليها سابقًا . إلا أن الحكومة الروسية قامت فجأة، وبعد شهر من توقيع الاتفاقية، بتغيير رأيها، مفضّلة التعاون مع اليابان أولاً في المشروع  بدلاً من الصين عبر مد خط أنابيب أطلق عليه اختصارًا خط (إن إن) وهو ما أدّى إلى تجنيب مشروع خط (إن دي) ومنذ ذلك الحين لم يتّخذ بشأنه خطوة واحدة إلى الأمام على الرغم من الوعود كافة الصادرة عن الجانب الروسي بالتزام تشييده.(13)

و قد قامت الصين بالضغط على روسيا من أجل الحصول على أنبوب النفط هذا وذلك خلال القمّة التي عقدها هو جنتاو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 15 تشرين الأول 2004 حيث طالبت الصين بالحصول على صفقة خط الأنابيب من أجل زيادة إمداداتها من النفط. وقال مجلس التجارة الصيني الروسي والذي تتمتّع فيه بكين بتأثير كبير إن الصين "مهتمّة جدًا" بالحصول على الصفقة، حيث عرض رئيس الوزراء الصيني وين جياباو إستثمار 12 مليار دولار في قطاع الطاقة الروسي خلال المباحثات التي أجراها في موسكو، وبعد أزمة يوكوس ربما سيكون البديل المتاح أن تقوم شركة ترانسنفت الروسية بنقل النفط السيبيري إلى ميناء ناخودكا الروسي على المحيط الهادئ، ومنه بالناقلات البحرية إلى الموانئ الصينية المجاورة.

و من المتوقّع أن يزيد هذا الأنبوب النفطي من حجم التجارة المتبادلة بين الصين و روسيا بنسبة 50% عمّا هي عليه الآن.
وإضافة إلى النفط، ما زالت مشاريع نقل الغاز الطبيعي من سيبيريا عند مدينة أركوتسوك تنتظر تدبير 12 مليار دولار لمدّ أنبوب للغاز، وستحصل الصين حين إتمامه على ملياري قدم مكعّب يوميًا. 
وعلى الرغم من أن الصين حريصة على إتمام تلك المشاريع وتظهر جدية في التعاون مع روسيا مشترطة ألاّ تزاحمها اليابان في حصّة من التصدير، فإنها لا تضع ثقلها كله على المصدر الروسي.

فمن الصعب أن ينسى القادة الصينيون تلك الأزمة الحادة التي شهدتها الصناعة الصينية في أعقاب توتّر العلاقات بين موسكو وبكين في الستينات من القرن العشرين، حينما سحبت روسيا مهندسيها من المصافي والحقول النفطية والمصانع الصينية وهو ما أصاب البلاد بضربة موجعة، ولهذا فهم يعملون على تأمين مصادر تمويل نفطية وغازية أخرى و أن لا يكون اعتمادها على روسيا كلّيًا في هذا الاطار كي لا يهدّد أمنها القومي، و لأسباب عملية أخرى منها:(14)
 أولاً: إن الجانب الروسي لم يغيّر رأيه إلا نتيجة لتعارض المصالح بين التكتّلات الاقتصادية الكبرى وانعكاسات ذلك على مؤسّسات صنع القرار السياسي داخل روسيا. وفى مجال تنمية موارد الطاقة يبدو الصراع محتدمًا للغاية ومؤسّسات القطاع العام ممثّلة في شركة إنتاج النفط والغاز الطبيعي وبين مؤسّسات القطاع الخاص ممثّلة في شركة يوكوس وامتدّت نيران ذلك الصراع لتشمل المشروعين المذكورين (إن دي) الصيني و (إن إن) الياباني.

ثانيًا: ليست العلاقات الصينية الروسية، على الرغم من تميّزها إستثناءً من علاقات الصين بدول العالم الكبرى حيث المصالح الذاتية فوق كل اعتبار.. وانطلاقًا من هذا المفهوم يتعيّن على الصين مراقبة العواصف والمتاعب والتقلّبات بهدوء شديد من دون الاكتفاء بمقولة استحالة تفريط روسيا بالسوق الصيني النفطي باعتباره من أكبر أسواق النفط العالمية والمسارعة باتخاذ خطوات حاسمة لإعادة صياغة إستراتيجية نفطية شاملة ترتكز على محاور تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز التعاون مع دول آسيا الوسطى وإيجاد موارد طاقة بديلة، وتكثيف الاستثمارات في مشاريع التنقيب عن النفط خارج الأراضي الصينية.

ثالثًًا: إن النفط عامل مؤثًر في رسم الاستراتيجيات العالمية للدول الكبرى ولم يكن هناك سلاح أقوى من سلاح النفط منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. لقد كان الشرارة الوحيدة التي أشعلت لهيب الصراعات العسكرية، ومع توالي الحروب في منطقة الشرق الأوسط وآخرها حرب العراق، إتجهت الأبصار صوب نفط بحر الشمال الأمر الذي أتاح لروسيا الغنية بمواردها النفطية فرصة ممارسة دبلوماسية النفط داخل دائرة يتّسع نطاقها لتشمل اليابان وكوريا الجنوبية شرقًا والصين جنوبًا والاتحاد الأوروبي غربًا وصولاً إلى الولايات المتحدة، وهي في هذا كله تسعى إلى تحقيق أقصى حد ممكن من مصالحها الذاتية. هذا التوجّه لا يمكن لأحد أن ينكره على روسيا فيما يبقى على الصين أن تعيه جيدًا وتتقبّله لاستحالة تغييره وتتعامل معه بما لا يناقض مصالحها.


* العلاقات العسكرية الصينية-الروسية
النفوذ الأميركي في مناطق روسيا المتخمة يزعج القوميين الروس كثيرًا، فروسيا لن تقاتل دفاعًا عن الصين و لكنها تأمل أن تنفع أسلحتها و تقنياتها العسكرية المباعة إلى الصين في الحد من النفوذ الأميركي في المنطقة وأن تدعم إمكان قيام عالم متعدّد القطب.(15)

أولا: مبيعات الأسلحة الروسية إلى الصين
حتى فترة الثمانينات كانت المبيعات الروسية العسكرية للصين تكاد لا تذكر لصغر حجمها. أمّا اليوم، فتعد الصين المصدر الاول لصادرات الأسلحة الروسية و التي تستأثر لوحدها بحوالي 45% من صادرات السلاح الروسي إلى الخارج.
و منذ انهيار الاتّحاد السوفياتي، قامت الصين بصرف مليارات الدولارات لشراء طائرات نفّاثة، صورايخ، غواصات ، و كاسحات ألغام من روسيا. ما أدّى هذا إلى أن تصبح المخلّص الأول لصناعة السلاح الروسية التي كانت تعاني منذ انهيار الاتّحاد السوفياتي.
ففي عهد بوريس يلتسين، إعتمد الكرملين تصدير الأسلحة الروسية للصين كأساس ثابت في سياسة تصدير السلاح. ووفقا للتقديرات المتوافرة، كانت مشتريات الصين من السلاح الروسي تراوح بين المليار و المليارين سنويًا من العام 1992 و حتى العام 1999.
و قد ارتفعت أرقام المبيعات الروسية من السلاح إلى الصين بعد وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى سدّة الرئاسة العام 2000. و قد زار بوتين الصين في تموز من العام 2000 و توّج زيارته هذه لبكين بتوقيع إتفاق استراتيجي حول "التعاون التكنولوجي المتعلّق بالقضايا العسكرية" كجزء من الخطّة المشتركة لتعميق العلاقات الاستراتيجية الصينية-الروسية و الشراكة و التعاون وتنميتها.
بطبيعة الحال، تستفيد روسيا كثيرًا من الطلب الصيني على الأسلحة و التكنولوجيا الروسية، ولكنّ الصين مستفيدة و بشكل أكبر أيضًا، و ذلك من خلال حصولها على التقنيات العسكرية الروسية المتطوّرة و التي تفتقد هي إليها خاصّة في الغواصات و المدمّرات و الأسلحة الدقيقة.

و قد استفادت الصين من تجارة السلاح الروسية فعملت خلال السنوات الأخيرة على تنمية طائراتها و مطاراتها و بحريّتها و قدراتها الحربية و العسكرية و تطويرها بشكل كبير. و تعليقًا على ذلك، يقول بعض الخبراء في وصف العلاقات العسكرية الصينية-الروسية، إنّ روسيا أصبحت القاعدة اللوجستية لحاجيات الصين العسكرية.

و منذ اصطدام طائرة التجسّس الأميركية بالمقاتلة الحربية الصينية في نيسان العام 2001، و الأنظار كلّها تتّجه إلى قدرات الصين العسكرية المتنامية، و إلى العلاقات العسكرية و التكنولوجية الصينية-الروسية في السنوات الاخيرة. فمنذ العام 1995 و حتى العام 2002 و تعتبر الصين المستورد الأول للأسلحة في العالم بمبلغ 17،8 مليار دولار، و منذ العام 2002 و تعتبر الصين المشتري الاول للأسحلة التقليدية في العالم بمبلغ 3،6 مليار دولار سنويًا. (16)
و بطبيعة الحال، يأتي معظم مشتريات الصين ووارداتها من الاسلحة و التكنولوجيا من روسيا، و لذلك نلاحظ عددًا من النقاط المثارة دومًا حول هذه المسألة و منها:(17)
1- إنّ الصين مهتمّة بشكل أساسي و رئيسي بانظمة الأسلحة، نقل التكنولوجيا، و التخصّص في الليزر، حروب الغواصات، الدفاع الجوي، و تكنولوجيا الصورايخ.

2- تصر روسيا دومًا على أن تكون مشتريات الصين العسكرية منها بأسعار عادية من دون  أي مراعاة أو دفعات كثيرة، فيما تصرّ الصين على ضرورة تخفيض ثمن السلاح لتستفيد من احتياطياتها بالعملة الصعبة في أمور أخرى و ليتسنى لها الوقت أيضًا لتأخذ رخصة تصنيع هذه الاسلحة محليًا من روسيا.
3- يلوم الصينيون الروس دومًا على نوعية السلاح الذي يحصلون عليه و على كون روسيا تبيع غيرهم من الدول أسلحة و أنظمة تكنولوجية متطوّرة كالهند مثلاً، لذلك ستركّز الصين من الآن و صاعدًا على نوعية التكنولوجيا المصاحبة لأسلحتها المستوردة من روسيا و ليس على الكميّة كما كان الأمر سابقًا.

4- هناك نقاش في روسيا على أنّ تجارة الأسلحة مع الصين تتمّ وفق أسس نفعية و مصلحية آنية فيما يعتبر آخرون أنّه لماذا على روسيا أن تقيّد من مبيعات أسلحتها للصين أو غيرها و هي في أشد الحاجة إلى العملة الصعبة لإحياء اقتصادها و صناعتها العسكرية المتهالكة، و يبرّرون موقف الغرب تجاه حظر أوروبا و أميركا بيع الأسلحة و التكنولوجيا للصين بأّنه يتمّ وفق معايير مزدوجة و مصلحية تعود بالنفع عليهم و خوفًا من مواجهة الصين لهم، و مثل هذه المخاوف غير موجودة لدى روسيا و لا يجب الإلتزام بها و بالتالي يجب الإبقاء على بيع السلاح الروسي و نقل التكنولوجيا للصين و لكن ليس لدرجة يتهدّد معها الأمن القومي الروسي نفسه عبر الأسلحة الروسية.
5- يعتقد الخبراء أنّ مبيعات الأسلحة الروسية للصين ستخلّ بميزان القوى في منطقة شرق آسيا لصالح الصين من الآن و صاعدًا، و يبرّرون ذلك بأنّ الخطر الاساس لا يكمن في الأسلحة تفسها بل في التكنولوجيا الروسية و التي يتمّ نقلها إلى الصين بطريقة غير شرعية بالإضافة إلى انتقال العديد من العلماء و التقنيين الروس في مجال تطوير الليزر و الرؤوس النووية، و الغوّاصات الحربية و أسلحة الفضاء و المقدّر عددهم بين 2000 و 4000 شخص للعمل في مراكز الأبحاث الصينية.

6- وجود معضلة صينية تكمن في بيع الروس أنظمة صورايخ و دفاع أكثر تطوّرًا للهند التي يرى البعض أنّه يتم دفعها للوقوف في وجه الصين. و يبرّر بعض الخبراء الروس ذلك بأنه ليس لديهم أيّة مخاوف استراتيجية من الهند كونه لا توجد حدود مشتركة معها بالإضافة إلى أنّ الهنود ملتزمون مع الروس سياسيًا منذ فترة طويلة و هناك ثقة متبادلة بينهم.

* خلاصة:
على الرغم من قوّة العلاقات و الروابط الصينية-الروسية كما رأينا إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّ هذه العلاقات قد لا تمرّ بحالات عصيبة إثر خلافات على نقاط معينة، و لذلك فمستقبل العلاقات الصينية-الروسية يقوم على نقاط عديدة، منها ما يلتقي و منها ما يتعارض معه.
* أين تلتقي المصالح الصينية-الروسية؟
تلتقي المصالح الصينية-الروسية على خمس نقاط أساسية تأتي في مقدّم جدول أعمالهم المشترك بشكل دائم، و يتم تكرارها و التأكيد عليها كلما سنحت الفرصة لذلك، و هذه النقاط الخمس هي:
أوّلًا: إنّ الطرفين يرغبان في تدعيم قوّتهم مقابل الولايات المتّحدة الأميركية، سواءً من القيادة الروسية التي تعرف أنها في موقف أضعف مما كان عليه الاتحاد السوفياتي، أو من قبل القيادة الصينية التي ترى أنّها مؤهّلة لأن تكون القوّة العظمى فيما بعد.
ثانيًا: إنّ كلا الطرفين قلقان جدًا من مسألة عدم الاستقرار و مستعدان للجوء إلى إجراءات سلطوية في الداخل والخارج من أجل تثبيت سلطتهم. فعلى الصعيد الداخلي،  يواجه الطرفان مشكلة في التعامل مع الاقليات. أما على الصعيد الخارجي، فكلا الطرفين يرفضان التدخّل الخارجي في آسيا الوسطى و يخشيان من سقوط هذه المنطقة في النفوذ الغربي.
ثالثًا: إنّ كلا الطرفين يرفضان المظلّة الدفاعية الصاروخية الأميركية و يخشيان من انتشار أسلحة الدمار الشامل و من استخدامها ضدّهم سواءً عبر دول أخرى أو جماعات.

* أين تختلف المصالح الصينية-الروسية؟

على الرغم من التقاء المصالح الصينية-الروسية في الكثير من النقاط إلاّ أنّ هناك العديد من النقاط التي قد تقف عائقًا في وجهة العلاقات الاستراتيجية الثنائية مستقبلاً أو تعرقل مسيرتها و منها على الأرجح النقاط التالية:

أولاً: إنّ الصين تشكّل قوّة صاعدة متزايدة يومًا بعد يوم سواءً من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية، فيما نستطيع أن نقول وفي أحسن الأحوال أن قوّة  روسيا ترواح مكانها بعد أن كانت شبه دولة إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، لكنّ جهود بوتين لإعادة القوة لروسيا على الرغم من قوتها و إيجابيتها إلاّ أنّها ينقصها الكثير لتكون في موقع الصين وهو الامر المستبعد الحصول. و من هنا فإنّ ضعف روسيا أمام الصين قد يثير حساسية العديد من الفئات الروسية و بالتالي يعرقل أو يوجد العديد من المشاكل في العلاقة مع الصين.

ثانيًا: مسألة الكثافة السكانية. فالصين تشهد كثافة سكانية عالية0في حين أنّ الكثافة السكانية الروسية مقارنة بنظيرتها الصينية صغيرة و بالتالي هناك من يرى من القوميين الروس أنّ هذه المسألة تشكّل خطرًا و تهديدًا لروسيا من باب أنّ الانفجار السكاني الصيني لا بدّ وأنّ يدفع الصين في مرحلة من المراحل إلى التمدّد الجغرافي فتكون روسيا هي الضحية.

ثالثًا: ترى روسيا نفسها على أنّها قوّةّ أوروبية في أغلب الأحيان ، فيما يعرف الصينيون أنّهم ليسوا كذلك وأنّ آسيا منطقة نفوذهم الاستراتيجي و نطاقهم الحيوي، و هذا بطبيعة الحال سيحد من تحرّك روسيا كقوة في اسيا و لن يكون لها موقع مميّز في الوقت نفسه في أوروبا و هو ما سيثير حفيظة الروس على الأغلب و يلقون باللوم على الصينيين.

رابعًا: الإعتراض الصيني على دعم روسيا العسكري للهند وتزويدها أحدث التقنيات العسكرية و أنظمة الدفاع خاصّة أنّ الصين ترى بأنّ بعض القوى الراغبة في عرقلة مسيرتها يريد أن يدعم الهند لتصبح قوة آسيوية موازية للصين و بالتالي يقف في وجهها و يحدّ من قدراتها، و لا شكّ أنّ المسعى الروسي في هذا الاتجاه سيصطدم بالانزعاج الكبير للصينيين.

و في كل الأحوال تبقى العلاقات الصينية-الروسية خطوة مهمّة و مطلوبة في عالم الأحادية القطبية السائد حاليًا ، و ذلك لكسر السيطرة و الهيمنة الأميركية على العالم، و هي بلا شك خطوة مهمّة في تعجيل ولادة عالم متعدّد القطب.

المراجع العربية:
1- موقع إذاعة الصين الدولية على الرابط التالي:  http://ar.chinabroadcast.cn
2- جريدة البيان الاماراتية، عدد 24 آب 2001.
3-  موقع وزارة الخارجية الصينية على الرابط التالي:http://www.fmprc.gov.cn/eng/wjdt/2649/t15771.htm
4- صحيفة فايننشل تايمز، عدد 25 أيلول 2003.
5- مجلة الصين اليوم، العدد4، نيسان 2004.
6- صحيفة الشعب الصينية اليومية، عدد 26 آب 2005.
7- وكالة أنباء نوفوستي الروسية، 5/1/2006.
8- مجلة كلية الملك خالد العسكرية، العدد 83، تاريخ 1-12-2005.


المراجع الأجنبية:
1- The Wounded Bear and the Rising Dragon، Frank Umbach، asia Europe journal، 2004.
2- RUSSIAN-CHINESE TRADE AND ECONOMIC CO  OPERATION: CURRENT SITUATION، PROBLEMS AND PROSPECTS،special report،NATO Parliamentary Assembly،november 2005، at this link: http://natopa.ibicenter.net/default.asp?SHORTCUT=809
3- Moscow Times، 19 July 2001.
4- Jim Wolf، Reuters، 25 September 2003.

 
علي حسين باكير/باحث في العلاقات الدولية
مجلة الدفاع الوطني العدد 84
موقع الجيش اللبناني
china-russia.jpg
china1.jpg
روسيا الصين.jpg
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages