لقراءة المزيد عن كتاب لقاء الله رسالة في السير والسلوك جواد الملكي التبريزي بدف انقر على زر التنزيل أدناه للحصول عليه مجانًا
وقد جلست معه طويلًا وتحدث إليَّ طويلًا وتحدثت إليه قليلًا وأفضى إليَّ بذات نفسه وأسمعني من قصائده العاطفية التي تفيض حبًّا وشوقًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قصيدته الشهيرة:
احملوني إلى الحبيب وروحوا ** واتركوني ببابه واستريحوا
وذكر الشيخ لي عن معاناته وآلامه في المدة الأخيرة وكيف ذهب إلى أوروبا للعلاج وكيف وجد في كل مدينة يذهب إليها إخوة ينتظرونه وقد رتبوا له كل شيء: الفندق الذي ينزل به والمستشفى الذي سيعالج فيه والطبيب الذي سيتولى فحصه والإشراف عليه وكل ما يلزمه من دقائق الأمور وجلائلها يقول: فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم وبدافع من الأخوة الإيمانية وأنا والله لا أعرفهم ولا هم من بلدي ولكنه سر الدعوة التي أزالت الحواجز بين الناس وقرّبت أهل الإيمان حتى كأنهم أسرة واحدة فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
كانت هذه هي المرة الثالثة التي ألقى فيها العلامة السباعي فقد لقيته أول مرة عندما زارنا في مدينة المحلة سنة 1953م على ما أذكر وألقى محاضرة رائعة شهدها جمهور كبير واستمر نحو ساعتين والناس مشدودون إلى المحاضر بأعينهم وعقولهم ومشاعرهم لم يبرح أحد مكانه. وقلما يحدث هذا ولا سيما لداعية غير مصري.
والمرة الثانية كانت عندما جمعني به الأستاذ الدكتور محمد البهي على حفل شاي في فندق شبرد على ما أذكر وأهداني كتابه: الاشتراكية في الإسلام والثالثة هذه المرة في رحاب المسجد النبوي الذي جعله الله مثابةً للناس وأمنًا.
وكان هذا هو اللقاء الأخير بالأخ الكبير والأستاذ الجليل وكانت أحاديثه معي كأنما هي أحاديث مودع فما هي إلا أشهر قليلة حتى اختار الله الشيخ لجواره ولحق بالملأ الأعلى راضيًا مرضيًّا إن شاء الله. أحوج ما تكون الأمة إلى مثله في علمه وفكره وإيمانه وخلقه وتوازنه ولكنها سنة الله في خلقه كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ (آل عمران:185) وكذا قال الله لخاتم رسله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (الزمر:30).
ولكن عزاءنا فيه: أن العلماء الربانيين لا يموتون تذهب أجسامهم وتبقى آثارهم في كتب تقرأ أو أشرطة تسمع أو مواقف تؤثر أو تلاميذ يعلمون الناس وبهذا يضيفون أعمارًا إلى أعمارهم فإن عملهم موصول وأثرهم لم ينقطع بالموت.
ففز بعلم تعش حيًّا به أبدًا ** الناس موتى وأهل العلم أحياء!
كان الشيخ السباعي أحد الشخصيات الإسلامية النادرة: في علمها وفكرها وفي عواطفها ومشاعرها وفي أخلاقها وسلوكها وفي دعوتها وجهادها. كان خطيبًا وسياسيًّا يهز أعواد المنابر ومحاضرًا يأسر سامعيه بعميق فكره وجميل أسلوبه ومؤلفًا متمكنًا يوثق أقواله بالأدلة العلمية وزعيمًا شعبيًّا يقود الجماهير بكياسة وحكمة... وقائدًا إسلاميًّا يقود سفينة الدعوة بوعي وصبر وثبات.
كان للشيخ السباعي عدة مؤلفات مهمة في موضوعها أصيلة في فكرتها منها: كتابه السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي وقد رد فيه على خصوم السنة قديمًا وحديثًا وفند شبهاتهم رد على المعتزلة ورد على المستشرقين وعلى أحمد أمين وعلى أبي رية وكتابه أضواء على السنة المحمدية الذي كشف زيفه وعرّاه وأسقطه مثخنًا بالجراح بالبراهين العلمية وبالرجوع إلى المصادر الموثقة لا إلى كتب الأدب والتاريخ ونحوها كما فعل أبو رية.
وقد حدثني الشيخ السباعي - كما أشرت من قبل - أن أبا رية زاره عندما جاء إلى مصر وقال له: إنه كان شديد القسوة عليه وأن ضرباته له كانت موجعة وقال الشيخ: إني لم أحُد عن المنطق العلمي قيد شعرة ولم أعتمد على مصدر تافه ولا على قول واهن السند ولا على قول أحد مطعون في علمه أو دينه. وهل تريدني أن أرفق بك وأنت لم ترفق بسنة رسول الله - بأبي هو وأمي - ولا بأصحاب رسول الله ومنهم أبو هريرة أكثر الصحابة رواية عن الرسول الكريم ولا بأئمة المسلمين المتفق على جلالتهم وفضلهم وسعة علمهم وأمانتهم هل تريد مع هذا أن أسميك شيخ الإسلام!!
ومِن كتب الشيخ المهمة والذائعة الصيت اشتراكية الإسلام وهو كتاب علمي أصيل يعتمد على الأصول الإسلامية من القرآن والحديث وقواعد الشريعة ومقاصدها وللشيخ فيه آراء عميقة واجتهادات متميزة وإن خالفها بعض مشايخ سوريا المعروفين مثل: شيخ حماة وخطيبها محمد الحامد. ومِن العلماء من لم يعترض على مضمون الكتاب إنما اعترض على العنوان وهو نسبة الاشتراكية للإسلام ورسول الإسلام لم يكن اشتراكيًّا ولا رأسماليًّا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين.
وإنما اختار الشيخ هذا العنوان حين فُتن الناس بالاشتراكية وزعم من زعم أنها هي المذهب الذي حد من طغيان الأغنياء ورفع من مستوى الفقراء ووقف في صف الكادحين أمام جشع الرأسماليين المستغلين فأراد أن يقول لهم: إن الإسلام سبق بهذه المبادئ التي تنصف الفئات الضعيفة والطبقات المسحوقة وتأخذ بأيديها وتصون حقوقها بل تشعل الحرب من أجلها حتى إن الدولة الإسلامية هي أول دولة في التاريخ تُجيِّش الجيوش وتعلن القتال من أجل انتزاع حق الفقراء من براثن الأغنياء كما قال الخليفة الأول: والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه.
وهذه المبادئ في الإسلام على أحكم وجه وأكمل صورة وأقرب شيء إلى العدل والتوازن دون غيرها من اشتراكية مادية أو ملحدة أو مجحفة بل الاشتراكية التي تقيم عدل الله في أرض الله على جميع عباد الله وهي الجديرة بأن تُنسب إلى الإسلام. فهي اشتراكية مادية روحية فردية اجتماعية اقتصادية أخلاقية إنسانية وربانية واقعية مثالية وليست مثل الاشتراكيات المقطوعة النسب بالله عز وجل.
وقد استغلت ثورة 23 يوليو في عهد عبد الناصر الكتاب وطبعت منه عشرات الألوف ترويجًا لاشتراكيتها الثورية الخاصة ولعل هذا ما أساء إلى الكتاب حيث استغل ما فيه من حق لتأييد ما عند القوم من باطل وهو ما شكا منه الشيخ في أواخر حياته غفر الله له ورحمه وتقبله في عباده الذين أنعم عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين.
ومِن كتب الشيخ المرأة بين الفقه والقانون وشرح قانون الأحوال الشخصية ومن روائع حضارتنا وهو كتاب فريد في مضمونه وفي أسلوبه وأخلاقنا الاجتماعية وغيرها من الكتب والرسائل التي أسهمت في وقتها في تثقيف الأمة وتوعيتها وتنوير عقولها ودعوتها إلى المنهج الوسط الذي لا غلو فيه ولا تفريط.
وكان من الآثار الطيبة التي تركها الشيخ مجلة حضارة الإسلام التي أسسها لتكون منبر الإسلام الحضاري الذي يدعو إليه وليس إسلام الدروشة أو الرهبنة ولا إسلام العنف والنقمة ولا إسلام التعصب والانغلاق. وإنما هو الإسلام الذي يقيم حضارة عالمية إنسانية ربانية أخلاقية تصل الأرض بالسماء والدنيا بالدين والمخلوق بخالقه.
59fb9ae87f