ـ هذه الظاهرة المزعجة تعود في تصوّري إلى عدد من الأسباب، منها:
أ ـ أن طبيعة التديّن تملي على الإنسان سلوكيات ومواقف وعلاقات قد لا تكون منسجمة مع بعض رغباته وتطلّعاته، وقد لا تكون منسجمة مع ما هو سائد في البيئة التي يعيش فيها، وكم اصطدمت رغبة الإنسان في الثراء السريع بالضوابط الشرعية في مجال اكتساب المال! وكم وجد الإنسان المسلم نفسه مطالباً بالكف عن شرب الخمر أو الزنا، وهو يعيش في مجتمع غير مسلم، ليس فيه من يجد في فعل ذلك أي حرج! وكم وجد الإنسان المسلم نفسه مطالباً بأداء الصلاة في وظيفة أو ميدان أو طائرة.. وليس إلى جواره من هو مكلف بشيء من ذلك! وهذا أحد مظاهر العبودية لله رب العالمين، هذا كله يحتاج من المسلم درجة عالية من الإيمان والوعي والشعور بالمسؤولية تجاه التكاليف الشرعية.
ب ـ المجتمع الإسلامي قائم في الرؤية الإسلامية على التكافل الأخلاقي والمادي، ونحن جميعاً نعرف مكانة النصيحة للمسلمين، ومكانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شريعتنا الغرّاء، ولهذا فإن المجتمع المسلم ـ ولاسيما في البيئات الصغيرة والضيقة ـ يراقب تصرفات أبنائه بعيني صقر؛
انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية تجاه استقامة الأفراد والقيام بواجباتهم الشرعية والاجتماعية، وهذا يدفع كثيراً من الناس إلى أن يكون لهم سلوكان، خيرهما الذي يظهر أمام الأعين، وشرُّهما الذي يفعلونه في السر، وقد لحظ بعض المؤرخين أن ظاهرة النفاق في المدينة لم تتضح إلاّ بعد غزوة بدر حيث صار للمسلمين بقيادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منعة وسلطة، أي صار هناك ضغط واضح على أولئك الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم مع أن مصالحهم مع الإيمان، ولهذا كان النفاق عبارة عن تسوية رديئة بين تحصيل المصالح والامتثال لما صار سائداً ومهيمناً في مجتمع المدينة.
ج ـ نحن اليوم نتعرض لدفق ثقافي هائل يتمحور كثير منه حول المتعة والسرور والترويح، وهذا التيار جعل الناس يتعرفون على أشكال
جديدة من (إرضاء المزاج)، كما جعلهم يطلبون المزيد منه، ونحن نلمس اليوم نوعاً غير مسبوق من الاستسلام للرغبات والسعي نحو التغيير من أجل اكتشاف المزيد من أنواع المتعة، وإن الأرقام المتعلقة بشرب الخمور وأعداد المدخنين والمتناولين للمخدرات و(القات) والأرقام المتعلقة بالتصدع الأسري والطلاق والانتحار… إن الأرقام المتعلقة بكل ذلك في تصاعد مستمر مما يدلّ على أن هوة سحيقة باتت تفصل بين متطلبات الإيمان بالله ـ تعالى ـ والتصديق بكتابه،