نجم هوى لكنه ساطع: محمود صالح عثمان صالح .. بقلم: بروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه
السبت, 15 تشرين2/نوفمبر 2014 21:11
drf...@hotmail.com
نجم هوى لكنه ساطع: محمود صالح عثمان صالح (1939 - 2014) بقلم بروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه
وما كان "محمود" هُلْكُ واحدٍ، ولكنّـه بُنيانُ قومٍ تهدّمـا. نعى الناعي محمود صالح عثمان صالح الذي وافاه الأجل المحتوم صبيحة اليوم السبت 15/11/2014 بلندن. فجزعت النفس عندما جاء الخبر لأن موت محمود موت أمة وفقده جلل على الصعيدين الوطني والإقليمي والعالمي ووقعه أليم على أصدقائه. فمحمود واسع الإسهام ودائم البصمات وذائع الصيت بعمل الخير والبر والإحسان وفي سيرته هذه ما يصبر على فقده الجلل.
محمود حفيد العصامي عثمان صالح الذي وضع بصماته على اقتصاد السودان بإيجاد رأسمالية وطنية نظيفة وتربية وتعليم جيل من الأبناء والأحفاد من الدراية والمعرفة يحملون الراية من بعده. رأسمالية صمدت أمام سياسات النظام المايوي التعسفية من تأميم ومصادرة وتدهور في الاقتصاد السوداني.
نهل عزيزنا الراحل محمود من علم الاقتصاد وتشرب به في جامعة بريستول ببريطانيا وقرر توظيف ماله بذكاء لخدمة العلم والثقافة في السودان فهو بذلك من الخيرين القلائل الذين يلتفتون لأمر العلم والثقافة. فقد أسهم محمود صالح إسهاما رائعاً باقي الأثر في مجالات متعددة. فهو منشئ وراعي مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي الذي تأسس عام 1998 ويحمل اسم الأديب الدبلوماسي الراحل عبد الكريم ميرغني وتخليداً لذكراه. وسرعان ما تتطور المركز تطوراً ملأ فراغ الجدب الثقافي الذي تعيشه بلادنا. فقد برز المركز في زمن جف فيه ضرع ومعين الثقافة والأدب ، وصار في فترة وجيزة منارة مشعة لنشر الأدب السوداني والثقافة السودانية، وأصبح قبلة للباحثين وجيل الشباب المتعطش للثقافة والمعرفة. كما أعان محمود الباحثين والكتاب بنشر مؤلفاتهم وترجماتهم وأصبح مركز عبد الكريم ميرغني ناشراً لمؤلفات كثير ممن خانهم المال ولكنهم وجدوا في محمود والمركز ضالتهم. وأصبحت للمركز مكتبة للكبار والصغار. وقد حرص محمود منذ البداية أن تكون للمركز سمعة محلية وإقليمية وعالمية.
أدرك محمود إدراك المثقف المولع بالمعرفة أن المركز سوف لن يكتب له النجاح ما لم تصاحبه حركة نشر دائبة واعية ترفد المكتبة السودانية بالغالي والنفيس والمفيد من الإصدارات. وأصدر المركز منذ تأسيسه وحتى الآن عشرات الكتب ضمن منشورات المركز الدورية التي اشتملت على قائمة طويلة وإصدارات أخرى وثقت لعدد من رموز الثقافة السودانية وروادها الأوائل.وتجمع وتحفظ وتوثق للتراث السوداني. وأصبح المركز كما يوصفه المؤرخ الموسوعي المقتدر ، الصديق لمحمود، أحمد إبراهيم أبو شوك، "منبر الثقافة الرئيس للقُراء السودانيين في الوطن وفي أقطار الشتات"..
حرر محمود "الوثائق البريطانية عن السودان 1940 – 1956" وهي ترجمة إلى العربية لمجموعة من الوثائق تم انتقاؤها بعناية من بين خضم من الوثائق البريطانية عن السودان المحفوظة بدار الوثائق العامة بلندن واختار محمود لترجمتها نخبة من الأكاديميين. وأصبحت هذه الوثائق قبلة للطلاب والباحثين في تاريخ السودان الحديث فقد أعانتهم الترجمة في زمن التدهور المريع في مستوى اللغة الإنجليزية. ويواصل محمود مجهوده في مسيرة الترجمة ويختار بعناية ودقة المادة المراد ترجمتها فيختار للترجمة "آراء وأفكار من الخرطوم" وهو مجموعة محاضرات قيمة ألقيت في دار الثقافة بالخرطوم في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين حررها السير دونالد هولي . وترجم محمود بنفسه كتاب "السودان" من تأليف هارولد ماكمايكل وكتاب هندرسون عن حياة دوقلاس نيوبولد السكرتير الإداري لحكومة السودان 1939 – 1945.
إن علاقة محمود بالكتاب والمكتبة تبرزها مكتبته الضخمة المحفوظة الآن بجامعة بيرقن بالنرويج وتضم حوالي ألفي كتاب وصور ومخطوطات ولوحات نفيسة نادرة ومهمة في تاريخ السودان يرجع تاريخ بعضها إلى القرن الثامن عشر. اشترى محمود من ماله هذه المجموعة الضخمة من الكتب عن السودان في شتى التخصصات والمجالات. مَنْ مِنْ الموسرين في بلادي وظف ماله لهذا الغرض؟ بهرت هذه المكتبة علماء جامعة بيرقن ممثلين في مديرها وأساتذتها وجعلتهم ينظرون إلى محمود بإعجاب ويجلونه ويقدرونه. ومكتبة محمود مصدر غني بالمعلومات للعلماء النرويجيين المتخصصين في مجال تاريخ السودان وآثار السودان وأنثروبولجية السودان وجغرافية السودان، وللسودانيين الباحثين ببيرقن ولمجموعة السودانيين الذين انضموا إلى برنامج أبحاث حوض النيل في أوقات مختلفة والذين كنت واحدة منهم وكنا نشعر بزهو وفخر عندما نشهد زملاءنا من دول حوض النيل الأخرى يهرعون إلى المكتبة يبحثون فيها. تلك المكتبة التي كان محمود يبحث عن السبل الكفيلة بنقلها إلى السودان بصورة ووجه يحفظها من التلف والدمار لتكون في متناول يد الباحثين السودانيين. وكانت فكرة الراحل محمود على حد قوله "نقل جميع المجموعة إلى السودان بعد تأمين منزل مناسب لها. لكن وبعد خمس سنوات من البحث غير المثمر ووعود جوفاء من السلطات هناك قررت بدلاً عن ذلك تسليف المجموعة لجامعة تعطي مقررات في الدراسات السودانية لأجل أن يستفيد منها أكبر عدد من العلماء بقدر الإمكان أحسن من أن تبقى قابعة في صناديق في مستودع في إنجلترا".
قد أتاحت فرصة وجود المكتبة ببيرقن سانحة لمحمود للتعرف على الباحثين السودانيين والنروجيين المولعين بتاريخ السودان وحضارته وآثاره كما كانت فرصة لهم حيث يشملهم محمود برعايته وعطفه. وكما تذكر أستاذة الآثار بروفيسور راندي هالاند "مجموعة محمود صالح مصدر رائع. إنه لشعور خالص بالفرح عندما تذهب إلى هناك. محمود رجل أعمال وخير وعالمي بحق وحقيقة. موجود في السودان وخارج السودان. محمود فخور بجميع الأشياء التي كتبت عن وطنه، ولذلك انشغل بجمع التراث الأدبي للسودان. نحن ممتنون جداً لنفع المجموعة، وبالتأكيد فإنها ستدفع الناس لزيارة بيرقن لمشاهدة إرث السودان الأدبي". مكتبة محمود في بيرقن تماثل مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي والاثنين مثالاً رائعاً لأريحية محمود وكرمه العلمي.
ومما لا شك فيه أن اعتداد محمود بهويته السودانية جعله يقدم على جمع مجموعة من أجود المجموعات في العالم لأعمال تتعلق بالسودان. ويمثل ذلك نجاحاً منقطع النظير فالالتزام الصارم بتلك الهوية كان محمود ينفذه على جميع الأصعدة على الصعيد الأسري سواء كان أسرته الصغيرة أو الممتدة وعلى الصعيد الاجتماعي وفوق هذا وذاك ذلك على الصعيد الوطني والعالمي. حيث يريد أن يدفع إلى الأمام الحضارة والعلم في بلده الذي يحبه ونقل ذلك إلى بلاد العالم المتحضر. وحيث ينقل لهم صفات سودانية خالصة يحرص محمود كل الحرص على الإبقاء عليها في وقت نفتقدها فيه كثيرا. محمود كما وصفه أهل الشمال في بيرقن شخص كريم بصدق في كلا الأمرين عندما يكون الأمر تقاسم معرفته المتراكمة عن السودان أو كرمه الذي لا تحده حدود.
دفع إعجاب العلماء النرويجيون بجامعة بيرقن بمحمود وصفاته وملكاته أن يهدوا له في عيد ميلاده السبعين كتاب "وصل الجنوب بالشمال دراسات سودانية من بيرقن " وهو مجموعة مقالات علمية في تخصصات مختلفة، تشرفت بترجمته إلى العربية. وقد أعد هذا الكتاب أصدقاء محمود في الشمال البعيد رمزاً وتقديراً لرجل من الجنوب أحبوه وعاشروه. لقد أسرهم محمود بشخصيته الطيبة البسيطة ولطف معشره. وهم إن ذكروه بهذا الكتاب فلنذكر نحن محمود ببعض مما جاد به تراثنا الشعبي في وصف أمثاله فهو "عشا البايتات القوى" "أخو الأخوان والأخوات" "الوافر ضراعو". " محمود قبيلة وسط قبيلة فهو الشمري حاتم الطائي (وحاتم لجميله حافظ). وقد انتبهت جامعة الخرطوم أم الجامعات مبكراً لإسهامات محمود عندما منحته الدكتوراه الفخرية عام 2005 عرفاناً بما أسداه من خدمة جليلة للثقافة. كما منحه رئيس الجمهورية عام 2010 وسام نوط الجدارة والأدب.
انتبه محمود العاشق للأدب والفكر ومركز عبد الكريم ميرغني الثقافي إلى رعاية أدب الطيب صالح "الكتاب الشامل" كما يصف محمود الطيب. علاقة محمود بالطيب وحتى رحيله علاقة صداقة ومودة عميقة لم تخالطها شوائب وصغائر فاهتمامات كليهما أكبر من ذلك. أخلص محمود للطيب حياً وميتاً دون "المتاجرة" بالطيب صالح. فقد كان الصديق والخل الوفي لأديبنا الراحل. ويرعى المركز جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي وقد اختار أديبنا الراحل الطيب صالح المركز ليكون مقراً لجائزته التي يتنافس عليها سنوياً مجموعة من الروائيين السودانيين. كما أهدى الطيب مكتبته الخاصة الضخمة والفخمة والدسمة لمركز عبد الكريم ميرغني الثقافي. وأصدر المركز مختارات الطيب صالح في عشرة أجزاء تبدأ "بمنسي" وينتهي جزءها العاشر "بمقدمات" يجد فيها القارئ متعة وثقافة وتثقيفاً كما يذكر شاعرنا الموهوب الراحل سيد أحمد الحاردلو. وفي مجال الفرص التي تتيحها زيارات محمود لبيرقن كانت واحدة من إشراقاته أن أتاح للسودانيين، وكنت من بينهم، والنرويجيين بجامعة بيرقن فرصة ذهبية حين قدم الطيب إلى بيرقن في مايو 2007 بصحبة محمود وأمضى وزوجه أياماً كانت متعة حقيقية لنا ومترعة بأدب الطيب وحديثه الذي لا يمل. وفي بيرقن أيضاً يتذكر محمود الطيب بعد الفراق الأبدي ويقيم تأبيناً له في أبريل 2009 أمه جمع محترم من بينهم سفيرة السودان لدى النرويج آنذاك إلهام شانتير.
ما يدهش في محمود هدوئه بدرجة تظن بها أن الرجل لا يعلم شيئاً ولكنه حين يحدثك تجد في حديثه المتعة والفائدة. وما يدهش فيه أيضاً تواضعاً، مع الكبير والصغير، وكرماً وشهامة ومروءة وسماحة وإقداماً يفوق الحدود. وتحضرني صفات محمود ويرتبط في ذهني دائماً ببيت شعر معبر لأبي تمام يقول فيه: إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس؛ ذكاء وسماحة حين يسخر محمود ماله لخدمة العلم والثقافة ويصبح من ذوي الفضل الكبير عليهما. محمود كما كتب عنه الباحث كمال الدين أحمد يوسف "جبر كسر ذاتنا الوطنية".
نم هانئاً يا محمود في رحاب الله وسنظل بعدك نعاني وجع الحياة وجفافها، وستبقى وستظل نجماً ساطعاً في سماء الأمة بما قدمت فمثلك لا يموت. وسيبقى غرسك مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي منارة سامقة. وستبقى مكتبتك في بيرقن متكأ للعلماء والباحثين ورمزاً للمحبة التي تربط بين بيرقن وبين كل من زارها ودرس فيها من السودانيين ووصلاً للشمال والجنوب. وستبقى محبتك في نفوس أهلك وعشيرتك وأصدقائك وعارفي فضلك
الأستاذ محمود صالح عثمان صالح .. بقلم: أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك
الإثنين, 17 تشرين2/نوفمبر 2014 11:32
بسم الله الرحمن الرحيم
(وما المرْءُ إلا كالشِّهاب وضوْئِهِ يَحُورُ رَماداً بَعْد إذْ هو ساطعُ)
من أكثر الأنباء ألماً وحزناً عندما تتصل بصديق هاتفياً بغرض التحدث إليه والاطمئنان على صحته، ويستقبل رسالتك الهاتفية شخص آخر، يفيدك بأن ذلك الصديق انتقل إلى الدار الآخرة. يا لهول المصيبة، ويا لفداحة الفقد، يا لعظم المصاب. هكذا كان نهار يوم 15 نوفمبر 2014م، نهاراً عبوثاً ومؤلماً، حيث اتصلتُ بهاتف منزل الأستاذ أسامة محمود صالح بلندن؛ للإطمئنان على صحة والده الذي لزم سرير المستشفي قبل خمسة أيام، إثر علة عارضة ألمت به، فردَّ عليَّ ابنه أمير بصوت حزين، مفاده أن "والده توفي صباح اليوم"، فكان عزائي اليتيم إليه: "إنا لله وإنا إليه راجعون" "ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم"، وفي تلك اللحظة المؤلمة تذكرتُ أبيات الشاعر لبيد بن ربيعة:
وما المرءُ إلا كالشِهابِ وضَوئِهِ *** يَحورُ رَماداً بَعدَ إذ هُوَ ساطِعُ
وما المالُ والأهلونَ إلا وَدائِعٌ *** ولابُدَّ يَوماً أنْ تُرَدَّ الودائِعُ
فمحمود كان كالشهاب وضوئه في كل فضاءات العمل الثقافي التنويري، وساحات العطاء الخيري في السودان وخارج السودان، ينفق بيمناه ما لا تعلمه يساره، وذلك انطلاقاً من إيمانه الراسخ بأن واقع السودان لا تصلحه الحكومات ولا الأحزاب السياسية وحدها- إن لم تكن قد أسهمت في تدهوره-بل يستقيم الإصلاح بعطاء أبنائه الأوفياء الذي يحلمون بغدٍ مشرق لأجيالهم الصاعدة؛ وبفضل هذه الرؤية الثاقبة استطاع المرحوم محمود صالح أن يخلِّد اسماً لامعاً في قائمة أبناء السودان الأوفياء.
تشرَّفتُ بالتعرف عليه في شتاء عام 1997م بمدينة بيرقن النرويجية، حيث تقبع جامعتها الشهيرة، التي تُعدُّ من أعرق الجامعات النرويجية، فضلاً عن صلاتها الواسعة والمنداحة بين كثير من البلدان النامية، وفي مقدمتها السودان، ممثلاً في جامعة الخرطوم وغيرها من المؤسسات الأكاديمية والبحثية الأخرى. ويرجع تاريخ التعاون الأكاديمي بين جامعة بيرقن وجامعة الخرطوم لعام 1965م، وبمرور الزمن تبلورت حصيلة هذا التعاون في حزمة من البرامج الأكاديمية المشتركة بين الجامعتين، وفي تأهيل ثلة من الباحثين السودانيين الذين تقلدوا وظائف مهنية وإدارية مهمة في السودان وفي دول المهجر.
وفي هذا الفضاء الأكاديمي المنداح اختار الأستاذ محمود صالح عثمان صالح جامعة بيرقن بأن تكون مركزاً لإيداع مجموعته المكتبية والوثائقية الفريدة عن تاريخ السودان وأنماط الحياة فيه، والتي يقدر كمها بألفي كتاب، من الكتب النادرة والنفيسة التي كُتبت بلغات أوروبية مختلفة (الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، واللاتينية)، وعدد مماثل من الوثائق الأرشيفية، والصور الفوتوغرافية، والخرائط، واللوحات الفنية التي تجسد أبعاداً متنوعةً عن واقع العمارة والاجتماع في السودان. ولم يقف عطاء محمود عند هذه المكتبة النفيسة، بل تجسد بجلاء في تأسيس مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأمدرمان، وإصدارات المركز التي تجاوزت ثلثمائة عنواناً، فضلاً عن جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي السنوية.
من أين جاء هذا الرجل النبيل؟
محمود هو الابن الأوسط لرجل الأعمال السوداني المعروف صالح عثمان صالح، وحفيد الجد المؤسس عثمان صالح أحمد، ذلك الرجل العصامي الذي بنى لنفسه ولأسرته اسماً لامعاً في قاموس الرأسمالية الوطنية في السودان، إذ كان يقدر جُعل صادرات شركاته التجارية بأكثر من 60% من منتجات السودان الزراعية إلى الأسواق الأوربية، وغيرها من الدول العربية والإفريقية.وعندما أممت حكومة مايو (1969-1885م) بقرارها غير الحكيم شركات عثمان صالح هاجر نفر من أفراد الأسرة إلى مصر، وانجلترا، وغرب إفريقيا، حيث استأنفوا نشاطهم التجاري خارج السودان.
وُلِدَ محمود في هذه الأسرة السودانية العريقة في شتاء عام 1939م، وأكمل تعليمه الابتدائي والثانوي بالسودان، ثم هاجر إلى بريطانيا، حيث درس الاقتصاد بجامعة برستول. وبعد تخرُّجه عام 1963م فضَّل العمل بشركات عثمان صالح وأولاده في السودان، وظل مقيماً بالسودان إلى أوائل السبعينيات، وبعد مصادرة أملاك عثمان صالح وأولاده آثر الهجرة إلى انجلترا، حيث استأنف أعماله التجارية، وقدم نموذجاً رائعاً لرجل الأعمال الناجح؛ لأنه جمع بين خلق العلم وإدارة المال. وأخيراً آثر الركون إلى حياة المعاش عام 1994م، وذلك بعد أهلَّ أبنيه أمير وأسامة لتسيير أعماله التجارية، ثم جعل معاشه الباكر يختلف عن معاش نظرائه من رجال الأعمال المولعين بسلطان الثروة، وبذخ إنفاقها الباذخ؛ لأنه استطاع أن يشغل نفسه وأوقات فراغه بالاهتمام بالدراسات السودانية، والأعمال الخيرية، وتوثيق الإنتاج الأدبي لرهط من الباحثين والعاملين في الحقل الثقافي في السودان، وفي مقدمتهم أدبينا الراحل الطيب صالح، طيب الله ثراه.
محمود صالح ومركز عبد الكريم ميرغني
توَّج الأستاذ محمود صالح حياته المعاشية المتفاعلة بقضايا الثقافة والأدب في السودان بتأسيس مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي بمدينة أم درمان، وذلك في الخامس عشر من مايو 1998م. وقد علق الدكتور حسن أبشر الطيب على هذه المبادرة النوعية، بقوله: إن المركز يمثل "فكرة رائدة مبدعة تتجسد فيها نقلة نوعية حضارية في الاحتفاء برموزنا الفكرية"، علماً بأن الحضارة عملية تراكمية تبنى على الإرث الثقافي الموروث من السلف الصالح، "ويأتي الأبناء لاحقاً فيضيفون إليه جديداً، وفقاً لمعطيات الحياة المتغيرة والمتجددة"، ويشير إلى أن المركز "مركز ثقافي أهلي، وبالتالي فإن كل الجهود الممتدة الواسعة يمكن لها أن تحقق استمراره وحيدته، بحيث يستطيع تلقي مشاركة ودعم كل الناس دون حساسيات، وبعيداً عن ساحات الصراع السياسي". ثم يثمن جهود القائمين على المركز بقوله: "التحية والتقدير لنخبة خيرة من أبناء الوطن، احتضنوا هذا المركز فكرة ومنهجاً، وحرصوا على هذا الأداء المتميز. والتحية بخاصة لربان هذه السفينة الخيرة الأستاذ محمود صالح عثمان صالح، ولا غرابة أن يتصدى ويبادر لهذا العمل الوطني النافع، فهو من أرومة سامقة، وبيت جبل على الريادة في العديد من المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية."
ويصب في الاتجاه ذاته قول الأديب أمير تاج السر: بالرغم من حداثة إنشائه: "أقام المركز عشرات الندوات الثقافية والفكرية، واستضاف أهل العُود والرق(إله موسيقية)، وأهل الشعر والقصة، وأضاف إلى مكتبات الوطن كتباًلا ترتدي "السروال والعراقي"، وتندس خجلة في معارض الكتب، كما كانت كتبنا القديمة تفعل، لكنها ترتدي البدلة ورباط العنق، وتطل بوجه صبوح في أي معرض تزوره. إنها "النيولوك" في صناعة الكتب، تلك التي أحدثها ذلك المركز، ولدرجة أنها أغرتني بالنشر هناك.. كأنني أنشر في بيروت والقاهرة. ولعل كتباً مثل "وين يا حبايب" للراحل زهاء الطاهر، والمجموعة الشعرية لسيدأحمد الحردلو، وجهان معبران عن تلك "النيو لوك". ويمضي الأستاذ أمير تاج السر في تعضيد إعجابه بالمركز، ويقول: "تبنى المركز أيضاً جائزة دورية باسم مبدعنا الكبير الطيب صالح في مجالالرواية، ولعلها المرة الأولى التي تنشأ فيها مثل تلك الجائزة في بلادنا.. إنهتحليق معنوي في عظمة الكتابة، وحافز كبير لأولئك الأصيلين أن يكتبوا... وأن يتنافسوا،وأن يحصلوا على مكافأة باسم كاتب هو نفسه مكافأة للوطن ... وقد صدرت أخيراً، وبنفس الأناقة المتوقعة رواية الحسن بكري الفائزة بالجائزة: "أحوال المحارب القديم".
وفي ضوء هذه الشهادات المُشرِّفة يمكننا القول بأن مركز عبد الكريم الثقافي يُعدُّ بلا منازعٍ واحداً من الإنجازات الشامخة التي أسهم في تحقيقها الأستاذ محمود صالح بعد أن طلَّق العمل التجاري، وآثر الجلوس على كرسي معاشه الوثير تحت ظلال الثقافة الوارفة، وينابيع الأدب الصافية الرقراقة، وأُنس الكُتب وإمتاعها. وبفضل هذه الرغبة الجامحة جعل من مركز عبد الكريم مركزاً للإشعاع الثقافي في السودان، إشعاعاً يشع من أنشطته الثقافية التي تتبلور في نشر الكلمة المكتوبة، وعقد الندوات الثقافية والسياسية والاجتماعية، وتنظيم الحلقات الدراسية المفتوحة، وتقديم الجوائز التقديرية للأدباء، والروائيين، وكُتَّاب القصص القصيرة في السودان، فضلاً عنما تقدمه مكتبة المركز الثقافية لطلبة العلم والقراء والباحثين من معرفة مجانية غير مدفوعة الثمن. فلا جدال أن طرفاً من هذا العطاء السابل جعل الأستاذ الشاعر محمد المكي إبراهيم ينعت المركز بـ"منبر الثقافة الرئيس للقراء السودانيين في الوطن وأقطار الشتات"، وشجع أيضاً الدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه أن تكتب مقالاً في صحيفة السوداني عن إنجازات راعي المركز بعنوان: "محمود صالح عثمان صالح نجم سطع في سماء الوطن".
محمود صالح ومجموعة الوثائق البريطانية عن السودان
في تقديمه لمجلدات الوثائق البريطانية عن السودان يقول الراحل محمود صالح: "يأتي في طليعة أهداف مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي في أمدرمان دوره المتنامي في جمع وحفظ وتوثيق التراث السوداني الهادف إلى ردم الفجوة بين الماضي والحاضر. كما يهدف في الوقت ذاته إلى تيسير الحصول على هذه المصادر والمراجع للباحثين والطلاب وغيرهم من أفراد المجتمع، دون أن تترتب على هذه الخدمة أي تكلفة مادية." ويقدر كم الوثائق التي تمَّ جمعها وتصنيفها وترجمتها في أثني عشر مجلداً بـ 234 وثيقة، مدونة في 1287 ورقة، تمَّ انتقائها بعناية من 4500 ورقة، تغطي الفترة 1940-1956م. وقد حفلت هذه المجلدات بأسرار وخفايا ومواقف السياسة الاستعمارية تجاه السودان، عبر ثلاثة مراكز رئيسة، تتمثل في وزارة الخارجية البريطانية في لندن، والسفارة البريطانية في القاهرة، ومكتب الحاكم العام والسكرتير الإداري في الخرطوم.فكان محمود فخوراً بهذا العمل الأكاديمي الرائد، فكتب إليَّ رسالة بتاريخ 25 أغسطس 2002م، جاء فيها: "استقبال الوثائق كان رائعاً بحقٍ، والحضور أكثر من أربعمائة في قاعة الشارقة ... وكانت التغطية في الصحف كثيفة... كل الذين أطلعوا على الوثائق أثنوا على الترجمة جداً، وعلى الإخراج عموماً. واتوقع أن يتم عقد ندوة في القاهرة في الجامعة الأمريكية الشهر القادم، وسندعوا بعض الأساتذة من مصريين وسودانيين، عسى أن نشجعهم لإبراز بعض الوثائق المصرية إن وجدت." وبهذه الكيفية قدَّم الأستاذ محمود صالح مادة علمية قيمة للباحثين في مجال الدراسات السودانية من غير ذهب وفضة، لكن أغلفتها حملت إقرار صريحاً بفضله: تحرير: محمد صالح عثمان صالح، فسيبقى هذا التحرير اعتباراً معنوياً قائماً على مر الدهور والأجيال.
مجموعة محمود صالح بجامعة بيرقن
بدأت قصة مجموعة محمود صالح بجامعة بيرقن التي يربو كمها على الألفي كتاب وعدد مماثل في الوثائق النادرة، بكتاب عن "الاستثمار في إفريقيا" لمؤلفه البروفيسور هاربرت فرانكل، نشرته جامعة كمبريدج عام 1938م. وقد عثر الأستاذ محمود صالح على نصٍّ من الكتاب في التقرير السنوي لحاكم عام السودان، هوربت هدلستون (1940-1947م)، وكان مفاد ذلك النص: "لا يوجد أدنى شك في أن التنمية الاقتصادية التي حدثت في السودان في القرن العشرين قد حققت إنجازاً رائعاً، يمكن اعتباره من عدة نواحي نموذجاً للأقطار الإفريقية الأخرى."ولا عجب أن هذا النص قد حفَّز القارئ المهتم بشأن السودان أن يبحث عن الكتاب لمدة تقدر بعشر سنوات، لكن جهوده لم تكلل بالنجاح إلا في شتاء عام 1997م، عندما التقى بالسيدة أليزبيث بنقهام في القاهرة، وسرَّها عن رغبته في الحصول على الكتاب المشار إليه. وبعد بضعة أيام من ذلك اللقاء العابر وجد الأستاذ محمود صالح نسخةً من "كنزه المفقود" في صندوقه البريدي، ومعها مذكرة مفادها أن شخصاً يدعى بول ولسون في ضاحية شبرسبري في انجلترا لديه مجموعة نادرة من الكتب عن تاريخ السودان وجغرافيته، وأنماط الحياة فيه. وبفضل هذه المذكرة بدأت العلاقة بين بول ولسون ومحمود صالح، وأثمرت خواتيمها في شراء المجموعة بكاملها، والتي يقدر كمها المودع الآن بجامعة بيرقن بألفي كتاب من الكتب النادرة التي يرجع تاريخ تأليف بعضها إلى القرن السابع عشر للميلاد، إضافة إلى كمٍ مماثلٍ من الوثائق الأرشيفية، والصور الفوتوغرافية، واللوحات الفنية. وتعالج هذه المجموعة قضايا مختلفة عن التاريخ، والاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والجغرافيا، والآثار، وعلم النبات، وعلم الحيوان، وفن العمارة في السودان. ومعظمها كُتب باللغة الإنجليزية ولغات أوروبية أخرى، وهي على حدِّ قول الراسخين في الدراسات السودانية تمثل مجموعة نادرة للطلبة والباحثين في الشأن السوداني، ولا يوجد لها مثيل داخل السودان أو خارجه.
وقبل إيداع هذه المجموعة بجامعة بيرقن، اتصل الأستاذ محمود صالح بعدد من جهات الاختصاص في السودان لتقوم بإيداعها، وصيانتها، وجعلها متاحة للباحثين؛ إلا أن جهوده في هذا الشأن قد باءت بالفشل، نسبة لتلكؤ المسؤولين في اتخاذ القرار الصائب. ومن ثم كان خياره الثاني جامعة بيرقن، تثميناً لجهدها الرائد في مجال الدراسات السودانية. وبالفعل تم اللقاء الأول بشأن هذه المجموعة النفيسة أثناء انعقاد مؤتمر الدراسات السودانية بجامعة بيرقن في ربيع عام 2006م، حيث فَاتَح الأستاذ محمود صالح البروفيسور آندرس بيركيلو، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، بقصة هذه المجموعة التي تبحث عن مأوى، وقد أبدى هذا الأخيرة موافقته الفورية بإيداعها بمركز دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وفي ضوء ذلك رتب لقاءاً للأستاذ محمود صالح مع إدارة الجامعة التي التزمت بكلفة تصنيف المجموعة، وحفظها حفظاً رقميّاً، ثم وضعها على شبكة عنكبوتية خاصة بها، لتكون متاحة للباحثين في كل بقاع العالم. وبموجب هذا الاتفاق تم تدشين مجموعة محمود صالح بجامعة بيرقن في شتاء عام 2006م، في تظاهرة علمية رائعة، حضرها رموز الجامعة، ووجهاء الجالية السودانية بيرقن، وزادها ألقاً على ألقٍ إبداع الأستاذ عبد الكريم الكابلي الذي شكل حضوراً فنياً رائعاً.
وزان تلك التظاهرة العلمية وهجاً على وهجها زيارة الأديب الطيب صالح وحرمه الفضلى جوليا إلى بيرقن في مايو 2007م، والتي كتب عنها في مجلة المجلة، قائلاً: "في خضم الصراعات والمشاكل والحروب التي تستعر في العالم، يجد الإنسان بعض الظواهر التي تبعث على الأمل والتفاؤل، وتقوي الإحساس بأن الإنسان، بقدرما في طبيعته من نزوع نحو الخراب والدمار، فهو أيضاً قادر على البناء وعمل الخير. ومن هذه الظواهر التي لفتت نظري أخيراً، التعاون الذي نما بين جامعة بيرقن في النرويج والجامعات السودانية، وبخاصة جامعة الخرطوم. لقد زرتُ جامعة بيرقن أخيراً، بصحبة صديقي رجل الأعمال السوداني المثقف محمود صالح عثمان صالح ... إنه من الناس النادرين، الذين يخصصون بعض ما أنعم الله عليهم من خير، لنشر الثقافة، وفتح الأبواب للتفاهم، ومحاربة قوى الجهل والتخلف، وتعميق قيم الخير والإخاء بين الناس. كل هذا الجهد الإنساني والثقافي العظيم، يتم عن طريق مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، الذي أنشأه الأستاذ محمود وعائلته، تخليداً لذكرى خالهم المرحوم عبد الكريم ميرغني".
خاتمة
كنتُ اتمنى أن لا يأتي اليوم الذي نكتب فيه عن مآثر الأستاذ محمود صالح؛ ولذلك سعيتُ في العام الماضي مع الأستاذ عبد الله الفكي البشير إلى تكريمه في شكل تظاهرة أكاديمية بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، تقوم على تبادل مطبوعات المركز العربي ومركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، ثم إعداد ندوة عامة عن انجازات الرجل ومآثره، لكن للأسف أن هذا المسعى لم يكلل بالنجاح إلى أنْ فجأنا القدر بنبأ الوفاة. فالراحل الأستاذ محمود صالح رجلٌ لا نُعزّي فيه، ولكن فيه نُعزّى؛ لأنه كان صاحب فضائل منبسطة لكثير من الناس، ويؤكد ذلك شهادة الأديب الراحل الطيب صالح: "إنَّ محمود لم يستأثر بالثراء لنفسه وأسرته، بل أخذ ينفق منه بسخاء على ما ينفع الناس جميعاً، فهو رجل مرموق ليس بماله، بل بأفعاله ودوره في المجتمع."ومن الشواهد التي تعضد ذلك كلمات الدكتورة هويدا فيصل بجامعة بيرقن، عندما أخبرتُها بوفاة محمود صالح، فكتبت قائلة: "إنه خبر محزن وفقد جلل. لقد كان محمود رجلاً عظيماً، ولدي احترام خاص له. لا أنسى فضله عندما حضر نقاشي لنيل درجة الدكتوراه، بعد أن علم أن والدي لا يستطيع الحضور بسبب المرض. ثم عمل حفلاً كبيراً بهذه المناسبة." وجسدت أيضاً البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه هذه القيمة الإنسانية،عندما كتبت في خاتمة رثائها للمرحوم محمود صالح قائلة: "وستبقى وستظل نجماً ساطعاً في سماء الأمة، بما قدمت، فمثلك لا يموت. وسيبقى غرسك مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي منارة سامقة. وستبقى مكتبتك في بيرقن متكأ للعلماء والباحثين، ورمزاً للمحبة التي تربط بين بيرقن وكل من زارها ودرس فيها من السودانيين، ووصلاً للشمال والجنوب. وستبقى محبتك في نفوس أهلك، وعشيرتك، وأصدقائك، وعارفي فضلك."هكذا كان محمود صاحب سيرة وسريرة بين الناس، يعطى من غير منٍ ولا أذى، وينفق بسخاء لا يخشى الفقر. نسأله الله أن فيض عليه ثواباً بقدر ما فاض على الناس عطاءً، ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً.
ahmedab...@hotmail.com
الإثنين, 17 تشرين2/نوفمبر 2014 11:47
د.مصطفى أحمد علي
مدير الثقافة والاتصال بالايسيسكو
الرباط
alkhan...@yahoo.fr
حمل المقال الذي نشرته الدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه نبأ رحيل الفقيد محمود صالح عثمان صالح إلى رحاب الله.ذرفت الأعين الدموع عليه ، و جثمت الهموم و الأحزان . لم ألتق به كفاحا.فلم تكن صلتي به من أسف،تعدو مهاتفة أجريتها معه قبل نحو أربع سنوات ،بعد أن زودني صديقي اﻷستاذ الدكتور حسن أحمد إبراهيم برقم هاتفه في لندن ،ﻷشكره على إهدائه إياي نسخة من ترجمته لمراسلات السير دوغلاس نيوبولد التي صدرت تحت عنوان (كيف أعد السودان الحديث) في نحو ألف صفحة،تصدر ذلك السفر منذ ذلك الحين مكتبتي و ظل في متناولي في كل سانحة و فراغ،و لم يفارق خاطري عجب بل إعجاب بهذا الجهد الذي بذله الرجل في هذه الترجمة!و لنا أن نعجب إن نحن أدركنا أن ما بذله من جهد رحمه الله في ترجمة هذه المذكرات، ليس إلا بعضا من كل،و قليلا من كثير مما بسطته المؤرخة اﻷديبة، الدكتورة فدوى عبد ألرحمن علي طه في مقال الوفاء و العرفان الذي سطرته عن الراحل،رحمه الله ،و عن ما بذله من جهود تقصر دونها هامات الرجال و لا تتأتى إلا لمؤسسات ينبغي أن تتولاها الدول بالرعاية و الدعم و التشجيع،(إنشاء مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي،تحرير ترجمة الوثائق البريطانية عن السودان خلال1940-،1956ترجمة محاضرات السيردونالد هيلي الصادرة تحت عنوان (آراء و أفكار عن الخرطوم)،ترجمة مؤلف السير هارولد ماكميلان عن السودان) ،أوليس في الإمكان وضع ما أنجزه الراحل في موضع المقارنة مع ما أنجزته مؤسسات الدولة ؟
تمضي السنوات و تتساقط الرموز ،رمزا تلو رمز من شجرة الإبداع و العطاء السودانية التي كانت وارفة معطاءة في حقبة من حقب الزمان.ما زلت منذ اليوم استبطن اﻷسى و الشجى و أسترجع نبرات صوته العميقة الرقيقة عبر الهاتف و استعيد في الذاكرة مواطن و أزمنة كانت عامرة بمن نأنس إليهم و نجد المتعة و المتاع في صحبتهم ،فإذا الديار قاحلة و النجوم آفلة،والوجوه منكرة واﻷذواق فاسدة و الآمال بعيدة المنال!ألا رحم الله محمودا و أجزل له الثواب و الحسنات ،و جعل مثواه مع. النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و إنا لله و إنا إليه راجعون.الإمام الصادق المهدي ينعي الراحل محمود صالح عثمان صالح
الأحد, 16 تشرين2/نوفمبر 2014 19:17
بسم الله الرحمن الرحيم
16 نوفمبر 2014م
نعي أليم
أنعي لأمتنا طيب الذكر محمود صالح عثمان صالح، كان محمود رحمه الله رجل أعمال ومثقفاً ورجل برٍ من طراز فريد.
انقلاب 25 مايو 1969م في فورته اليسارية الحمقاء أمَّم الاستثمارات الوطنية دون أية دراسة، كما قال لي أحدهم: "أخذنا الأسماء من دليل التلفون"، وقال قائدهم اعترافاً بفجاجة التجربة: "لقد استولينا على هذه الاستثمارات وكانت مربحة فتحولت بأيدينا إلى خاسرة". وكانت أسرة عثمان صالح العريقة في أم درمان ممن أُمِّمَت استثماراتهم ووُضعت عليها اليد الخرقاء.
عميد أسرة عثمان صالح طيب الذكر، صالح عثمان صالح، نقل عمله إلى لندن حيث أسس عملاً استثمارياً ناجحاً خلفه في إدارته محمودٌ الذي أدار عمله الاستثماري بذهنية حديثة.
لم ينضم محمود لأي حزب سياسي ولكنه كان مهتماً بالعمل الوطني وكان صديقاً لي ولحزب الأمة مؤيداً لمبادراتنا الوطنية دون انقطاع.
وعلى غير عادة المستثمرين اهتم محمود بالعمل الثقافي، فأسس ودعم مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، الذي تعددت أنشطته من نشر الكتب، إلى القيام بدور تنويري وتثقيفي للمجتمع عبر الندوات والسمنارات، إلى الاهتمام بثقافة الطفل وغيرها من الأنشطة؛ فاحتل مركزاً مهماً في المجال الفكري والثقافي في السودان. اهتم محمودٌ عبر المركز برعاية المفكرين والمثقفين والمترجمين السودانيين الذين وجدوا في رحابه ظلاً وارفاً ومساعدة في نشر كتبهم، كما سعى في تخليد ذكرى رموز الثقافة والفكر أمثال المرحوم السفير عبد الهادي الصديق، والأديب الأيقونة الطيب صالح رحمه الله، حيث أنشأ جائزة الطيب صالح لتشجيع الروائيين السودانيين لا سيما ناشئتهم. واستمر المركز على مدى 16 عاماً، ومنذ إنشائه في 1998م حتى الآن، يعمل كمنارة في ظلام الشمولية الخانقة التي كانت تتوجس من مناشطه وكثيراً ما عرقلتها.
كان الراحل المقيم مهتماً بالتوثيق للحياة السودانية، فتبنى ترجمة ونشر مجموعة ضخمة من الوثائق البريطانية عن السودان، كما ترجم هو بنفسه كتاب (السودان) للسير هارولد ماكمايكل، وكتاب هندرسون عن حياة ورسائل السير دوغلاس نيوبولد؛ كما اشترى من حر ماله مجموعة ضخمة من الكتب النادرة عن السودان، وأودعها لدى جامعة بيرقن بالنرويج لتكون متاحة لطلاب الدراسات السودانية.
لقد كان المرحوم محمود من أولى المواطنين بلقب ابن السودان البار ولكن النظم الشمولية لا تعتبر بررة إلا أنصارها. وحسناً فعلت جامعة الخرطوم بمنحها له درجة الدكتوراة الفخرية التي استحقها عن جدارة.
ألا رحم الله الفقيد محمود صالح وكافأه في دار النعيم بميزان "إن الدين المعاملة" ومقياس "الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيَالِهِ"[1]. وأحسن عزاء زوجه فكرية ميرغني، وأبنائه أمير وأسأمة، وسائر أسرته، وأهل الثقافة والفكر، والسودان الوطن الذي ثكله.
الصادق المهدي
________________________________
[1] الطبراني في الكبير
الا رحم الله محموداً بمثل ما قدم لوطنه وبني
عشيرته
التعزيه موصوله للاخ و الحبيب الدكتور عصام عبدالرحيم عثمان صالح بلفيربول و ال و اصهار عثمان صالح
وانا لله وانا اليه راجعون
طارق عبدالكريم الهد
--
Visit SDU-UK&I website: http://www.sdu.org.uk/
-- You received this message because you are subscribed to the Google Groups Alhakeem group. To post to this group, send email to elha...@googlegroups.com. To unsubscribe from this group, send email to elhakeem+u...@googlegroups.com. For more options, visit this group at https://groups.google.com/d/forum/elhakeem?hl=en
---
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "Elhakeem" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to elhakeem+u...@googlegroups.com.
To post to this group, send email to elha...@googlegroups.com.
Visit this group at http://groups.google.com/group/elhakeem.
To view this discussion on the web, visit https://groups.google.com/d/msgid/elhakeem/DUB408-EAS2480E5C909136C7F75B30FD6880%40phx.gbl.
For more options, visit https://groups.google.com/d/optout.