أخواني الدعاة إلي الله ؟
ماهي:- الدعوة وأساليبها في القرآن الكريم
تُعدالدعوة القرآنية موضوعا في غاية الأهمية والقيمة المضمونة في
عصرناالحاضر والعصور السابقة، وهذه الأهمية تستدعي اقتضاءً الوقوف على
مفهومالدعوة ومنطلقاتها في النص القرآني، عبر المجالات الموصلة إليه،
والمتمثلةفي استقصاء المعنى اللغوي والاصطلاحي للدعوة ثم البحث في
مستويات التقارببين هذين المعنيين، ليتسنى لنا فهمها فهما أوليا نجعله
مرقاة للوصول إلىمفهوم الدعوة في القرآن الكريم، والتعرف على الأساليب
الـتي ارتكز عليهاالنص القرآني في أداء هذا المضمون المعرفي وكيفية
إيصاله إلى عقول الناسوقلوبهم .
فالدعوة في اللغة أن (تقول دعا يدعو دعاءً، وفلان داعي قوم وداعية قوم:
يدعو إلى بيعتهم دعوة. والجميع دعاة) وجاء في (تهذيب اللغة) إن الدعوى
اسملما تدعيه، والدعوى تصلح أن تكون في معنى الدعاء لو قلت: اللهم أشركنا
فيصالح دعاء المسلمين، والدعوة كما نُقِلَ عن الليث: الدعاء
والادّعاءوالدعوة هي الحلف يُقال: دعوة فلان في بني فلان ، والدعوة كذلك
الوليمة،والدعاة: قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة ، واحدهم داع ، ورجل
داعية إذاكان يدعو الناس إلى بدعة أو دين .
وذكر صاحب (لسان العرب) معنى الدعوة بقوله (دعا الرجل دعوا ودعاءً:
ناداه، والاسم الدعوة .
ودعوت فلانا أي صحت به واستدعيته، وتداعى القوم، دعا بعضهم بعضا
حتىيجتمعوا، ودعاه إلى الأمير: ساقه. وقوله تعالى: (وَدَاعِياً إِلَى
اللَّهِبِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً) (الأحزاب : 46)، (معناه داعيا
إلى توحيدالله وما يقرِّب منه ) .
نستشف من هذا أن المعنى اللغوي للدعوة يضم مجموعة من المفاهيم التي
تجعلمن الدعوة قاسما مشتركا بينها، فهي تأتي بمعنى طلب البيعة وعقد الحلف
بينقوم وقوم آخرين، وتأتي بمعنى الادِّعاء، وأخرى بمعنى الدعوة للوليمة،
وتكونبمعنى المناداة للشخص، ودعوة الناس إلى بدعة أو دين .
أما الدعوة في الاصطلاح فهي: (محاولة الداعي استمالة الناس نحو
هدفمـعـيـن وإقناعهم به إقناعا تطمئن إليه عقولهم، وترضى عنه قلوبهم ،
وتنشرحلـه صدورهم ويخـالط وجدانهم، ويسري في مشاعرهم ، ويمتزج بكيانهم،
ويصبحإيمانا راسخا، كي يتهيأ لهذا الإيمان أن يكون محركا لكل ما يصدر
عنهم منفكر وعاطفة وسلوك به يؤمنون وبتوجيهه يعملون وفي سبيله يبذلون
وعنه ينافحونومن أجله يستشهدون) .
وإذا ما نظرنا في النص القرآني نجده قد تناول الدعوة بطريقة
تتساوقومتطلبات المرحلة الانتقالية في المجتمع البشري، على وفق سنن
اجتماعيةوعقائد دينية جديدة، صاغها النص القرآني في آياته ضمن رؤية
شمولية محكمة،تهدف إلى التغيير الجذري للمعتقدات السائدة في ذلك المجتمع
ولكثير منأعرافه الاجتماعية، هذه الرؤية تمثلت بالدعوة إلى الإسلام
والدين الجديدالذي يشاطر الأديان السابقة عليه بأربعة أهداف، مثّلت هذه
الأهداف المحورالعام الذي دارت حوله الدعوات السابقة جميعها، ثم جاء
الإسلام ليؤكدهاويزيد عليها الكثير من القضايا الأساسية للنهوض بواقع
المجتمع البشري، وهذهالأهداف هي :
1 ـ توحيد الله تعالى وعبادته .
2 ـ تصديق الرسالات.
3 ـ الترغيب في نعيم الدنيا والآخرة .
4 ـ الترهيب من عذاب الدنيا والآخرة .
هذه هي الأهداف العامة للرسالات السماوية كافة ، مهما اختلفت
شرائعها ،وتباينت أزمانها وأساليبها ، فقد جاء القرآن الكريم مؤكدا على
أن يكونإبلاغ الدعوة وإيصالها إلى أذهان الناس قائما على قاعدة تعاملية
تقتضيالابتعاد عن العنف والإجبار على الامتثال لمضمون الدعوة، وهذا يدل
على أنالدعوة الإسلامية هي (محاولة تغيير الرأي العام نحو سلوك أخلاقي
يكون عليهمجتمع ما إلى سلوك إسلامي مؤسس على الإيمان بالله والتلقي من
النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) كل القوانين والنظم التي لها ارتباط
بشؤون الحياة) ،وهذا المعنى لمفهوم الدعوة الإسلامية ما هو إلا نتيجة
حتمية تمخضت عنالتواؤم القائم بين مجموعة من أساليب التعبير في النص
القرآني، أخذت علىعاتقها مهمة تثبيت هذه الدعوة، ونشرها في المجتمع
الإنساني، لتكون الأداةالفاعلة في عملية التغييــر الجذري لذلك المجتمع
http://forsanalssna.yoo7.com/t299-topic
أنماط الأساليب الدَعَويَّة في القرآن الكريم
يمثل النص القرآني الوعاء الذي ضم بين دفتيه مضامين الدعوة الإسلامية،ذلك
أن الدارس للدعوة الإسلامية، يجد نفسه أمام ظاهرة متفرّدة في
طبيعتهاوخصائصها، لم تسبق بمثلها، ولم يأتِ بعدها ما يماثلها أو يقرب
منها ، لأنكتابها -القرآن الكريم- قد جمع في نصه الرباني بين جوانب ثلاثة
من المستحيلأن تجتمع لغيره .
فهو أولا الدين والرسالة، وهو ثانيا أسلوب العرض والتبليغ للرسالة،
وهوثالثا وفي الوقت نفسه دليل صدق الرسالة ومن هنا نقول إن القرآن الكريم
فيعرضه للدعوة وإيضاح مضامينها اعتمد مجموعة من أساليب التعبير، استطاع
منخلالها مخاطبة العقل والوجدان في آن واحد، فخاطب حاسة الوجدان الدينية
بلغةالجمال الفنية ، لأن عملية إدراك الجمال الفني الرفيع تشي بحسن
الاستعدادلتلقي التأثير الديني، حين يرتفع الفن إلى هذا المستوى الرفيع،
مستوىالتعبير عن العقيدة، وحين تصفو النفس لتلقي رسالة الجمال التي تبلغ
فيالعقيدة حدَّ الكمال .
وخاطب العقل بما احتوى ذلك التعبير من مضامين مكتنزة بتراكيب
إبداعيةوألفاظ تمتهن مهمة النفاذ إلى العقل لاتسامها بقدرة الإقناع، وبما
ضمَّالنص المقدس أيضا من صيغ تؤدي الغرض على أكمل وجه لتظهر به الدلالة
للمتلقي، من هنا كان التعبير القرآني في بلورته لأفكار الدعوة يقوم على
مسار الفنحينما يخاطب العقل والوجدان، لذا جاءت أساليب الدعوة منتشرة على
مسار النصالقرآني وفي موضوعات مختلفة ، فكانت أهم الأساليب التي اعتمدها
النصالقرآني في مجال الدعوة هي :
1 ـ أسلوب الحوار.
2 ـ أسلوب المحاجَّة.
3 ـ أسلوب ضرب الأمثال.
4 ـ أسلوب التذكير.
5 ـ أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
أولا : أسلوب الحوار:
يُعَدُّ الحوار من الأساليب التي أخذت حيزا كبيرا في النص القرآني،
ذلكلأنه من الأساليب العربية الأصيلة التي وظّفها النص القرآني لخدمة
الدعوةالإسلامية.
ولو أردنا أن نقف على مفهوم الحوار في القرآن الكريم، لا بد لنا
ابتداءًمن استقصاء معناه اللغوي، ثم مفهومه في الاصطلاح، فهما بمثابة
المنفذ الذينمرر من خلاله بحثا عن مفهوم الحوار القرآني .
فالحوار في اللغة مراجعة الكلام بين طرفين تخاطبا وذكر الأزهري (ت370هـ)
في تهذيب اللغة معنى المحاورة فقال (المحاورة: مراجعة الكلام في
المخاطبةتقول: حاورته في المنطق وأحرت له جوابا، وما أحار بكلمة) ولم
يجانب ابنمنظور مقولة الأزهري في معنى (الحوار) عندما قال (وكلمته فما
رَجَعَ إليَّحَوَاراً ومحاورة، وأحار عليه جوابه: ردّه، وأحرت له جوابا
وما أحاربكلمةٍ، والاسم من المحاورة الحوير، تقول: سمعت حَويرَهما
وحِوارَهما،والمحاورة: المجاوبة، والتحاور: التجاوب، وتقول: كلمته فما
أحار إليّجواباً وما رجع إليَّ حويراً ولا حويرة ولا محورَة ولا حواراً ،
أي ما ردّجواباً، والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة) .
ونخلص مما تقدم إلى أن (الحوار، والحوير، والمحاورة) بمعنى واحد
لأنهامشتقة من الفعل (حار) بمعنى رجع، فالحوار لغة هو تبادل الكلام بين
شخصينعلى سبيل التخاطب والمراجعة ، فلا يتحقق الحوار إلا بإرجاع الكلام
من أحدالطرفين على الآخر .
أما الحوار في الاصطلاح (فهو أن يتناول الحديث طرفان فأكثر، عن
طريقالسؤال والجواب، بشرط وحدة الموضوع أو الهدف، فيتبادلا النقاش حول
أمرمعين، وقد يصلان إلى نتيجة، وقد لا يقنع أحدهما الآخر، ولكن السامع
يأخذالعبرة ويكوّن لنفسه موقفا) ، والمحاورة (هي المراجعة في الكلام بين
طرفين،لبث شكوى أو غرام، أو تفصيل أمر، أو تهدئة خاطر، أو نحو ذلك من
الأغراضالتي تقتضيها الحال والمقام ) .
وإذا ما انتقلنا إلى النص القرآني بحثا عن مادة (الحوار) فإننا نجدها
قدوردت في ثلاث آيات فقط، وهي قوله تعالى حكاية على لسان صاحب الجنتين:
(فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ
مَالاًوَأَعَزُّ نَفَراً) (الكهف : 34)، وقوله تعالى: (قَالَ لَهُ
صَاحِبُهُوَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ
ثُمَّ مِننُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) (الكهف : 37)، وقوله تعالى :
(قَدْسَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا
وَتَشْتَكِيإِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ
اللَّهَ سَمِيعٌبَصِيرٌ) (المجادلة : 1).
ومن هذه الآيات وما سبقها يتحدد مفهوم الحوار في القرآن الكريم بأنه
(أسلوب قرآني يحكي محاورة كلامية بين طرفين أو يخبر عنها، هادف إلى
بيانمعان إسلامية مقصودة ومحددة) وهذا يعني أن (غاية الحوار القرآني رد
العقلإلى التفكير المنظم الهادئ، وبيان فساد موقف الخصم... وأكثر ما يكون
ذلكللرد على قول قاله الكافرون، أو على موقف غير منطقي من مواقفهم،
يتسمبالزيغ والضلال) ، فقد تعامل النص القرآني مع العقل الإنساني على وفق
رؤيةأسلوبية تسعى إلى إدخال العقل في نطاق الوجدان، وجعل التلقّي مشتركا
بينهمافي ضوء تعبير فنّي يعمل على إقامة الموازنة بين طرفي المعادلة، عن
طريقمخاطبة حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية، مما يؤدي إلى
ترجمتها منلدن العقل إلى استجابة محضة، قائمة على أساس التأثر الوجداني .
وبعد استقراء الباحث للنصوص القرآنية المشتملة على أسلوب الحوار وجد أنه
ينقسم على قسمين :
1 ـ حوار دنيوي (أرضي).
2 ـ حوار آخروي (غيبي).
وهذا التقسيم قائم بالأساس على ثنائية الزمان والمكان التي يجري الحوار
ضمن إطارها في النص القرآني .
فالحوار الدنيوي (الأرضي): هو حكاية القرآن لحوار أرضي واقع في
عالمالشهادة، ونقله لمقولات القائلين على ألسنتهم نقلا تلقائيا، لا
مبالغة فيهولا افتعال، فتصاغ المعاني على ما يقتضيه أسلوب إعجازه .
وأمثلة هذا النمط من الحوار كثيرة في القرآن الكريم، فقد شغل مساحة
أكبرمن نظيره على أرضية الحوار القرآني، من ذلك قوله تعالى: (أَمْ
كُنتُمْشُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ
مَاتَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ
آبَائِكَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً
وَنَحْنُ لَهُمُسْلِمُونَ)(البقرة : 133)
أما الحوار الآخروي (الغيبي): فهو عبارة عن نمط من الحوار ابتكره
القرآنالكريم إذ لم يكن معهودا في أنماط الحوار مثيل له، وهذا النمط
الحواري يحكيأحوال النعيم والعذاب في الآخرة كما في سورة الأعراف من وصف
أهل الجنةوأهل النار, وأصحاب الأعراف، فلما جاء القرآن بهذه الأوصاف التي
لم تكنمعهودة في الأساليب العربية انماز منها بذلك .
يتضح مما تقدم أن هناك رابطا موضوعيا يؤسس عليه الحوار القرآني،
وهذاالرابط يقوم على ثلاثة مرتكزات: الأول: هو الواقع الخارجي
ومقتضياتهالسياقية، والثاني: هو موضوع الحوار أو فكرته التي يرمي إلى
طرحها والعملعلى معالجتها ، والثالث: بيان المستوى الفكري للمتحاورين،
وبتوافق هذهالجوانب الثلاثة يتكون النسق الحواري بتشكلاته الصياغية
ودلالاتهالمضمونية، ويكون أسلوبا ذا أهمية كبيرة في بلورة الأفكار
الدَعَويَّة فيالنص القرآني، وإيصالها إلى الناس، عن طريق مخاطبة العقل
وتحريك الوجداننحو الاستجابة للمفاهيم والأفكار المطروحة على أرضية ذلك
الحوار .
http://forsanalssna.yoo7.com/t299-topic
ثانيا: أسلوب المحاجَّة:
تُعد المحاجة أسلوباً تعبيرياً له طاقات فاعلة في شحذ العقل وجمع
شتاتأفكاره المبعثرة، وتصويبها نحو قضية معينة قابلة للعرض والنقاش، في
حلقةمحكمة من الأفكار التي تعمل المحاجّة على بلورتها بشكل تطمئن إليه
النفس،وتؤمن بصحته .
والمحاجة اسلوب ورد في النص القرآني وهو يحمل شحنة من الأفكار
الدعويةالتي يرمي إلى مخاطبة عقل المتلقي بها، وحمله على التفاعل معها،
وإدراكأبعادها الموضوعية التي تسعى إلى الكشف عما يحتويه الوجود من خفايا
ومعجزاتدالة على قدرة صانعها وعظمتـه في إنشاء ذلك الوجود .
والمحاجة في اللغة: مأخوذة من مادة (حجّ) وهذه الأخيرة تدل على القصد،فقد
جاء في معجم مقاييس اللغة (الحاء والجيم أصول أربعة، فالأول: القصد،وكل
قصد حج، ثم اختص بهذا الاسم القصد إلى البيت الحرام للنسك، ومن
البابالمحجة، وهي جادة الطريق، وممكن أن تكون الحجّة مشتقة من هذا لأنها
تُقصَدأو بها يُقصَد الحق المطلوب، يقال: حاججت فلانا فحججته أي غلبته
بالحجة،وذلك الظفر يكون عند الخصومة والجمع حجج والمصدر الحجاج) فتكون
الحجة بذلكوسيلة لإثبات غاية فهي قصد مشفوع بالدليل لتوثيق فكرة يسعى
الشخص المحاججإلى إقناع الآخر بها .
المحاجة في الاصطلاح: (الحجاج (gumentation20): جملة من الحجج التي
يُؤتىبها للبرهان على رأي أو إبطاله، أو هو طريقة تقديم الحجج والاستفادة
منها. والحجة هي البينة ومنها قولهم: البيِّنة على المدعي .
وقد وردت مادة (حاجّ) في آيات كثيرة من النص القرآني، ويبـدو أن
أغلـبالآيات التي ورد فيها الفعل (حاجّ) كانت في الحديث عن توحيد الله في
دينه، من ذلك قوله تعالى: (وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي
فِياللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ
أَنيَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
أَفَلاَتَتَذَكَّرُونَ) (الأنعام : 80)، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ
يُحَاجُّونَفِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ
دَاحِضَةٌ عِندَرَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ)
(الشورى : 16)،وقوله تعالى: (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ
لِلّهِ وَمَنِاتَّبَعَنِ) (آل عمران : 20).
وتأسيسا على هذه النصوص المقدسة وما سبقها يتجلى مفهوم المحاجة في
القرآنالكريم بأنها أسلوب تعبيري قائم على أساس عرض الفكرة في إطار
مكوناتهالنصيّة، قصد الإفهام والتأثير في المتلقي، من خلال نقض أفكاره
بطريقةأسلوبية تتناسب مع مقتضيات المقام وطبيعة الموضوع، حتى يأتي
الأسلوب محيطابفكرته ويحقق الغاية المبتغاة من وراء هذه الصياغة التي
تنطوي على الدليلالذي يثبت الحجة.
http://forsanalssna.yoo7.com/t299-topic
ثالثا : أسلوب ضرب الأمثال :
الأمثال جمع مثل، وهذه الكلمة لها جذر لغوي في اللغات الاخرى، وهي جميعها
أفعال دالة على المشابهة .
ولو بحثنا عن المعنى اللغوي للمثل في العربية لوجدنا أقوال
المعجميينتتراوح بين خمسة مداليل في تحديد معنى (المَثَل) بفتحتين وهذه
المداليل هي :
1 ـ الشبه.
2 ـ المِثل ( بالكسر) والنظير .
3 ـ الصفة .
4 ـ العبرة والحجة والآية والحديث .
5 ـ المثال والحذو والشاخص .
أما معنى المثل في الاصطلاح: فقد اختلف العلماء في وضع تحديد موحّد
له،لذا جاءت تحديداتهم متباينة تبعا لاختلافهم في وجهات النظر ، وينحصر
مجملالخلاف باتجاهين: (اتجاه تفسيري، يُعنى بإبراز جوانب من خصائص
المعنىالمصطلح عليه .
واتجاه بياني، يبرز جوانب أخرى تغفل ما ذكره الآخرون) .
نفهم من هذا أن هذه التعاريف على اختلافها ضيقا واتساعا ترجع إلى
طائفتينتؤكد الأولى اعتبار المورد والمضرب، والغرابة والسيرورة في المثل،
في حينتتجاوز الأخرى هذه القضايا مؤكدة على الجوانب البلاغية فيه .
وقد عرض الدكتور الصغير تعريفات كلتا الطائفتين فيما أقامه من موازنة
بينتلك التعريفات، فخرج من هذه الموازنة بتعريف اصطلاحي ينص على أن المثل
(صورة حية ماثلة لمشهد واقعي أو متخيل ، مرسومة بكلمات معبرة موجزة،
يؤتىبها غالبا لتقريب ما يضرب له من طريق الاستعارة أو الكناية أو
التشبيه، معلحاظ بعض الشروط :
الأول: وجود علاقة المشابهة بين الحالتين: الأولى والثانية .
الثاني: السيرورة والتداول بين الناس. الثالث: عدم التغيير في لفظه
الموضوع له .
ولعل هذا التعريف الجامع بين آراء الطائفتين يخرج ما ليس من المثل
منه ،ويثبت ما يقتضيه التبادر في العرف العام من لفظ المثل، والتبادر
علاقةالحقيقة كما يقول الأصوليون) .
أمَّا مفهوم المثل في القرآن الكريم، فقد تعددت الأقوال في تحديده
هوالآخر، وتباينت ضيقا واتساعا، وقد قام الدكتور الصغير بعرض هذه
الآراءأيضا، والموازنة بينها للخروج بتحديد شامل لمفهوم المثل في القرآن
(28) فحدده بقوله (ويرجّح عندي أن يكون المثل في القرآن قد استعير لكل
شأن ذيبال ولكل حدث مستغرب، ولكل قصة أُريد بها العبرة، ولكل وصف لم
يتعارف عليهالعرب من ذي قبل، ولكل معنى لم تستطع الإفهام سبر غوره،
وتشخيص فحواه إلابتقريبه تنظيرا وتمثيلا حتى تداوله الناس، واستوعبته
العقول .
وهو بهذا التحديد، يصاحب المثل في اللغة من وجه، والمثل في الاصطلاح
منوجوه، فالمشابهة والتنظير والوصف والإبانة من اللغة في التبادر إلى
إدراكمعنى اللفظ والعظة والعبرة - باعتبارهما سببين لضرب المثل - والشأن
العجيب - والغرابة ، والسيرورة من الاصطلاح .
وزاد المثل القرآني على هذه المعطيات بما له من رصيد مجازي ،
وأفقاستعاري، وطبيعة تشبيهية مضافا إلى الاستعمال في المورد الحقيقي) .
ولعل هذا التحديد يحمل في طياته صفة الشمولية، إذ إنه أوضح الموضوعاتالتي
سيق المثل القرآني لمعالجتها والتي أوضحت - هي الأخرى - الهدف المبتغىمن
وراء سوق المثل في القرآن، ثم بيّن أوجه الالتقاء بين المثل بمعناهاللغوي
والاصطلاحي والمثل القرآني، وزاد على ذلك إيضاح الميزة التي انمازبها
المثل القرآني وهي الأداء البياني القائم على أساس ما يمتلكه من
رصيدمجازي، وأفق استعاري، وطبيعة تشبيهية، فضلا عن ذلك فإن التحديد أوضح
أنالمثل في القرآن مورده حقيقي وليس افتراضياً.
أما طبيعة الموضوعات التي عالجها المثل القرآني، فإنها تكمن في أن
المثلجاء متساوقا والظروف الموضوعية ومقتضيات المصلحة العليا للدعوة
الإسلاميةفقد عاد متماسكا كالحلقة المحيطة ببيئته العامة التي اتسمت
بطابعين حسبالمراحل الزمنية للدعوة الإسلامية: الأول: طابع البيئة المكي،
وقد جاء فيهالمثل مراعيا المستوى البدائي الذي كان عليه الناس وقتذاك،
والأصل التشريعيالذي تقتضيه الرسالة السماوية في حثها على ضرورة
الاهتداء، والتغييرالجذري في العقائد، والتذكير بالآخرة وتوحيد الله
تعالى .
الثاني: طابع البيئة المدني، وقد انصبّ الاهتمام فيه على عملية
تقويمالمجتمع وإصلاحه، وحثه على الفضائل حينا، وكشف خطط المنافقين ومن
ظاهرهم مناليهود وشراذم المشركين حينا آخر، ووصف الجنة وما فيها من نعيم
دائم،والاعتداد بقيادة الأمة، وتوجيه العناية لكتاب الله في أغلب
الأحيان .
وتأسيساً على هذا يكون المثل القرآني قام بعملية رصد لمشكلات
الواقعالبشري، ثم وضع الحلول لهذه المشكلات على أساس رؤية موضوعية شاملة
صيغت فيتعابير فنيةمحكمة .
http://forsanalssna.yoo7.com/t299-topic
رابعا: أسلوب التذكير:
أسلوب التذكير من الأساليب التعبيرية التي مثّلت أحدى المحاور التي
دارتحولها مفاهيم الدعوة في القرآن الكريم، فقد انماز النص القرآني من
الأساليبالعربية المعهودة بابتكاره أسلوبا لم يكن معهودا فيها وهو أسلوب
التذكيرالذي يُعد موعظة لأهل الدين فهو بالخطابة أشبه ولكنه يخالفها بعض
المخالفة .
ولمعرفة معنى التذكير في اللغة، ننظر إلى قول الأزهري في تهذيبه إذ يقول:
(الاستذكار: الدراسة للحفظ، والتذكّر تذكُّر ما أُنسيته، وقال الفراء:
يكون الذكرى بمعنى الذكر، ويكون بمعنى التذكير في قوله:
(إِنَّاأَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) (ص : 46) .
نفهم من المعنى اللغوي أن لفظتي (التذكير والذكرى) أصل لمعنى واحد
وهوتذكير الشخص بشيء نسيه، وكلتاهما تأتي بمعنى الوعظ والإرشاد. وهذا
المعنىللتذكير يتواءم ومعنى (التذكُّر) الذي يعني (استحضار المعلومات
والمعارفوالأخبار التي سبق وأن اقتناها الإنسان أو العقل ثم غفل عنها أو
نسيها... وهو نوع من المراجعة الفكرية والتأملية الجادة لحقائق ومعادلات
ومعارفمطروحة من أجل اكتشاف حقيقة أعمق) إذ (يلاحظ على قوى الإدراك الحسي
أنهاتنقسم على قسمين قسم للإدراك والقسم الآخر للحفظ، فالخيال (خزانة
للصور) والحافظة الذاكرة (خزانة المعاني) فيعمل التذكُّر على (استحضار
الصورةالمخزونة في الذهن بعد غيبة عن الإدراك أو حفظه من أن يغيب عن
الإدراك) (37) وبهذا تتضافر عملية التذكير مع التذكُّر في استحضار مكونات
المعادلةالمبتغاة من أجل الوصول إلى النتيجة والهدف الذي سيقت المعادلة
من أجلهما.
أما الاتجاهات الموضوعية لأسلوب التذكير في القرآن الكريم ، فإنه يصب
اهتمامه في اتجاهين:
1 ـ التذكير بنعم الله تعالى على عباده، فالله تعالى أنعم على خلقه
بنعمكثيرة ذَكّرهم بها في القرآن الكريم بغاية إرجاعهم إلى فطرتهم التي
جبلواعليها، إذ إن (التذكير بنعم الله يوقظ القلب الغافل وينبهه إلى ما
يرتع فيهمن خيرات عظيمة ونعم جليلة فيكون ذلك أدعى للاستجابة لهدي الله
والدخول فيطاعته) من ذلك قوله عزّ وجلّ : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ
أَنزَلْنَاعَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً
وَلِبَاسُالتَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ
لَعَلَّهُمْيَذَّكَّرُونَ) (الأعراف : 26).
2 ـ التذكير بأحوال الأمم السابقة وما جرى عليها من أهوال، مثل
قولهتعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ
فَلاتَعْقِلُونَ * وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيــة كانَتْ ظالِمَةً
وَأَنْشَأْنابَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا
إِذا هُمْمِنْها يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما
أُتْـرِفْـتــُمْفِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ * قالُوا
يا وَيْلَنا إِنَّاكُنَّا ظالِمِينَ * فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ
حَتَّى جَعَلْناهُمْحَصِيداً خامِدِينَ) (الأنبياء :9- 15).
مما تقدم يتضح لنا مفهوم التذكير في القرآن الكريم بأنه قانون الهي
يعملعلى تنشيط واستحضار آصرة الترابط بين ذهن الإنسان وخزينه المعرفي،
والعملعلى تقليص المسافات المتباعدة بينهما، على وفق معادلة تتخذ من
النظامالعلائقي بين الإنسان ومدبر شؤونه (الله تعالى) أساسا لها .
http://forsanalssna.yoo7.com/t299-topic
خامسا: أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
لقد رافق هذا الأسلوب نزول القرآن الكريم في مراحله كافة ، وفي
سورهجميعا، فهو لم يقتصر على مدة زمنية محددة كانت مدعاة للتعامل بهذا
الأسلوبمع الواقع الاجتماعي، ولم يقتصر على سورة دون أخرى، بل جاء مواكبا
للمراحلوالأحداث التي مرّت بها الدعوة الإسلامية وهي تعمل على استئصال
الفكرالوثني من جذوره ، وتجذير الفكر التوحيدي والإيمان المطلق بالله
تعالى بدلاعن عبادة الأوثان والأصنام .
وهذا الأمر يظهر أهمية هذا الأسلوب ومدى فاعليته في نشر الدعوة
الإسلامية.
ويبدو من النصوص الواردة في المعجمات اللغوية التي تناولت المفهوم
اللغويلمفردتي المعروف والمنكر ، أن المعروف جاء مقترنا بالمنكر على
سبيلالتضاد.
ولو بحثنا عن تحديد أدق لمفهوم المعروف والمنكر بانفصال كل واحد منهما
عنالآخر لوجدنا الشريف الجرجاني (ت816هـ) يحدد (العرف) بأنه (ما
استقرتالنفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول وهو حجة أيضا
لكنه أسرعإلى الفهم وكذا العادة وهي ما استمر الناس عليه على حكم العقول
وعادوا إليهمرة بعد أخرى) ثم نجد الراغب الأصفهاني (ت 502هـ) يحدد المنكر
بأنه (كلُّفعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه ، أو تتوقف في استقبـاحه
واستحسـانهالعقـول فتـحكم بقبـحه الشريعة) .
ومن هذه التعريفات لمفهومي المعروف والمنكر ، يتضح لنا أنها بُنيت
علىقاعدة التضاد بين هاتين المفردتين من حيث الكينونة، فأينما وُجد
المعروفوُجد المنكر قرينا له على سبيل التضاد في المعنى .
وأما النص القرآني فقد ورد فيه المعروف والمنكر في مواضع كثيرة
مؤكداالضدية بينهما ومتخذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أسلوبا
لنشرالدعوة الإسلامية (ولعل أوضح ما يمثل اعتماد الدعوة على الأمر
بالمعروفقوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ
عَنِالْجَاهِلِينَ) (الأعراف : 199)، وقد حفّ بالعرف في هذه الآية
العفووالإعراض عن الجاهلين حتى لكأنهما شرح المقصود بالعرف الذي كلف
النبي (