لم يحظَ شاعرٌ عربيّ -قديماً أو حديثاً- بما حظي به المتنبي من اهتمام ومكانة. وكثرت عنه الدراسات قديماً وحديثاً. لكن ما استوقفني في كتاب طه حسين عنه هو أطروحته المُهمَّة في هذا الكتاب والتي جعلت العودة للتراث سبيلاً إلى تمحيص الكثير من قضايا الحاضر واستخدامه كمرآة للتناظر أو التناقض بين الماضي والحاضر.
هذا فضلاً عن أن تريثه عند المتنبي -وهذا ربّما ما خرجت به من قراءتي لكتابه عنه- هو نوع من العودة إلى تأكيد خياراته الأولى منذ تمرد على ما اعتبره جموداً في الأزهر واختار أبا العلاء المعري موضوعاً لرسالته الأولى من الجامعة الأهلية عقب إنشائها. ولأنه وقد تماهى مع أبي العلاء وخصّه بأكثر من كتاب أراد أن يقيم أمامنا نقيضه المرفوض: المتنبي. ويرفع به مرآة للمُثقَّف وللعالم يرى فيها صورته أولاً قبل صورة غيره ويُسَرِّي بها عن نفسه بعد ما عانى من الكبت والظلم. فيسعده أنه لم يفعل مثلما فعل المتنبي وإنما دافع عمّا يؤمن به وتحمَّل مسؤولية رسالة المُثقَّف وتصدَّى لاضطهاد حكومة صدقي ومن ورائه الإنجليز والملك. ويكشف لنا عن أنه لا يكفي أن يكون المُثقَّف بارعاً في فنّه مسيطراً على أدواته اللُّغويّة والشعريّة وقادراً على توظيف معارفه في تجويد الشعر. وإنما لابدّ أن يصاحب هذا كلّه نزاهة الموقف ونصاعته والصدق مع النفس والاعتزاز بكرامته والترفُّع عن قول ما لا يؤمن به.
فطه حسين يهتمُّ بأثر نشأته -أو إحساسه بضعة نسبه- نفسيّاً عليه ويهتمُّ بالسياق الأوسع الذي نشأ فيه وشهد ثلاث ثورات كان القاسم المُشترك فيها هو طلب العدل الاجتماعيّ بصورة عظمت معها الشخصيّة الفرديّة في هذا السياق نشأ المتنبي: في هَذَا العصر الذي نحن بإزائه عظمت الشخصيّة الفرديّة حَتَّى انتهت من القوة إلى حدٍّ لم تبلغه قط فِي التاريخ الإسلاميّ.. ملكٌ عظيم ينقض وسلطانٌ هائل ينهار وقومٌ يتهالكون على فتات ذلك المُلك وأنقاض هَذَا السلطان فإذا وُلد فِي هذه البيئة صبي ذكي القلب مرهف الحس رقيق المزاج حاد الشعور ملتهب العاطفة قوي الخيال كان من الطبيعي أنْ يسير السيرة التي تكوِّن منه هَذَا الشخص الذي يعرف بالمتنبي (ص26). ولا يفوته طوال مصاحبة المتنبي -في مسيرته الحياتيّة والشعريّة معاً- والتوقُّف عند أحداث حياته الخصبة أو عند عيون قصائده المُختلفة على مرِّ رحلة حافلة بالإبداع الشعريّ أن ينبهنا إلى تأثير هذه العوامل السياقيّة منها أو الفرديّة على ما يواجهه المتنبي أو ما يقرأه معنا من أعماله.
ويُمحّص معنا طوال الوقت الكثير ما يُروى عنه من أقوال أو أحداث تفسّر بعض سلوكه وكثيراً من مواقفه. بدءاً من قصّة المتنبي الفتى قبل مغادرته الأولى لبغداد مع تاجر البطيخ الذي أبي أن يبيعه بطيخه بخمسة دراهم ثم باعه لتاجر بدرهمين ولما أظهر المتنبي عجبه لصاحب البطيخ من هذه الحماقة التي جعلته يرفض دراهمه الخمسة ويقبل درهمين من التاجر ردَّ عليه التاجر: ويلك إنه يمتلك مئتي ألف دينار! ويزعم الرواة على المتنبي أنه أحب المال منذ ذلك الوقت وكلف بالغنى وحرص على أن يملك مئتي ألف دينار (ص 46). ثمَّ يعرج على سجنه في شرخ الشباب حين سُجن فِي أواخر سنة ثلاث وعشرين أو أوائل سنة أربع وعشرين فِي جريمة خطيرة من جرائم الرأي قوامها الرِّدة والخروج على السلطان والدعوة إلى تسليط السيف على المُسلمين (ص86). وكيف أن تجربة السجن تلك قد علّمته الحذر وأدّت ربّما إلى نوع من انقسام النفس على نفسها تبطن غير ما تعلن. فقد تعلَّم الحذر والاحتياط ومنذ وصوله إلى الشام يظهر انقسام نفسه بين هذين النوعين من الحياة: حياة خارجيّة يجاري فيها الناس ويداريهم وحياة داخليّة يبغض فيها الناس أشدَّ البغض ويمقتهم أشنع المقت ويضمر لهم ضغينة لا حدَّ لها وعداء لا هوادة فيه (ص79).
والواقع أن انقسام النفس على ذاتها ليس بالأمر اليسير وأن له الكثير من العواقب بعضها بلا شكّ وخيم. فقد لاحظ طه حسين عواقبه على حياة شاعره -بعدما تتبَّع سيرته حتى نضج وبدأ التكسب بشعره- أنه منذ بداية مدائحه لبدر بن عمار لم تعُد حياة المتنبي منذ ذلك الوقت إلّا سلسلة متصلة من بذل هذه الكبرياء للسادة والقادة والأمراء ثمَّ البكاء عليها بعد أن يبذلها ويفرط فيها وسنرى أنَّ المتنبي لم يخرُج لبدر وأشباهه عن كبريائه وحدها بل خرج لهم كذلك عن أشياءٍ كثيرة أخرى ليست أقلّ من الكبرياء خطراً عند الرجل الكريم (ص110). ويرينا طه حسين كيف ضحَّى المتنبي في شعره -منذ بداية مسيرته الطويلة في مدح ذوي الجاه والمال- بأكثر من ماء وجهه. حينما يحلل أهمّ قصائده في مدح بدر. فيكشف لنا أن وراء ما بها من جمالٍ لفظي وسبك شعري أسمج ما كان فِي المتنبي حين كان ينشد بين يدي ممدوحيه من هذه الخيلاء التي لا تمثِّل إلّا ذلة وضعة وضعفاً وسخفاً (ص112).
ويواصل طه حسين على مد صفحات هذا الكتاب المُمتع بثّ تفاصيل أطروحته المُهمَّة تلك والتي تزداد على امتداد متابعة مسيرة الشاعر وسياقات مواقفه رسوخاً وإقناعاً. فقد مدح المتنبي الكثيرين مثل علي بن إبراهيم التنوخي والحسين بن عبيد الله الإخشيدي وأبي العشائر ومحمد الحسن بن طغج الفارسي ومساور بن محمد الرومي وصولاً إلى سيف الدولة التغلبي الذي أمضى في صحبته في حلب تسع سنين هي من أخصب سنوات نضجه بصورة تجعل مدائحه فيه ديواناً كاملاً من عيون شعر المدح العربيّ. فقد مدحه بأكثر من ثمانين قصيدة من عيون شعره وأفضله قبل أن ينتقل إلى الفسطاط ويمدح كافور لسنوات أخرى. وقد أنفق طه حسين قسماً كبيراً من الكتاب في تحليل مدحه لسيف الدولة والثناء عليه. لأن الكثير من شعر المتنبي في سيف الدولة قد أصبح من عيون الشعر العربيّ وبوأ صاحبه تلك الشهرة التي جعلته علماً من أعلامه. وإن لم يفته أن فيه كثيراً من الشعر الفاسد الذي يشير له طه حسين وهو شعر المُناسبات: هَذَا الشعر الذي ينزل فيه الشَّاعِر عن كرامته دائماً وعن مروءته أحياناً ويبيع فيه فنّه لمولاه بيعاً دنيئاً أريد به شعر المُناسبات الذي يقوله الشَّاعِر مدفوعاً إِلَيْهِ بالتملق مرّة وبالخوف مرّة أخرى وبالمُناسبة مرّة ثالثة وبالطاعة مرّة رابعة وعلى هَذَا النحو (ص219).
بعد أن تعرَّفنا في العدد السابق إلى الرحلة الصعبة التي قطعها عبدالرزاق قُرنح من زنجبار إلى بريطانيا وكيف عمل لسنوات (تومرجيّاً) حتى يوفِّر لنفسه فرصة الدراسة الجامعية لابدّ من العودة إلى السياق الذي وفد فيه إلى بريطانيا. فقد كانت سنوات الستينيات قد...
كُنت في تلك السنواتِ أبقى كثيراً في مكتب الحكيم حتى ينصرف الجميع ويصعد إليه عادةً الرسَّام صلاح طاهر من مكتبه/ مرسمه كي يوصله في طريق عودته إلى منزله وفي بعض الأحيان يوسف إدريس في الأيام التي لا يحضر فيها صلاح طاهر إلى مبنى الأهرام. ولأنني كُنت أسكن أيضاً...
03c5feb9e7