اخترتك انتي لي حروف تحميني من كل الظروف

0 views
Skip to first unread message
Message has been deleted

Agathe Thies

unread,
Jul 11, 2024, 1:17:58 PM7/11/24
to dverenoran

نُشِر الكتيِّب أوَّل مرّة في مدينة الجزائر سنة (1937) ثم في طبعة ثانية مع تقديم مطوَّل قيَّم فيه الكاتب كلّ مسيرته الأدبية سنة (1958). ولم تلقَ الطبعة المحدودة النسخ في البداية أيَّ إقبال وكادت تسقط في النسيان قبل أن يقرِّر كامو إعادة نشرها بعد طول إلحاح من أصدقائه وطول عناد منه كما يقول في مقدِّمته.

النصوص المتضمّنة في هذا الكتاب كُتبت بين سنتَيْ (1935) و(1936) كنت حينها في الثانية والعشرين من عمري. ثم نُشِرت سنةً بعد ذلك في الجزائر في عدد محدود من النسخ. هذه الطبعة لم تعد متوفِّرة ولطالما رفضت نشر طبعة جديدة.

اخترتك انتي لي حروف تحميني من كل الظروف


تنزيل https://ckonti.com/2yZnLj



لم تكن لهذا الرفض أسباب خفيّة فأنا لم أتراجع عن أيّ شيء ممّا عبَّرت عنه في هذه النصوص لكن شكلها بدا لي دائماً غير موفَّق. الأحكام التي تكوَّنت لديَّ حينها رغماً عني عن الفنّ (وسأشرح ذلك فيما بعد) منعتني طويلاً من تصوُّر إعادة النشر هذه. غرور ربما هذا الذي يجعلني أفترض أن كتاباتي الأخرى كانت موفقة. هل من الضروري أن أوضّح أن المسالة ليست كذلك إنما أنا أكثر حساسية بخصوص هفوات الظلّ والضياء مقارنةً بغيره من أعمالي الأخرى والتي لا تخفى عني. كيف يمكنني تفسير ذلك إن لم يكن بالاعتراف بأن الأولى تعني وتفضح بعض الشيء الموضوعَ الأهمّ عندي بما أن القيمة الأدبية لهذا العمل صارت محسومة يمكنني الاعتراف الآن بأن قيمة الشهادة التي يحملها هذا الكتيّب مهمّة بالنسبة إليَّ. بالنسبة إليَّ لكوني الوحيد المسؤول عمّا يتضمَّنه ولأنني الملزم أمامه بنوع من الوفاء أنا وحدي أقدِّر عمقه وصعوبته. بودِّي أن أوضِّح السبب. يدّعي بريس باران(1) دائماً أن هذا الكتاب هو أحسن ما كتبت. باران مخطئ لا أقولها -وأنا أعلم مدى صدقه- بسبب ردّ الفعل المتسرِّع الصادر عن كلّ فنّان في مواجهة تطاول أولئك الذين يفضّلون ما كان على ما هو كائن بل هو مخطئ لأننا في سنّ الثانية والعشرين ماعدا حالة الموهبة الخارقة لا نكاد نعرف الكتابة. لكني أتفهَّم ما أراد العدوّ العارف للفنّ وفيلسوف التعاطف باران قوله. كان يقصد -وهو محقّ- أن في هذه الصفحات المفتقدة للمهارة من الحبّ الصادق أكثر ممّا في كلّ الأعمال التي تلتها.

كلّ فنّان يحتفظ في جوهره بنبع فريد يغذّي طيلة حياته ماهيَّته وما يصدر عنه. حين يجفّ هذا النبع تتصلَّب العبقرية تدريجيّاً وتتشقَّق. إنها البقاع القاحلة من الفنّ التي توقَّف ذلك المجرى الخفيّ عن ريّها. حين يصير الشَّعر نادراً عاصياً ويغطِّيه الشيب يصير الفنّان ناضجاً من أجل الصمت أو المجالس الأدبية وهما سيّان. أمّا أنا فأعرف أن منبعي يوجد في الظلّ والضياء في عالم الحاجة والنور الذي عشت فيه طويلاً والذي تحميني ذكراه من الخطرَيْن المتعارضَيْن المحدقَيْن بالفنّان(2): النفور والإشباع. بدايةً الفقر لم يكن أبداً محنة في حياتي فالنور كان يشملها بنعمه. تمرُّدي نفسه كان متبصِّراً بفضله. كان في معظمه (يمكنني التصريح بذلك دون خداع) تمرُّداً من أجل الجميع ومن أجل أن تقوم حياة الجميع في النور. ربَّما لم يكن قلبي مهيَّئاً بشكلّ تلقائي لهذا النوع من الحبّ. لكن الظروف أهَّلتني لذلك. لتصحيح لامبالاة طبيعية وجدتني على مسافة متساوية بين الفاقة والشمس. الحاجة منعتني من الاعتقاد الخاطئ أن كلّ شيء في التاريخ يسير على ما يرام تحت الشمس. فيما علَّمتني الشمس أن التاريخ ليس كلّ شيء. أن أغيّر حياتي نعم لا العالم الذي جعلت منه عقيدتي. هكذا بدون شكّ افتتحت هذا المسار المتعب الذي أنا عليه اليوم حيث انطلقت ببراءة على خطّ توازن أتقدَّم فيه بصعوبة دون التأكُّد من بلوغ الهدف بعبارة أخرى أصبحت فنّاناً إذا كان صحيحاً أنّ لا فنّ بدون رفض وبدون موافقة.

في جميع الحالات إن الدفء الذي ساد طفولتي منعني من كلّ إحساس بالاستياء. عِشت في ضيق لكن في نوع من المتعة أيضاً. كان لديَّ إحساس بقوى لامتناهية توجب عليَّ فقط أن أحسن توظيفها. لم يكن الفقر هو العائق أمام هذه القوى. ففي إفريقيا البحر والشمس مجّانيّان. إنما كان العائق في الأحكام الجاهزة أو في الغباوة إذ كانت أمامي كلّ شروط تطوُّر طبيعتي القشتالية التي تسبَّبت لي بالكثير من الضرر والتي سخر منها عن صواب أستاذي وصديقي جان كرونييه(3) وحاولت تقويمها بلا جدوى حتى اللحظة التي أدركت فيها أن الطباع أيضاً حتمية. كان من الأفضل إذن تقبُّل الكبرياء الشخصي واستغلاله بدلاً من اتِّخاذ مبادئ أقوى من شخصية المرء كما يقول شامفورت(4). لكن وبعد مساءلة ذاتي يمكنني أن أؤكِّد أنه من بين عيوبي الكثيرة لا يوجد العيب الأكثر انتشاراً بيننا أعني الرغبة السرطان الحقيقي الذي ينخر المجتمعات والمذاهب.

الفضل في هذه الحصانة الممتعة لا يرجع إليَّ. أنا مدين في ذلك أوَّلاً لمحيطي الذي كان يفتقد كلّ شيء تقريباً دون أن يشتهي أيّ شيء تقريباً. هذه الأسرة التي لم تكن تعرف حتى القراءة أعطتني من خلال صمتها وتحفُّظها وكبريائها الطبيعي الهادئ أسمى الدروس التي حصلتُ عليها والتي يستمرّ مفعولها إلى اليوم. إلى جانب كلّ هذا كنت منشغلاً بالاستمتاع بهذه الأشياء عن الحلم بشيء آخر.

مازلت إلى اليوم عندما أرى حياة عائلة ثريّة في باريس أشعر بالشفقة حيال العزلة التي توحي لي بها هذه الحياة. هناك الكثير من الحيف في هذا العالم لكنّ هناك نوعاً منه لا يُطرق أبداً وهو المرتبط بالمناخ. وقد كنت دون علمي ولمدّة طويلة أحد المستمتعين به. تصلني حيث أنا مؤاخذات الخيّرِين الشرسين. فأنا أبدو كأنني أريد تصوير العمّال الفقراء كأغنياء والبورجوازيِّين كفقراء من أجل الحفاظ لمدّة أطول على العبودية السعيدة للبعض وعلى السيطرة للبعض الآخر. لا ليس هذا قصدي. على العكس من ذلك عندما يقترن الفقر بحياة بلا أفق ولا أمل والتي اكتشفتها في الضواحي الرهيبة لمدننا عند بلوغي سنّ النضج فإن هذا الإجحاف الأكثر إثارةً للاشمئزاز يصبح مستنفذاً. ينبغي القيام بأيّ شيء حتى يمكن لهؤلاء الإفلات من الإذلال المزدوج للبؤس والقبح معاً. ومع أني وُلدت فقيراً في حيّ عمّالي لم أعرف معنى البؤس قبل التعرُّف إلى ضواحينا الباردة.

البؤس العربي الشديد نفسه لا يمكن مقارنته بهذا الوضع مع مراعاة اختلاف الأجواء. لكن بمجرد التعرُّف على الضواحي الصناعية أظنّ أن الإنسان يشعر بأنه مدنَّس إلى الأبد وأنه مسؤول عن وجودها.

ألتقي في بعض المناسبات أصحاب ثروات لا يمكنني حتى تخيُّلها. لكن الأمر يتطلَّب مني جهداً كبيراً لفهم كيف يمكن للمرء أن يحسد هؤلاء الأثرياء. منذ زمن بعيد عشت ثمانية أيّام مغموراً بنعَم هذا العالم نمنا على شاطئ تحت أديم السماء كنت أتغذّى على الفواكه وأقضي نصف يومي في مياه خالية من البشر. تعلَّمت في ذلك الوقت حقيقة جعلتني أتلقّى دائماً مظاهر الرفاهية أو الاستقرار باستهزاء ونفاد صبر وأحياناً بغضب. على الرغم من أنني أعيش الآن بلا قلق على المستقبل أي في حظوة لكنني لا أعرف كيف أتملَّك. ما أملكه والذي يقدَّم لي دائماً دون سعي مني لا أحتفظ منه بأيّ شيء. وهذا فيما يبدو ليس بسبب البذخ بقدر ما هو ناتج عن شكلّ آخر من البخل أنا بخيل بهذه الحرِّيّة التي تندثر عندما تبدأ المبالغة في التملُّك. أعظم الكماليات لم تتوقَّف بالنسبة إليَّ عن التوافق مع نوع معيَّن من العوز. أحبّ المنازل العربية(5) والإسبانية الخالية من أيّ اثاث. فالمكان الذي أفضِّل العيش والعمل فيه حيث لا أكترث للموت (وهذا شيء نادر) هو غرفة الفندق. لم أتمكَّن أبداً من الاستسلام لما يسمّى الحياة البيتية التي غالباً ما تناقض الحياة الداخلية للشخص السعادة المسمّاة (بورجوازية) تضجرني وترعبني. هذا العجز عن التكيُّف لا يشكِّل أيّ مدعاة للفخر فقد ساهم بقسط وافر في تغذية نقائصي. أنا لا أشتهي أيّ شيء علماً أن هذا الاشتهاء من حقّي لكني لا أحفل كثيراً برغبات الآخرين وهو ما يفقدني بعض الخيال أي اللطف. صحيح أني اتَّخذت حكمة لاستخدامي الشخصي: ينبغي إعمال المبادئ في القضايا الكبرى أمّا بالنسبة إلى الصغرى فالرفق يكفي.مع الأسف نتَّخذ لنا حِكماً لسدّ الثقوب التي تعتري طبيعتنا الشخصية. الرفق الذي أتحدَّث عنه يسمّى اللامبالاة وآثاره فيما يبدو ليست أقلّ روعة.

03c5feb9e7
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages