ان القارئ للقرآن الكريم يشعر بانسجام صوتي بين آياته وذلك من خلال نغم خفي يشعر به ولا يعرف مصدره ولا يدري هل من سجع أتى هذا النغم أم من وزن وقافية أم من ماذا!وهل سبب ذلك النغم الخفي الذي يشدنا نحو هذا الكلام العزيز نستمع اليه بإنصات فتخشع نفوسنا له وتشعر بالهدوء والسكينة وتظل في حيرة من أمرها من أين أتى هذا الهدوء وهذه السكينة التي أذهبت عن أنفسنا الحزن! لابد أن هناك علة صوتية تفسر لنا هذا الحدث هل هناك قافية شعرية أو وزن ثابت من بحور الشعر سار عليه النص القرآني فقام مؤلف الكتاب تتيع النص الكريم فلم يجد هذه الصفة أو تلك فتعالى الله وكلامه عن هذا وذاك.وهل يهدينا السير وراء قضية الفونيمات فوق التركيبية الى سبب هذا النغم او الانسجام الصوتي.لهذا فكر المؤلف في دراسة هذه القضية واستجلاء امرها من خلال سورة الواقعة لما شعرنا به نغم خفي عند سماع تلك السور الكريمة لنرى كيف يتحقق هذا الانسجام وما اسبابهان هذا الانسجام الصوتي في القرآن الكريم لم يأت من هذا لأنه ليس شعرا وليس نثرا وبالجملة ليس قول بشر بل هو قول رب العالمين الذي علم البشر كيف ينطقون وكيف لا وهو خالقهم من قبل ولم يكونوا شيئاً فقد خلق سبحانه وتعالى الإنسان وعلمه البيان.وقد حار في سبب هذا النغم العلماء فقالوا: أنه جاء من اتحاد المقاطع أو النبر أو اتفاق الفواصل أو من طول الجمل أو التناسق الدقيق بين الألفاظ داخل الجمل والمعنى أو التناسق الصوتي الداخل في كل آية لتحقيق النغم الداخل مع التناسق الصوتي الموجود مع كل فاصلة واختها.لقد كانت الغاية من هذا العمل إجلاء الحقيقة عن بعض النور الذي في النص القرآني. ...read more Format ebook
يقوم هذا البحث على إبراز دور النَّبر في ضبط القراءة الصحيحة من أجل استقامة الفهم الصحيح لِما يُقرأ ويُرتَّل من آيات القرآن الكريم وكشف صحّة تلاوة القرَّاء المجوِّدين ومدى مراعاتهم لمواضع النَّبر . وسنتناول النَّبر في ثلاثة محاور أولها تنظيري بعنوان: (النبر: المفهوم والمصطلح) وثانيها: (النبر على مستوى الحركات والحروف) وثالثها: (نبر المجموعة الكلاميّة), وتمّ تطبيق ذلك من خلال نظرية الميزان النّظريّ واستقامة الأداء القرآنيّ لصاحبها الدكتور وليد مقبل الديب.
وفي هذه المحاور سوف ندرس قراءات خمسة من قرّاء ومجودي القرآن المحدثين في الوطن العربي موازنًا بين المعايير التي اشتملت عليها نظرية الميزان النبري وأداء القرّاء في من جهة التزام القرّاء بتلك المعايير أو عدمه معرّجًا على تغيير الدّلالة في حال مخالفة المعايير.
لولا الحركات, لِما كان هناك كلام , فلا يُمكن للفمّ أن يُفتح ناطقًا دونها, فالحركة أُمّ الكلام الذي ليس سوى صوائت منظّمة دالة, تنطلق بها. ويعود سبب نيل الحركات هذه المرتبة بين الأصوات, إلى ما تتمتّع به من ملامح في النُّطق والسّمع, فهي أصوات مجهورة , لا يعترض الهواء في أثناء النُّطق بها أيّ عائق , فيمرّ حُرًّا طليقًا , وهي أوضح الأصوات اللُّغويّة في السّمع.
وتُعدّ الحركات وظيفيًّا مقطعيّة, بمعنى أنّها أشدّ مكوّنات المقطع الصَّوتي وضوحًا في السّمع, أو أنّها العنصر الذي يقطع نبضات النَّفَس في مسيرة نُطق المقطع, والحركة هي جزء من أجزاء النّبر التي تقف عليه الكلمة لأنّ ((نطق اللغة لا يكون صحيحًا إلا إذا روعي فيه موضع النبر))([1]), فالقرّاء القدامى كانوا ينبرون الآيات من دون عناء ويرتفع صوتهم إذا لزم الأمر لكن بالنَّظر إلى مستوى القراءة اليوم نجد أن عدم وضع النَّبر في مكانه الصحيح يؤدِّي إلى كثير من الغلط وسوء الفهم.
وعلى الرغم من أهمّيّة النَّبر التي تتمثَّل في إظهار وضبط معنى القراءة إلاّ أنّنا وجدنا أنّ الكتابة العربيّة تخلو من رمز يُشير إلى مواضعه ولأنّ النَّبر يؤخذ بالتلقِّي في تلاوة القرآن الكريم فإنّ المصحف الكريم يخلو من رمز تجويدي ذهب إلى مواضعه يقول إبراهيم أنيس: ((ليس لدينا من دليل يهدينا إلى موضع النبر في اللغة العربية كما كان ينطق بها العصور الإسلامية الأولى إذ لم يتعرض له أحد من المؤمنين القدماء))([2]).
وإذا كان النبَّر لا يأتي عند اللُّغًوييِّن إلاّ عارضًا فإنّ ذكره لا يأتي إطلاقًا عند فقهاء وعلماء التجويد وذلك رغم أهمّيّته في توضيح الكثير من معاني آيات القرآن الكريم . فإذا كان معنى الترتيل أو التجويد هو القراءة مع التدبّر والتفكير والاستنباط كما جاء عن علماء اللُّغة فإنّ الفهم الكامل بدوره لا يأتي إلاّ إذا كانت القراءة صحيحة .
لذا فهذا المبحث سوف يقوم بإبراز دور النَّبر في ضبط القراءة الصحيحة من أجل استقامة الفهم الصحيح لِما يُقرأ ويُرتَّل من آياته وكشف صحّة تلاوة القرَّاء المجوِّدين ومدى مراعاتهم لمواضع النَّبر لآيات القرآن الكريم .
وردت كلمة النَّبر عن العرب بمعانٍ كثيرة من أبرزها: (الهمز وشدّة الصِّياح والعلوّ) لأنّ العرب يقولون: نَبَرَ فلان إذا هو هَمَزَ في كلامه جاء في لسان العرب النَّبر مصدر نَبَر الحرف ينبره نبرًا أي هَمَزَه والمَنْبُور: المَهْمُوز والنَّبرَة الهَمْزَةُ([3]). وذُكر النَّبر بمعنى الهمز عند علماء التجويد ووقع هذا الذِّكر في قصيدة أبي مزاحم الخاقاني التي تُعدُّ أوّل من أُلف في التجويد فقال:
ومن معاني النَّبر (العلوّ والارتفاع) جاء عند الخليل في كتابه العين أنّ المنبر سُمِّي منبرًا لارتفاعه وعلوه ورجلٌ نبَّار بالكلام: فصيح بليغ يقال: نَبَرَ الرَّجُلُ نَبْرةً إذا تَكلَّمَ بِكَلِمَة فيها عُلُوٌّ([5]).
ويبدو لنا من خلال ما تقدّم من معاني (النَّبر) أنّ ثَمّة عناصر حسيّة معنويّة مرتبطة بالمعنى اللُّغويّ للنبر منها: الهمز بمعنى الضَّغط والشِّدّة وارتفاع الصَّوت وبمعنى أدقّ كلّ شيءٍ ارتفع من شيء فهو نبر. أمّا مسألة اختيار الهمز من دون غيره من الأصوات ليكون مرادفًا للنبر فيعود إلى أنّ هذا الصّوت متميِّز بميزات متوفِّرة في الأصوات الأخرى ولهذا يقول عبد القادر عبد الجليل: ((إن النبر هو المكافئ للهمز كما جاء عند العرب قديمًا وإن كليهما يتطلب نشاطًا متَّحدًا من أعضاء النُّطق (الرئتان عضلات الصدر أقصى الحنك الشفتان واللسان الحجاب الحاجز) مما يؤدي إلى تعاظم مساحة في الذبذبات الصوتية))([6]).
النّبر ظاهرة صوتيّة لُغويّة مثل باقي الظواهر الصّوتيّة اللُّغويّة الأُخرى التي تُصنّف في الدَّرس الصَّوتي لدى المحدثين في مجال الفونيمات الثانويّة (التنغيم والنَّبر) ولا تقلّ أهمّيّتها الوظيفيّة الأخرى لذا لاقت اهتمامًا ملحوظًا عند اللُّغوييّن المحدثين بيد أنّ هذه الفونيمات لم تَحْظَ بعناية كبيرة عند القدامى كما حظيت غيرها من الظّواهر الأخرى. وقد برز الاهتمام عندنا بدراسة النَّبر في اللُّغة العربيّة دراسة صوتيّة تطبيقيّة ونظرًا لحداثة هذه الظاهرة في اللُّغة العربيّة فقد حظيت بتعريفات كثيرة سواء كانت تلك التعريفات مترجمة أم مجمعة من تعريفات أخرى فمعنى النبر عند (ماريو باي) أنّ مقطعًا من بين مقاطع متتابعة يُعطى مزيدًا من الضَّغط والعلوّ.([7]) وأمّا تمام حسّان فيعرّفه بأنّه: ((وضوح نسبي لصوت أو مقطع إذا ما قورن ببقيّة الأصوات والمقاطع في الكلام))([8]). أمّا الخولي فيعدّه قوّة التلفُّظ النَّسبيّة التي تُعطى للصّائت في كلّ مقطع من مقاطع الكلمة أو الجملة([9]). وهو عند كمال بشر: ((ظاهرة صوتيّة تصحب مقطعًا أو أكثر من مقاطع الكلمات والنَّبر معناه: نطق مقطع من مقاطع الكلمة بصورة أقوى وأوضح نسبيًا))([10]).
59fb9ae87f