أثار مسلسل "الدامة" الذي يعرض على التلفزيون الرسمي في الجزائر خلال شهر رمضان جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي إذ يرى منتقدوه أنه "لا يتماشى مع القيم والمعايير الأسرية" ويعتمد على لغة حوار وصفوها بأنها "سوقية وعنيفة" فيما يقول مؤيدوه إنه "يصور جزءاً من الواقع".
يسلط المسلسل الضوء على الثقافة الشعبية في الجزائر العاصمة وتفاصيل المعيشة اليومية من خلالها صراع الأيديولوجيات من أجل الكسب كما يعالج قضايا الجريمة وترويج المخدرات في المدارس بحي باب الواد والذي يعد أحد أعرق الأحياء الشعبية بالعاصمة.
و"الدامة" عبارة عن لعبة شعبية يستخدم فيها اللاعبون قطع أحجار صغيرة يتم تحريكها على الأرض داخل دائرة مخططة تحدد فيها منطقة تحرك كل منافس.
النائب عمر معمر عضو لجنة التربية في مجلس النواب اعتبر أن "المسلسل يشجع على ترويج الممنوعات في الأوساط المدرسية بتصويرها طريقاً للكسب السريع دون معالجة أخطار الظاهرة".
في المقابل يدافع صناع العمل ونقاد ومشاهدون عن المسلسل الذي تصدر نسب المشاهدة في الأسبوع الأول من رمضان واعتبروا أنه "يعكس جزءاً من الواقع في قالب فني يضمن متعة المشاهدة" واصفين الانتقادات التي تعرض لها ووصلت إلى حد المطالبة بوقف عرضه بأنها "محاولة لكسر الإبداع والفن".
مزاحم شدد على أن المسلسل يناقش موضوعات وقضايا يعيشها المجتمع بشكل عادي كما شدد كذلك على أنه "لا يروج لها أو يقصد منها توجيه إساءة للجزائريين".
وأوضح مخرج مسلسل "الدامة" أن العمل في بداياته ومن الغير المعقول إصدار أحكام نهائية عليه خاصة أن المسلسل سيشهد تطورات عديدة.
ودافع يحيى مزاحم عن لغة المسلسل والتي أثارت تحفظات على موقع التواصل الاجتماعي واعتبرها كثيرون "لغة شارع" بقوله: "هذه هي لغتنا اليومية التي نعرفها نتحدث بها في أحيائنا الشعبية".
في السياق نفسه أثار ظهور جدار بأحد الأسواق في العاصمة مكتوب عليه اسم حركة انفصالية تصنفها الجزائر "حركة إرهابية" وهي "حركة تقرير مصير منطقة القبائل (ماك)" في أحد المشاهد ردود فعل رسمية.
وطلبت سلطة ضبط السمعي البصري من التلفزيون الجزائري تقديم توضيحات عن المشهد وأكدت أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة في ضوء ما سيقدمه التلفزيون من توضيحات.
وبعد صدور بيان سلطة الضبط انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر فيه مخرج المسلسل وهو يوضح أن العمل لا يروج للحركة التي يعتبرها "حركة إرهابية" مؤكداً أن ظهور شعارها "خطأ غير مقصود".
محمد بوسليماني وزير الاتصال الجزائري (وزير الإعلام) أعلن خلال جلسة علنية مخصصة لطرح الأسئلة الشفوية بمجلس النواب الخميس أن "سلطة الضبط في إطار أنشطتها الاستباقية دعت مسؤولي القطاع إلى ضبط برامجهم واحترام خصوصيات الشهر الفضيل وعدم الانزلاق وراء الربح".
وقال رداً على سؤال بشأن "ترويج بعض القنوات التلفزيونية بعض الآفات الاجتماعية عبر البرامج التي تبث خلال رمضان ومن بينها مسلسل (الدامة)" إن الهيئة دعت إلى "تفادي الإثارة ومظاهر العنف بكل أنواعه واحترام المرجعية الدينية الوطنية وتقديم خدمة إعلامية ترقى إلى تطلعات العائلات".
لكن تلك الطفرة شهدت لأول مرة جدلاً واسعاً حول المحتوى المقدم في هذه الأعمال خاصة مسلسل الدامة المستوحى عنوانه من لعبة شبيهة بالشطرنج الذي عاد إلى المواضيع الاجتماعية ومشكلات الطبقات الهشة والمنسية موغلاً في أزمات تجارة المخدرات وجنوح الأحداث وعصابات الأحياء.
لكن ذلك النجاح القياسي وجد نفسه في مرمى نيران كثيفة من كل الاتجاهات يشبه إلى حد ما إطلاق النار على سيارة الإسعاف.
الحق أن هذه الموجة الجديدة من الإنتاج الدرامي الجزائري تأسست فوق رصيد سابق حينما قدم مسلسل أولاد الحلال المصور في حي الدرب بوهران الدرس منذ 3 سنوات كاملة مستلهمة من قصة نجاح مسلسل أولاد الحلال الذي كان ثمرة تعاون جزائري تونسي.
تمكن مسلسل أولاد الحلال من تقديم صورة يوميات سكان حي الدرب في وهران بأسلوب واقعي على منوال مغاير لما كان مألوفاً من معالجات درامية سطحية أو مرتبكة بفعل الارتجال وغياب المنافسة وتحاشي الخوض في طابوهات المجتمع فغاص في مواضيع الصراع الطبقي والجنوح والفقر والتهميش في الحارات العميقة للبلاد.
فشهد الإنتاج الموسمي الخاص بشهر رمضان تطوراً ملحوظاً في تشخيص الواقع وعلى هذا النحو تماماً استفادت موجة المسلسلات الدرامية الجديدة من عمق الاشتغال على الشخصيات والتصوير الممتاز والصورة المجودة والسينوغرافيا القريبة من بصر المشاهد.
عبّر الناقد السينمائي اللبناني الشهير خليل حنون في منشور على صفحته عن تفاجئه من التصوير الجيد وعمق الممثلين والكاستينغ الجيد وبروز ممثلين أطفال يرتجى منهم الكثير في مجال السينما في قادم الأعمال وطبيعي أن يستأثر طرح مشكلات يومية باهتمام ملايين المشاهدين بقصص تروي واقعهم القريب منهم وتعرض نماذج تحقق خاصية التعرف المحلي على الذات بعيداً عن مسلسلات القصور الفخمة والعائلات الأرستقراطية.
إلاّ أن هذه الطفرة التي تقدم منتجاً درامياً يخلو من مظاهر العري وخدش الأخلاق والإسفاف قابلتها وللمفارقة الكبيرة انتقادات لاذعة من جزء من الجمهور الجزائري الذي هاجم طرح موضوع المخدرات بشكل اعتبره مهدداً للأخلاق العامة لما ينطوي عليه من مشاهد عنف تساهم في التطبيع مع الجريمة.
وغالى آخرون في الاعتقاد بأن ترويج هذه النماذج مؤامرة تستبيح روح المجتمع وتمس بالثوابت الدينية ولا أدلّ على ذلك وفق ما يردده هؤلاء ظهور شعار حركة ماك الانفصالية مرسوماً بجدار في مشهد خارجي تم تصويره في سوق بحي باب الواد الشعبي.
ما استوجب على سلطة الضبط توجيه استفسار للتلفزيون العمومي الذي يبث المسلسل عن سر ظهور الشعار للتنظيم الذي يتزعمه المغني السابق فرحات مهني والمطالب باستقلال منطقة القبائل والمصنف من قبل السلطات الجزائرية تنظيماً إرهابياً.
لقد أجج التحجج السياسي تحججاً أخلاقياً من نوع آخر فطالب جزائريون بوقف بثه وشطبه من منصة اليوتيوب لما يحتويه من إشادة بالأبطال المنحرفين وتأثيره السلبي على الأطفال والمراهقين وتشويه الحجاب في إشارة لجريمة قتل ارتكبها تلميذ ضد زميله جراء تنمّره على والدته التي تشتغل منظفة بيوت لتوفير لقمة العيش لولديها وحماية لهما من الشرور المحيطة بهم في حارة تعيش مثل أغلب حارات الجزائر أوضاعاً معيشية صعبة.
سرعان ما شكل هذا التناول مادة دسمة لجزء من الرأي العام الذي شرع في محاكمة أخلاقية للمحتوى الهدام ومهاجمة ممثلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي خاصة أن إحدى بطلات الفيلم وهي فتاة محجبة جسّدت دور بائعة ممنوعات.
وإزاء تلك الهجمات التي وصلت قبة البرلمان الجزائري حيث نحا بعض النواب موقف الجمهور المعارض لتخرج بطلة الفيلم ريم تاكوشت بتصريح مضاد ردت فيه بأن المسلسل لم يخترع جديداً ولم يتجنَّ على القيم لتناوله مواضيع حساسة يعيشها المجتمع الجزائري وجب التنبيه لها ودق ناقوس الخطر بدل التعامل معها تعامل النعام بدس الرأس في التراب حتى ولو تضمنت مشاهد عنيفة بما أن تعاطي المخدرات مشكلة تتربص بالشبان الجزائريين.
fc059e003f