من المعلوم أن حياة لوبون الطويلة أتاحت له أن يشهد انتصار العلم في أواخر القرن التاسع عشر وأزمات الأنظمة الديمقراطية البرلمانية وبزوغ نجم الاشتراكية ثم ظهور تلك القوى الشعبية التي رافقتها وأقلقته كثيراً على ضوء هذا السياق يمكن الاقتراب أكثر وفهم فكر لوبون الذي إستطاع بلورة نظريته المتعلقة بسيكولوجية الشعوب أو نفسية الشعوب والأعراق البشرية. لقد أصبحت الجماهير بالنسبة لغوستاف لوبون حقيقة واقعة لذا فقد تناول بالدراسة ظاهرة الجماهير بطريقة علمية على ضوء علم النفس وكانت فكرته الأساسية في نظريته تلك تركز على أن كوارث الماضي القريب التي منيت بها فرنسا وكل هزائمها والصعوبات التي تواجهها تعود إلى هجوم الجماهير على مسرح التاريخ وعدم معرفة مواجهته والذي يفسر بأن ضعف النظام البرلماني الديمقراطي يعود إلى الجهل بقوانين علم النفس وطرائق تسيّر الجماهير.
معروف أن علم النفس يهتم عادة بدراسة النفسية الفردية وقائم على إستبطان الذات الفردية لا الجماعية أما علم النفس الإجتماعي فهو العلم الذي يدرس سلوك المجموعات في المجتمع وليس الأفراد وإزدهر بعد الحرب العالمية الثانية وهنالك تكامل تام بين العلمين علم النفس الفردي يكمله علم النفس الإجتماعي لأنه من المستحيل عزل السلوك الفردي عن محيطه الإجتماعي.ولكن الشيء المتفق عليه بين علماء النفس بمن فيهم فرويد أن الفرد ما أن ينخرط في مجموعة محددة حتى يتخذ سمات خاصة لم تكن موجودة سابقاً أو قيل عنها كانت موجودة لكنه لم يتمكن من البوح بها لذلك يمكن القول بأن علم النفس الإجتماعي يختلف عن علم النفس الفردي من حيث المنهج والنتائج.لعلم النفس الإجتماعي تاريخاً طويلاً يمكن أن نعود به إلى أقدم الفلاسفة في العصور مثل أرسطو وأفلاطون مروراً بالمفكر العربي ابن خلدون الذي درس مسألة إنحطاط الدولة الإسلامية في إسبانيا في القرن الرابع عشر. ينبغي التفريق بين علم النفس الإجتماعي وعلم النفس الجماعي فالثاني هو فرع للأوّل فعلم النفس الإجتماعي يبحث في العلاقة بين الفرد والمجتمع أما علم النفس الجماعي هو الذي يبحث عن مسألة الجاذبية الساحرة التي يمارسها القادة على الشعوب وهو الذي يشرح السلوك الحماسي للأفراد عندما ينخرطون في المجموعات ويقومون بأفعال لا يعلمونها إلا بعد أن يستفيقوا.أثناء دراسته لعلم النفس إصطدم لوبون بمسألة الجماهير وأمرها خصوصاً الجماهير المتمثلة في الحركات الشعبية والإرهاب وقد عرف لوبون كيف يركز إنتباهه ويتناوله من وجة نظر غير السائدة ويبني عليها نظرية متكاملة ومتماسكة فقد إبتدأ لوبون بتشخيص أوضاع الديمقراطية البرلمانية التي تولدت عن الثورة الفرنسية. لوبون كان يشعر بالإحتقار نحو الجماهير الشعبية لأن روح الجماهير مكونة من الانفعالات البدائية التي دائماً ما تكون بعيدة عن المنطق والعقلانية وكما أن روح الفرد تخضغ دائما لإيعازات وتحريضات القادة الذي يعرف كيف يفرض إرادته عليها. وفكرة لوبون بشكل مبسط هي أن كل الهزائم التي لحقت بفرنسا كان سببها هجمة الجماهير على مسرح التاريخ. كانت أطروحات وأفكار لوبون ضد الحركات الإشتراكية والعمالية التي كانت تعتقد أن الحراك الجماهيري هو حراك عقلاني ولوبون كان يعتقد غير ذلك.
توطئة الكتاب كتبها أستاذ علم النفس الكندي أوتو كلينبيرج [الإنجليزية] كلينبيرج يرى أن هنالك إنتقادات كثيرة يمكن أن توجه لهذا الكتاب أهمها طريقة توظيف لوبون لمفهوم العرق والجنس الذي يعتقد بأن روح العرق تهيمن على روح الجماهير. وأن لوبون يعترف باللاوعي في سلوك الجماهير وأن هنالك تطرف يصحب الجمهور كالعادة نصح اوتو كلينبيرج بقراءة الكتاب بروح نقدية. إن مجمل الخصائص المشتركة للفرد والمفروضة من قبل الوسط المحيط تشكل خصائص وأخلاق ثابتة للشعب لكن هذه الخصائص تضاف إليها بعض الخصائص الجديدة عندما يكون الفرد وسط الجمهور.
عصر الجماهير يرى لوبون أن الجماهير تعتبر القوى المهمة في هذا العصر لكن يجب أن يدرك البعض بأنها دائماً غير عقلانية وهدامة ودورها دائماً لا يكون في البناء إنما في الهدم لأن معظم الحضارات تمّ بنائها من قبل قلة أرستقراطية قليلة وليس من قبل الجماهير وأن كل الحضارات التي دمرت كان الدور الأكبر في تدميرها تلعبه الجماهير.
ما مدى تعقُّل تلك الإرادة واتزانها أهي التي تقود حركة التاريخ أم أنها مجرد صدى لإرادة الزعيم الذي يعطيها حركتها ووجهتها
تلك هي بعض التساؤلات الكبرى التي يثيرها غوستاف لوبون الذي يُعتبر مؤسس "علم نفسية الجماهير" في كتابه الأشهر "سيكولوجيةٍ الجماهير". وبشأن هذا الكتاب نفتح من هنا نافذة لنسلط الضوء على أبرز ما فيه.
لا بد من الإشارة بداية إلى أننا لا نستطيع الفصل بين هذا الكتاب والظروف التاريخية التي ساهمت في بلورة فكره. فقد صدر الكتاب عام 1895 وكان قد مضى آنذاك أكثر من قرن على انطلاق الثورة الفرنسية التي شكلت منعطفا هاما في تاريخ القارة الأوروبية والعالم وكانت تداعياتها وارتداداتها مستمرة لم تنته وقتذاك. وتجلى في تلك المرحلة هجوم الجماهير على مسرح التاريخ بشكل أثار ملاحظات عديدة لدى لوبون ودعاه إلى دراسته ومحاولة فهمه.
والجمهور الذي تناوله لوبون بالدراسة في كتابه لم يقصد به مجرد مجموعة من الأفراد يجدون أنفسهم متجمعين إلى جانب بعضهم بعضا عن طريق المصادفة من دون أي هدف محدد وإنما عنى به "الجمهور النفسي" الذي يتشكل من خلال تعاطي أفراده مع قضايا مشتركة بشكل يخضعون خلاله لتأثيرات مشتركة ومعه تغدو الميزة الأساسيّة للجمهور هي انصهار أفراده في روح مشتركة وعاطفة مشتركة تقضي على التمايزات الشخصية وتخفض من مستوى الملكات العقلية. وهذا يعني أن الروح الجماعية التي تسودهم تجعلهم يحسون ويفكرون ويتحركون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان سيحس ويفكر ويتحرك بها كل فرد لو كان معزولا.
مع هذه الحالة التي يبينها الكاتب يجد أن الشخصية الواعية للفرد تتلاشى ويصبح سلوكه شبيها بسلوك شخص خاضع لحالة تنويم مغناطيسي. ويتعاظم دور الخيال والإثارة والعاطفة في تحريك الجمهور في حين يتراجع في ذلك دور العقل والمحاجات العقلية.
وجمهور هذه حاله يمكن له بحسب ما يرى لوبون أن يسير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ. وكل شيءٍ يعتمد على الطريقة التي يتم تحريضه أو تحريكه بها. وهذه هي النقطة التي جهلها الكتّاب الذين لم يدرسوا الجماهير من وجهة نظر الجرائمية. فصحيح أن الجماهير كثيرا ما تكون مجرمة ولكنها كثيراً ما تكون أيضا بطلة. فمن السهل اقتيادهم إلى المذبحة والقتل باسم انتصار عقيدة إيمانية أو فكرة ما ومن السهل تحريكهم وبث الحماسة في مفاصلهم من أجل الدفاع عن المجد والشرف. وبالإمكان تجييشهم واقتيادهم من دون خبز وسلاح تقريبا كما حصل أثناء الحروب الصليبية وهذا يعتمد إلى حد بعيد على شخصية القائد وهيبته وفهمه لنفسية الجماهير وقدرته على إدارتها وتوجيهها.
2202eab449