أما بعد: فإنَّ الله شَرَعَ دينه بإنهاج سُبُله وإيضاح معالمه بإظهار فرائضه وبَعَثَ رسله إلى خلقه دلالة لهم على رُبُوبيَّته واحتجاجًا عليهم برسالاته ومُقَدِّمًا إليهم بإنذاره ووعيده ليهلك مَنْ هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ثم خَتَمَ بنبيه ﷺ وحيَهُ وقَفَّى به رُسله وابتعثه لإحياء دينه الدارس مرتضيًا له على حين انطمست له الأعلام مختفية وتشتت السبل متفرقة وعفت آثار الدين دراسة وسطع رهج الفتن واعتلى قتام الظلم واستنهد الشرك وأسدف الكفر.
الحمد لله العلي مكانه المنير برهانه العزيز سلطانه الثابتة كلماته الشافية آياته النافذ قضاؤه الصادق وعده الذي قدر على خلقه بملكه وعز في سماواته بعظمته ودبر الأمور بعِلْمِهِ وقَدَّرَها بحكمه على ما يشاء من عزمه مُبتدعًا لها بإنشائه إياها وقُدرته عليها واستصغاره عظيمها نافذًا إرادته فيها لا تجري إلا على تقديره ولا تنتهي إلا إلى تأجيله ولا تقع إلا على سبق من حتمه كُلُّ ذلك بلطفه وقدرته وتصريف وحيه لا معدل لها عنه ولا سبيل لها غيره ولا علم أحدٌ بخفاياها ومعادها إلا هو فإنه يقول في كتابه الصادق: وَعِنْدَه مَفَاتِحُ الْغَيْبِ (الأنعام: ٥٩).
أما بعد: فالحمدُ لله الذي اصطفى الإسلام دينًا رضي شرائعَه وبَيَّنَ أحكامه ونَوَّرَ هداه ثم كنفه بالعز المؤيد وأيده بالظفر القاهر وآزره بالسعادة المنتجبة وجَعَلَ من قَامَ به داعيًا إليه من جُنْدِهِ الغالبين وأنصاره المسلطين كُلَّمَا قهر بهم مناوئًا أورثهم رباعهم المأهولة وأموالهم المثرية ودارهم الفسيحة ودولتهم المطولة أمرًا حتمًا على نفسه ثم جعل مَنْ عاندهم وابتغى غير سبيلهم مُسالمًا قد استهوته ذِلَّة الكفر بظُلمها وحيرة الجهالة بِحِوارها وتيه الشقاء بمغاويه وكُلَّما ازدادوا لدعوة الحق إباء ازداد الحق إليهم ازدلاقًا وعليهم عُكوفًا وفيهم إقامة إلى أن يحل بهم عز الغلبة ونجاة المتجاوز داعين فيما شوقهم إليه محافظين على ما ندبهم له قد بذلوا في طاعة الله دماءهم وقبلوا المعروض عليهم في مبايعة ربهم لهم بأنفسهم الجنة محمودٌ صبرُهم مسهل بهم عزمهم إلى خير الدنيا والآخرة.
والحمد لله الذي أكرم محمدًا ﷺ بما حفظ له من أمور أمته أن اختار لمواريث نبوته ما أصار إلى أمير المؤمنين من تطويقه ما حمل بحسن نهوضٍ بِهِ وشَجٍّ عليه ومنافسة فيه أن فعل وفعل.
والحمد لله الذي تَمَّمَ وعده لرسوله وخليفته في أمة نبيه مسددًا فيما اعتزم عليه والحمد لله المعز لدينه المتولي نصر أمة نبيه المتخلي عمن عاداهم وناوأهم حمدًا يزيد به من رضي شكره وحمدًا يعلو حمد الحامدين من أوليائه الذين تكاملتْ عليهم نِعَمُه فلا تُوصف وجلت أياديه فلا تحصى الذي حَمَّلَنَا ما لا قوة بنا على شكره إلا بعونه وبالله يستعين أمير المؤمنين على ذلك وإليه يرغب إنه على كل شيء قدير.
ولعبد الحميد أيضًا: أما بعد: فالحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه وارتضاه دينًا لملائكته وأهلِ طَاعَتِهِ من عِبَادِهِ وجعله رَحمة وكرامة ونجاة وسعادة لمن هدي به من خلقه وأكرمهم وفضلهم وجعلهم بما أنعم عليهم منه أولياءه المقربين وحزبه الغالبين وجنده المنصورين وتوكل لهم بالظهور والفلج وقضى لهم بالعُلُوِّ والتمكين وجعل مَنْ خالفه وعَزَبَ عنه وابتغى سبيل غيره أعداءه الأقلين وأولياء الشيطان الأخسرين وأهل الضلالة الأسفلين مع ما عليهم في دنياهم من الذل والصغار فأعجل لهم فيها من الخذلان والانتقام إلى ما أعَدَّ لهم في آخرتهم من الخزي والهوان المقيم والعذاب الأليم إنه عزيزٌ ذو انتقام.
أما بعد: فإن مما أتعرف من مواهب الله نعمةٌ خُصِّصَتْ بمزيتها وأصفيتْ بخصيصتها كانت أسرًا لي من هبة الله لي ولدًا سَمَّيْتُه فُلَانًا وأمَّلْتُ ببقائه بعدي حياة وذكرى وحُسن خِلافة في حرمتي وإشراكه إياي في دعائه شافعًا لي إلى ربه عند خلواته في صَلاته وحَجِّه وكل موطن من مواطن طاعته فإذا نظرت إلى شخصه تحرك به وجدي وظهر به سروري وتعطفت عليه مني آنسة الولد وولت عني به وحشة الوحدة فأنا به جذل في مغيبي ومشهدي أحاول مس جسده بيدي في الظلم وتارة أعانقه وأرشفه ليس يعدله عندي عظيمات الفوائد ولا منفسات الرغائب سرني به واهبُه لي على حين حاجتي فشدَّ به أزري وحَمَلني من شُكْرِه فيه ما قد آدنى بثقل حمل النِّعَمِ السَّالفة إليَّ به المقرونة سراؤها في العَجَب بما رأت ما يُدركني به من رِقَّة الشفقة عليه مخافة مجاذبة المنايا إياه ووجلًا من عواصف الأيام عليه.
فإن أمير المؤمنين كتب إليك وهو في نعمة الله عليه وبلائه عنده في ولده وأهل لحمته والخاصِّ من أموره والعَلَمِ والجنُودِ والقَوَاصِي والثُّغور والدَّهْمَاء من المسلمين عَلَى ما لم يزل ولي النعم يتولاه من أمير المؤمنين حافظًا له فيه ومكرمًا له بالحياطة لِمَا ألهمه الله فيه من أمر رعيته وعلى أعظم وأحسن وأكمل ما كان يحوطُه فيه ويذُبُّ له عنه والله محمودٌ مَشْكُور إليه فيه مرغوبٌ أحبَّ أميرُ المؤمنين لعلمه بسرورك به أن يكتب إليك بذلك لتحمد الله عليه وتشكره به فإن الشكر من الله بأحسن المواضع وأعظم المنازل فازددْ منه تزدد به وحافظ عليه وتحفَّظْ به وارغب فيه يهد إليك مزيد الخير ونفائس المواهب وبَقَاءَ النِّعم فاقرأْ على من قبلك كتاب أمير المؤمنين إليك ليُسَرَّ به جندك ورعيتك ومن حملَه الله المنعم بأمير المؤمنين ليحمدُوا ربهم على ما رَزَق الله عبادَه من سَلَامَة أمير المؤمنين في بدنه ورأفته بهم واعتنائه بأمُورهم فإنَّ زيادة الله تعلو شكر الشاكرين والسلام.
إن الله بنعمته علي لما رزقني المنزلة من أمير المؤمنين جعل معها شُكْرَها مقرونًا بها فهي تتنمى بالزيادة والشكر مصاحب لها فليست تدخُلُني وحْشَةٌ من أبناء حاجتي وأنا أعلم أنه لو وصل إلى أمير المؤمنين علمُ حالي أغناني عن استزادته ولكني تكنَّفتني مؤنٌ استنفضتْ ما في يديَّ وكنتُ للخَلَف من الله منتظرًا فإني إنما أتقلب في نعمه وأتمرغ في فوائده وأعتصم بسالف معروفه كان عندي.
قد حددت لك أواخي الإخاء مُتشعبًا ووصفتُه لك مُخلصًا وانتهيتُ بك إلى غاية أهل العقل منه وما تَوَاصَلَ أهل الرأي عليه ودَعَا إليه الإخاءُ من نفسه مُنْتَطقًا به ضامنًا له ما فرَّط في ذلك تقصير من أهله وداخله تضييعٌ من حَمَلَتِهِ أو حَاطَه إحكام وكنفه حفاظ من رعاته.
حتى اعتراني حنادس جهالة ومهاوي سبل ضلالة ذُلُلًا لِسِبَاقِهِ وسَلَمًا في قِيَادِهِ إلى نُزُل من حميم وتصلية جحيم سوى ما أنتجت الحفيظة في نفسه من عوائد الحسَكِ وقدحت الفتنة في قَلْبِه من نار الغضب مضادة لله تعالى بالمناصبة ومبارزة لأمير المؤمنين بالمحاربة ومجاهرة للمسلمين بالمخالفة إلى أنْ أَصْبَحَ بفَلاةٍ قَفْرٍ ونيَّة صُفر بعيدة المناط يقطع دونها النياط وكذلك الله يفعل بالظالمين ويستدرجهم من حيث لا يعلمون.
03c5feb9e7