بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على اشرف خلق سيدنا وحبيبنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين
أما بعد أود سؤالكم فضيلة الشيخ جزاكم الله عني وعن جميع السائلين خيرا عن تفسير سورة العاديات وعن الخيل المقصودة هل هي للمسلمين أو للكفار
أفيدوني جزاكم الله عني ألف خير.
قال ابن العربي: أقسم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال يس وَالقُرْآَنِ الحَكِيمِ وأقسم بحياته فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها وقدح حوافرها النار من الحجر وإن كان ورود الآيات في مثل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته فإنه عام في خيل المسلمين المجاهدين عامة لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في الأصول.
ومعنى العاديات الخيل حين تعدو وتجري للغارة على العدو في سبيل الله والضبح هو صوتها وصهيلها "فَالمُورِيَاتِ قَدْحًا " هي التي توري النار من الحجر عند ما تقدحه بحوافرها فيتطاير منه الشرر "فَالمُغِيرَاتِ صُبْحًا" هي التي تغير صباحا فتصبح العدو في ذلك الوقت "فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا " أي أثر الغبار بحوافرها "فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا" أي دخلن وسط جمع العدو "إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ " هذا هو المقسم عليه والكنود الجحود أو هو الذي يذكر النقمة ولا يذكر النعمة "وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ" والإنسان يعلم ذلك ويشهد عليه بلسان حاله أو لسان مقاله "أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القُبُورِ" أي أخرج ما فيها من الأموات للحشر والحساب "وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ " أظهر ما فيها مما كانوا يسرون ويخفون في نفوسهم "إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ" أي عالم بما كانوا يصنعون ويعملون ومجازيهم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر ولا يظلم ربك أحدا فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
سُميت هذه السورة بالعاديات على أول آية منها وفيها أَقسَم الله تعالى بالعاديات والعاديات من العدو وهو: الجري بسرعة[2] والمعنى أَقسمُ بالخيل اللاتي يعدون للغزو في سبيل الله فيَضبَحنَّ ضبحاً[3] وآيات هذه سورة (11) تتألف من (40) كلمة في (169) حرف.[4] وتعتبر هذه السورة من حيث المقدار من السور المفصلات أي: السور التي لها آيات متعددة وصغيرة.
قال ابن عاشور: وَاخْتُلِفَ فِيهَا فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ: هِيَ مَكِّيَّةٌ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: هِيَ مَدَنِيَّةٌ.[5]
قال مقاتل: بعث رسول الله سرية إلى حي من كنانة واستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري فتأخر خبرهم فقال المنافقون: قتلوا جميعا فأخبر الله تعالى عنها فأنزل (وَالعادِياتِ ضَبحاً) يعني تلك الخيل أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أخبرنا أحمد بن محمد البتي أخبرنا محمد بن مكي أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أحمد بن عبدة أخبرنا حفص بن جميع أخبرنا سماك عن عكرمة عن عبد الله بن عباس أن رسول الله بعث خيلا فأسهبت شهرا لم يأته منها خبر فنزلت (وَالعادِياتِ ضَبحاً) ضبحت بمناخرها إلى آخر السورة ومعنى أسهبت: أمعنت في السهوب وهي الأرض الواسعة جمع سهب .
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا أقسم الله تعالى بالخيل الجاريات في سبيله نحو العدو حين يظهر صوتها من سرعة عدوها ولا يجوز للمخلوق أن يقسم إلا بالله فإن القسم بغير الله شرك فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فالخيل اللاتي تنقدح النار من صلابة حوافرها من شدة عدوها فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فالمغيرات على الأعداء عند الصبح فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فهيجن بهذا العدو غبارا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا فتوسطن بركبانهن جموع الأعداء إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وإنّه على ذلك لشهيد وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ إن الإنسان لنعم ربه لجحود وإنه بجحوده ذلك لمقر وإنه لحب المال لشديد أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ أفلا يعلم الإنسان ما ينتظره إذا أخرج الله الأموات من القبور للحساب والجزاء وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ واستخرج ما استتر في الصدور من خير أو شر إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ إن ربهم بهم وبأعمالهم يومئذ لخبير لا يخفى عليه شيء من ذلك.[7]
درس في تفسير سورة العاديات من خلال تفسير الجلالين (جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي) لتلاميذ السنة الرابعة من التعليم الابتدائي العتيق الدرس الواحد والعشرون (21).
ٱلْخَيْلُ تَعْدُو فِي ٱلْغَزْوِ.
صَوْتُ أَنْفَاسِ ٱلْخَيْلِ إِذَا جَرَتْ.
ٱلْخَيْلُ الَّتي تُورِي النَّارَ أَيْ تُوقِدُهَا بِحَوَافِرِهَا.
الضَّرْبُ لِإِخْرَاجِ النَّارِ.
ٱلْخُيُولُ الَّتي تَهْجُمُ عَلَى ٱلْعَدُوِّ فِي الصَّبَاحِ ٱلْبَاكر .
غُبَارًا
لَكَفُورٌ بِنِعَمِ ٱللَّهِ
لَشَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ بِاسْتِمْرَارٍ
ٱلْمَالِ
قَال تَعَالَى:أَيْ أُقْسِمُ بِخَيْلِ ٱلْمُجَاهِدِينَ ٱلْمُسْرِعَاتِ فِي ٱلْكَرِّ عَلَى ٱلْعَدُوِّ وَالتِي يُسْمَعُ لأَنْفَاسِهَا صَوْتٌ عِنْدَ عَدْوِهَا أَيْ: ٱلْخَيْلِ الَّتي تُخْرِجُ شَرَرَ النَّارِ مِنَ ٱلْأَرْضِ بِوَقْعِ حَوَافِرِهَا عَلَى ٱلْحِجَارَةِ مِنْ شِدَّةِ ٱلْجَرْيِ أَيْ: ٱلْخَيْلِ الَّتي تُغِيرُ عَلَى ٱلْعَدُوِّ وَقْتَ الصَّبَاحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَيْ: فَأَثَارَتِ ٱلْخَيْلُ ٱلْغُبَارَ ٱلْكَثِيفَ لِشِدَّةِ ٱلْعَدْوِ فِي ٱلْمَوْضِعِ الَّذِي أَغَارَتْ فِيهِ. أَيْ: فَتَوَسَّطْنَ بِهِ جُمُوعَ ٱلأَعْدَاءِ وَأَصْبَحْنَ وَسَطَ ٱلْمَعْرَكَةِ أَيْ: إِنَّ ٱلْإِنْسَانَ لَجَاحِدٌ لِنِعَمِ رَبِّهِ شَدِيدُ ٱلْكُفْرَانِ. أَيْ: وَإِنَّ ٱلْإِنْسَانَ لَشَاهِدٌ عَلَى كُفْرِهِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُنْكِرَهُ لِظُهُورِ أَثَرِهِ عَلَيْهِ أَيْ: وَإِنَّهُ لَشَدِيدُ ٱلْحُبِّ لِلْمَالِ حَرِيصٌ عَلَى جَمْعِهِ.
قَال تَعَالَى: أَيْ: أَفَلاَ يَعْلَمُ هَذَا ٱلْجَاهِلُ إِذَا أُثِيرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ وَأُخْرِجَ مَا فِيهَا مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ وَجُمِعَ وَأُبْرِزَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ مِنَ ٱلْأَسْرَارِ وَالخَفَايَا الَّتي كَانُوا يُسِرُّونَهَا أَيْ: إِنَّ رَبَّهُمْ لَعَالمٌ بِجَمِيعِ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَمُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ أَوْفَرَ ٱلْجَزَاءِ.
تُشِيرُ هَذِهِ ٱلسُّورَةُ إِلَى مَظْهَرٍ مِنْ مَظَاهِرِ نِعَمِ ٱللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ٱلَّتِي تَتَجَلَّى فِي نِعْمَةِ ٱلْخَيْلِ ٱلَّتي جَعَلَهَا ٱللَّهُ تَعَالَى فِي خِدْمَةِ ٱلْإِنْسَانِ كَمَا تُشِيرُ إِلَى تَحْذِيرِ ٱلْإِنْسَانِ مِنْ جُحُودِ ٱلْنِّعْمَةِ وَعَدَمِ شُكْرِ ٱللَّهِ عَلَيْهَا وَتَهْدِفُ أَيْضًا إِلَى تَحْرِيرِ ٱلْإِنْسَانِ مِنْ عُبُودِيَّةِ ٱلْمَالِ وَاِتِّخَاذِهِ غَايَةً فِي ٱلْحَيَاةِ.
03c5feb9e7