وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطّلع الى اله موسى وإنّي لأظنّه كاذبا... الصرح: البناء العالي الذي لا تستره أبنية البلد فيبقى ظاهرا وان بعد عنك. والصراحة: الظهور والوضوح. والاسباب جمع سبب: كل ما يوصلك الى مقصود. فمراده أن يطّلع على طرق السماء بحثا عمّن يدّعي موسى أنّه اله وبهذه المناسبة أضاف الاله اليه. وهو بذلك يوهم السامعين أنّ موسى عليه السلام يدّعي أنّ إلهه في السماء بمعنى الأجرام العلويّة وان كان لم يصدر منه كلام يدل على ذلك. ولعلّ الوجه في تمكّنه من هذا الايهام هو ما تستدعيه حالة الطلب والدعاء من رفع اليد الى السماء او الاشارة اليها حين التعبير عن الله عزّ وجلّ فانتهز فرعون هذه النقطة لإيهام ذلك.
وربما يستغرب من قوله (وإنّي لأظنّه كاذبا) من جهة أنّ المتوقّع منه أن يؤكّد على ذلك ولا يعبّر بالظّنّ. ولكنّ ذلك ايضا مكيدة منه فهو لم يبتدئ بالحكم عليه بصورة قطعيّة حتى يوهم أنّه بصدد البحث واقعا وأنّه لا يحكم الّا بالحق الواضح الصريح.
ويبدو أنّ هذا القول صدر منه بعد انصرافه عن قتل موسى عليه السلام ففيه نوع تراجع عن موقفه السابق حيث عزم على قتله فهو هنا يظهر أنّه يريد مواجهته عليه السلام بنوع من المنطق وان كان منطقا فرعونيا.
وقد ورد هذا المعنى في سورة القصص/38 ايضا (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) ولم يكن فرعون جاهلا كما ربما يتوهّم بل كان يعلم أنّ موسى عليه السلام على حق لقوله تعالى في سورة الاسراء/102 (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ..).
ويبعد ايضا أن يكون ذلك للتمويه على السامعين وهم الملأ من قومه فإنّهم كانوا يعلمون انّ من يعنيه موسى عليه السلام ليس موجودا محصورا في مكان من السماء وكانوا يعلمون أخبار الامم السالفة وأقوال أنبيائهم ولا أقلّ من أنّهم كانوا يعلمون أنّ الصّرح مهما علا وارتفع فانه لا يبلغ الجبال فكان بإمكانه الاستغناء بها.
ولذلك قال بعض المفسرين: لعلّه أمر ببناء رصد ليرصد الافلاك والنجوم. و هو بعيد جدّا وان مال اليه العلامة الطباطبائي رحمه اللّه.
والظاهر أنّ هذا الكلام لم يكن الّا استهزاءا منه برسالة السماء وزيادة منه في الطغيان والتمرّد. ولذلك اقتصر القرآن في الردّ عليه أنّه قد زُيّن له سوء عمله وصُدّ عن السبيل ولكنه في نفس الوقت يمكن أن يقصد به التمويه على السذّج البسطاء من الناس ونحن نجد الى يومنا هذا أنّ الطغاة كثيرا مّا يردّون على منطق المعارضة ويفسّرون ويأوّلون جرائمهم وأعمالهم الفاسدة بوجوه لا يقبلها العقل ولا يصدّقها أكثر الناس ولكنهم لضعف منطقهم وعدم تمكنهم من الاتيان بوجه منطقي واضح يكتفون بذلك مكابرة حتى لو لم يصدّقهم أحد
ولكن الشأن في أنّ هذا التزيين من اللّه تعالى او باذنه انما هو جزاء لطغيان الانسان وإصراره على مجابهة الحق بالباطل وليس جزاءا وضعيا وانما هو امر طبيعي فإنّ الانسان اذا أصر على مجابهة الحق بالباطل ليتمّ له متابعة الاهواء والشهوات لا يتم له ذلك الا بمحاولة التعتيم على نفسه وخداعها فأوّل من يسوّل له هو نفسه الامارة. وهكذا يستمرّ في ذلك حتى يطبع على قلبه ويختم نتيجة اصراره فلا يتقبّل الا الباطل الذي زُيّن له. وبذلك يتمّ ايضا صدّه ومنعه عن سبيل الحق وهو الذي سدّ على نفسه الطريق بسوء اختياره.
وهكذا كان فرعون فلم يستطع لكثرة ما حاك حول نفسه من حبائل الشيطان ان يرجع الى صوابه ويسلك سبيل الحق مع أنّه كان يعرفه حق المعرفة.
وما كيد فرعون الا في تباب... التباب: الخسران. والكيد: المكر. ويظهر منه أنّ محاولة فرعون المذكورة انما كان يقصد به المكيدة بالحق وأهله بغيا وعدوانا. وهذا من حمق الانسان حيث يقابل ربّه ويبرز عضلاته أمام جبّار السماوات والارض ولكن كل كيد من هذا القبيل مصيره الخسران في الدنيا والاخرة.
وقال الذي آمن يا قوم اتّبعون أهدكم سبيل الرشاد... يبدو من كلام هذا الرجل العظيم أنّ خطابه بالامر بالمتابعة موجّه الى سائر القوم ولم يخاطب فرعون اذ يستبعد أن يأمره بالمتابعة والسبب في ذلك أنه يئس من التأثير في قلبه كما يظهر ذلك ايضا من تكراره نفس التعبير الذي عبّر به فرعون في خطاب قومه من أنّه يهديهم سبيل الرشاد فالظاهر أنّه وجّه الخطاب الى الملأ من قومه فحسب.
ولعله كان يعلم انه لا يظهر هذا الكفر والعناد الا مع العلم بما هو الحق فعلم انه يواجه شيطانا مكابرا فأعرض عنه ووجه خطابه الى القوم لعل فيهم من بقي فيه بصيص أمل للنجاة والاهتداء ولم يكتف بذلك بل أمرهم بالاعراض عن فرعون وهذا هو معنى قوله اتّبعون اي لا تتبعوا فرعون بل اتّبعوني. وحيث قال فرعون فيما سبق (ولا اهديكم الا سبيل الرشاد) ردّ عليه المؤمن بأنّ سبيل الرشاد هو ما أتّبعه وهو سبيل الانبياء والمرسلين لا سبيل الفراعنة والطواغيت.
يا قوم إنّما هذه الحياة الدنيا متاع وإنّ الآخرة هي دار القرار... فصّل المؤمن بيان سبيل الرشاد وهو الاهتمام بالآخرة وأن لا ينظر الانسان الى الدنيا الا باعتبار كونها متاعا مؤقّتا وممرّا وطريقا الى الآخرة وأنّ مستقر الانسان هو حياته الأبديّة في تلك النشأة. والمتاع ما ينتفع به الانسان لمدة محدودة.
وأوضح أنّ ميزة الحياة هناك هي الجزاء على ما عمله الانسان في الدنيا فعليه أن لا يخصّص حياته للتّمتّع بما في هذه الحياة بل لا يتمتّع منها الا بمقدار الضرورة ويكون غاية اهتمامه بما يترتب على عمله من النتائج في الآخرة.
فمثل البشر في هذه الحياة كمثل قافلة نزلوا في مكان للراحة وأخذ الزاد للاستمرار في المسير فينادي فيهم المنادي ان لا تشغلوا انفسكم بالتلذذ بمباهج هذه الروضة الخضراء ولا تهتمّوا بما حولكم من المغريات بل اجعلوا همّكم في جمع أكبر مقدار ممكن من الزاد والماء ولكنّ أكثر القوم لا يجلب اهتمامهم الا المناظر الخلّابة والتّمتّع بمباهج الحياة ولا ينتبهون الا على صوت المنادي بالرحيل فيحاولون ان يجمعوا لهذا السفر الشاق الطويل زادا وماءا وأنّى لهم ذلك فالركب لا ينتظرونهم.
وهكذا الحياة الدنيا بالنسبة الى الآخرة ليست الا متاعا ولكنها في نفس الوقت مكان العمل لتلك الحياة الابدية التي هي المستقرّ.
من عمل سيّئة فلا يجزى الا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنّة يرزقون فيها بغير حساب...
بيان لنتيجة عمل الدنيا في الآخرة وأنّ جزاء السيئة سيئة مثلها فلا يضاعف جزاء العمل السيّئ وأمّا العمل الصالح فلا حدّ ولا حصر لجزائه.
03c5feb9e7