رسالة من مجهولة (بالألمانية: Brief einer Unbekannten) هي رواية قصيرة بقلم شتيفان تسفايغ. نُشرت في عام 1922 تروي قصة كاتب تُرسل له رسالة من امرأة مجهولة بعد موتها. تعترف له في الرسالة عن حبها السري له وعن قصة حياتها في حين أن الكاتب لم يستطع تذكرها.[1]
والنمط الثاني هو ما حمَله على أكفّ الشهرة وحلّق به في سماء الذيوع: الروايات النفسانية التي عُرف فيها بأسلوب سردي خِلوٍ من رتوش التجميل وصقل البلاغة لكنه متألق في عمق الفهم وبعد النظر ودقة الوقوف على خبايا النفوس التي منها تتولد الحبكات وتتعقد فجاءت رواياته سلسالًا متصلًا من المرايا العاكسة والعدسات المحدبة المقعرة في آن معًا لا يكاد ناظر ينظر فيها حتى يبصر نفسه أو بعضًا من نفسه ولا يغادرها إلا وقد حمل منها أو انطبع بها في نفسه.
إطلالة عامّة
"رسالة من امرأة مجهولة Letter from an Unknown Woman" هي قصة طويلة أو رواية قصيرة (نوفيللا Novella) نشرت عام 1992. القالب السردي للقصة يتخذ شكل رسالة طويلة من امرأة مجهولة الاسم والهوية إلى كاتب غني ومشهور -وإن لم يذكر اسمه في النص كذلك- تخبره فيه بمأساة عشق لم يقاسِ لهيبه سواها بينما هو عنها في شغل شاغل.
تبدأ القصة حين انتقل الكاتب المشهور كمستأجِر شقة في نفس البناية التي تعيش فيها البطلة مع أمها في فيينا بالنمسا. كانت هي آنذاك مراهقة في فورة الصّبا في الثالثة عشرة من عمرها تعيش وحيدة مع أمها بعد وفاة والدها بمعزل عن بقية الجيران ومخالطتهم وكان الكاتب في بداية مسيرته المهنية بشكل عام.
على مدى 25 صفحة كُتبت فيها الرسالة تمضي تلك المرأة المجهولة تحكي تفاصيل غرامها بذلك الكاتب عن بعد وركام الخيالات الذي نسجته حوله مما تتسقطه من أخباره ذات اليمين وذات الشمال وتسهب في وصف دقيق مراقبتها لأوقات دخوله وخروجه وترقّبها لكل سكنة تصدر منه فيما يظهر لها من ثقب مفتاح الباب وتخيّلها لما يمكن أن يكون منه حين يختفي عن ناظريها. كل هذا بغير أن يفطن هو إلى تلك العينين المعلّقتين به في دخوله وخروجه أو يرى فيها أكثر من طفلة من أطفال الجيران تجلس في شرود على السلالم!
ثم كان أن انتقلت الفتاة بعد زواج أمها إلى محافظة أخرى وما كادت تتم الثامنة عشرة وتستقل بنفسها حتى عادت أدراجها إلى فيينا حيث مسكنهم السابق وحيث الكاتب! لم تخفت حرارة الوَجد في قلب تلك الغادة طوال تلك السنوات. فحصّلت وظيفة وسكنًا في مكان مجاور لسكنه خصيصًا وظلت تراقبه وتتبّعه وترصد جدوله اليومي حتى ظفِرت بجواز مرور إلى شقته كخليلة بعد أن عرَضت نفسها عليه غير أنها كانت أوفر من سابق الخليلات حظًا في تكرار زيارته ثلاث ليالٍ متتالية فارقته على إثرها لأنه لم يتذكرها البتة ولا بدا أنه رأى فيها شيئا سوى "صحبة لطيفة" لإزجاء الوقت والشهوة!
غير أنها دخلت غرفته فردًا وغادرته اثنين! ولشدة تعلقها بالرجل صممت أن يحيا طفله نفس نمط الحياة الوادعة الميسورة فاتخذت من عِرْضِها تجارة وحَلَفت له في رسالتها أنها ما أسلمت الرجال سواه إلا جسدها أما روحها فظلت متيّمة به حِكْرًا عليه. وتمر بها الأيام مرًا وتطويها الليالي طيًا حتى تقابله ثانية فتُسلِم نفسها له للمرة الرابعة في محاولة يائسة عساه يتذكُرها لكنه لفرط سكره لم ينتبه حتى إلى أنه قضى معها ثلاث ليالٍ قبلًا! فغادرته وقد تصدّع قلبها وأيقنت أن يدها مما علقت به صِفر فزهدت في الحياة والأحياء أو ماتت دونهم وهي بين أظهرهم.
واستأجرت شقة حقيرة في ضاحية فقيرة وضعت فيها طفلها بعد معاناة ولم يلبث الوليد إلا يسيرًا حتى أصابته حمى الإنفلونزا التي تفشت في منطقة سكناهما فتوفي على إثرها وبقي في أمه بضع أنفاس تتردد من بعده قبل أن يفتِك بها نفس المرض فرأت أن توجه أثَارتَها إلى ذلك "الحبيب الأوحد" في رسالة تموج بالألم وتعصف بالمشاعر تخبره فيها عن هوّيتها دون ذكر اسمها وعن روحها التي هامت به دون أن تجد إليه سبيلًا وعن طفلهما الذي خرج من رحمها ليُدفن في رحم الأرض.
نُقِل عن زفايج في مقدمة روايته "حذار من الشفقة": "ليس هناك ما هو أبعد من الحقيقة من الظن السائد بأن خيال الروائي دائب النشاط في رأسه وأن قدرته على الخلق والابتكار لها رصيد من القصص لا ينفد ومعين من الحوادث لا ينضب. فالواقع إن كاتب القصة ليس في حاجة إلى أن يبحث عن موضوع لها بقدر حاجته إلى أن يدع الشخصيات والوقائع تبحث عن هذا الموضوع إذا توافرت للمؤلف ملكة الملاحظة والإصغاء.. وهكذا يحدث أن يفضي الكثيرون بقصصهم طائعين إلى الشخص الذي طالما حاول أن يتعقب مصائر البشر!".
هكذا كان نهج زفايج في كتاباته: تعقّبُ نفوس البشر بالملاحظة والإصغاء. لذلك نبرة السرد عنده وإن خلت من وعظ إلا أنها عامرة بالحِكَم زاخرة بالمفاهيم التي لا تتكشف لمن يتوقف عند ظاهر القصّ وحدّ النص.
في الجزء الثاني بإذن الله نقف على أهم المفاهيم التي ارتكزت عليها حبكة الرواية ونُسجت حولها الأحداث وتداعياتها.
وفي إحدى السنوات انتقل الروائي للإقامة في شقة ضمن مبنى تجاوره فيه سيدة وابنتها اليافعة التي صارت عاشقة بمحض المصادفة لجارها الكاتب.
تسرد السيدة تفاصيل نشأة هذا الحب منذ صباها وحتى لحظة قراءة الرسالة فمرة شاهدت خادم الروائي ينقل أغراض سيده إلى شقته الجديدة فقدّمت له المساعدة متطوعة وحين وصلت إلى بيت الروائي وشاهدت ما لديه من كتب وروايات انتابها الفضول حول الرجل وتحوّل الفضول بالوهم والإخفاء وبراءة المشاعر إلى حب.
وما هي إلا فترة بسيطة لم يُكتَب خلالها لهذا لحب أن يحيا ويتجسد على الأرض حتى غادرت الفتاة بصحبة أمها للإقامة في مدينة مختلفة ستتزوج فيها الأم.
ولأن هذا الحب لم يتجسد على الأرض ظل يراوح في مشاعر الفتاة بمحاولة متمردة ليُعاش ما يدفع الفتاة للعودة إلى مدينتها السابقة حيث ستلتقي بالروائي وتجمعها به علاقة عابرة لن يتبادلا خلالها الأسماء أو العناوين قبل أن يخبرها الروائي أنه سيغادر في سفر طويل لمدينة مختلفة ما ينذر بالقطيعة مجددًا.
ظل الحب ناقصًا تعوزه حياة وتعارف واستمرارية وهذا ما جعله مهيمنًا على الفتاة التي بدأت تكبر وتكتشف نفسها وصباها وأنوثتها وهذا أيضًا جعل كل ما يُحكى عن الاكتفاء يبقى هباء والنتيجة انتظار ثم لقاء جديد بعد سنوات على شرف المصادفة سيقود أيضًا إلى علاقة عابرة لا وعود فيها أو أسماء لقاء تقتضيه الرغبة البشرية لا رغبة العاطفة.
وأثمرت هذه اللقاءات المتقطعة عن طفل أخفته الفتاة عن والده الروائي لكنها كشفت عنه في رسالتها بعد وفاة الطفل أصلًا في سبيل عدم عرقلة حياة الأب وربطه بمسؤوليات لم يطلبها إلى هذا الحد يصل حبها وعدم مبالاته في نفس الوقت.
وبعد اللقاء الثالث وفي أثناء مغادرتها منزل حبيبها تصطدم المرأة على مدخل الشقة بالخادم الأمين يوهان الذي ساعدته في صباها على نقل بعض الحاجيات إلى شقة الروائي حيث خُلقت أولى بذور هذا الحب المريض.
03c5feb9e7