لعل هذا الوصف من أصدق ما يمكن أن يوصف به قارئ المقام العراقي ذلك الفن الذي تضرب جذوره في التاريخ لتصل إلى دولة العباسيين فهو نسيج عراقي خالص انتقل إلى التاريخ الحديث مشافهة عبر الأجيال.
ويمثل هذا الفيلم محاولة لتعريف المشاهد بهذا الفن وأصالته من خلال استعراض تاريخي لفن المقام العراقي من قبل مختصين يتحدثون عن التطورات والخصائص الفنية الموسيقية التي مر بها المقام العراقي.
كما يعرض الفيلم مقابلات لأشخاص يُعتبرون من أعمدة هذا الفن يتحدثون عن تجربتهم الشخصية وتاريخ هذا الفن ومستقبله بالإضافة إلى مداخلات مغني المقام والضيوف المختصين في محاولة جادة للحيلولة دون انقراضه كما جاء في تقرير منظمة اليونسكو.
المقام العراقي هو لون من الغناء العراقي الجميل المرتجل يقوم به قارئ المقام يرافقه عازفون ويتميز هذا النوع من فنون العراق بثرائه ومجده وجمالياته ويطغى عليه الشجن والحنين الذي يشد السامع ويبهره.
كانت بغداد عاصمة الخلافة وكانت ملتقى كثير من المغنين والموسيقيين فازدهرت الحياة الفنية واستفاد من ذلك المغنّي العراقي وأدخل تلك الألوان في بوتقة الفن العراقي وتركز هذا الفن في بغداد والمدن العراقية الأخرى كالموصل وكركوك والمدن الكردية والبصرة.
ويرى رواد هذا الفن أن المقام العراقي تشكل في الفترة من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين وأصبح جزءا من التراث وفي تلك الفترة تبلور وتطور وعُرف بشكله الحالي المكون من خمسة عناصر.
أصبحت للمقامات بدايات واضحة ووسط ونهاية ويشترط وجود العناصر الخمسة في كل مقام على حدة إذ يبدأ المقام بالتهليل ويعني الاستهلال وهي ألفاظ خارجة عن النص الشعري مثل كلمة أويلاه أو يايوبا ثم هناك القطع والأوصال وتعني الانتقال من سلم إلى سلم داخل المقام المغنى والرجوع إلى النغم أو السلم الأصلي أما العنصر الثالث فهو ما يُعرف بالجلسة ويعني الهبوط إلى القرار وهنا لكل فعل يحتاج رد فعل ويأتي العنصر الرابع الميّانة وهو الجواب وأخيرا التسليم وهو نهاية المقام ويُسلّم بكلمات خارجة عن النص الشعري.
كانت المقاهي العراقية تعتبر مدارس أدائية لهذا الفن وكان لكل مقهى قارئ مقام مختص به ويأتيه المريدون ليستمعوا إليه فمثلا رشيد القندرجي كان في مقهى الشاهبندر ونجم الشيخ في مقهى البلدية كذلك عرف عبّاس الشيخلي وأحمد زيدان.
تخرّج من تلك المقاهي تلاميذ يقلّدون ويتقنون قراءة المقام فكثر القراء وكانت المقاهي بمثابة المدارس لهم. يقول الدكتور هيثم الشعوبي: كان المقهى بمثابة صلة الوصل بين الناس والمتنفس للأهالي وفي عام 1910 بدأ عمل حفلات أسبوعية لقرّاء المقام وكانت المقاهي محدودة مثل قهوة السبع وعزاوي والشط.
انتشر هذا الفن في مدن العراق عموما وفي بغداد على وجه الخصوص ومن أشهر من أدى هذا النوع من الغناء حديثا حسين الأعظمي الذي لُقّب بسفير المقام العراقي.
نشأ الأعظمي في كنف عائلة تمارس هذه الأداءات المُسماة بالمقامات العراقية وقد احترف هذا الفن الذي قاده للمتحف البغدادي في مارس/آذار 1973 حيث تقرر مصير حياته في ذلك اليوم.
يقول حسين في تعريفه للمقام: إنه رواية العراقيين التي تسرد كل تاريخ بغداد والعراق وهو الملاذ الذي ألجأ إليه وقد يسيطر علي عندما أكون وحيدا فلا أستطيع الغناء.
ويضيف: التراث لا ينشأ ولا يفنى من خلال الفرد لأنه وليد الجمع فهو ابن المجتمع والشعب فهو المؤلف والملحن وغياب الفرد لا يعني الزوال بحال من الأحوال.
أما حامد السعدي وهو أحد رواد المقام العراقي فيعرّفه بأنه أسلوب غنائي خاص بالعراق توارثه العراقيون منذ زمن وأضافوا إليه ما استحسنوه من أنغام بعض الشعوب الشرقية التي وفدت إليهم في العصر العباسي.
ويتحدث السعدي عن تجربته فيقول: في البداية كنت مولعا بالشعر العربي الفصيح فكنت في الإعدادية أستمع لقصائد عنترة والمتنبي وأبي فراس وكنت أُلقيها وشدّني المقام العراقي لما فيه من فروسية ورجولة وحماسة مثل حبي للشعر الحماسي والبطولي فأصبحت أستمع للتسجيلات وأقارن الطرق الأدائية إلى أن أتممت المقامات جميعها وهي 56 مقاما.
يقول مدير بيت المقام العراقي موفق البياتي إن حامد السعدي حافظ على كلاسيكية المقام العراقي وعلى الأسلوب القديم ويتميز بأدائه الجميل وإن صوته يمتلك مساحات واسعة وقفلات متقنة وقد قام بتسجيل جميع المقامات العراقية للإذاعة والتلفزيون وهي ثروة خالدة للموسيقى العراقية.
ويعلق السعدي: المقام العراقي فن مقدّس لا يشبه أي غناء وإنما هو تراتيل صوفية يؤدّيها قُراء بارعون وفيه تجَلٍّ وعشق وحكمة ومناجاة للإله وغزل للمحبوب فالمقام واسع الأبواب.
دخل المقام العراقي في كل فنون بغداد فالأذان يؤذّن بالمقام العراقي وكذلك المَنْقبة (المدائح النبوية) تُغنى به والمجالس الدنيوية قائمة عليه فهو المؤنس والمسلّي للبغداديين.
يقول خبير المقامات محمد عزاوي إن التصوف والأناشيد والمدائح حافظت على الموروث الفني ففي مدح الرسول أو المَنْقبة النبوية يُقرأ المقام وهناك ما يسمى بالفصول والفروع والقطع والأوصال وقد حفظ الناس ذلك.
يقول الأعظمي: أُطلق على مؤدي المقام اسم مُقرئ لأن المقامات في الحقيقة أداءات دينية حوفظ عليها من خلال الشعائر الدينية.
وتظهر الأنغام الموسيقية جلية في العديد من الطقوس الدينية كالأذان وقراءة القرآن والتواشيح الدينية المسماة التمجيد وكذلك استقبال وتوديع شهر رمضان المبارك وتكبيرات العيد.
ويمتاز أهل بغداد بأداء تكبيرات العيد على نغمة الجاهرغا والمغوري والخلوتي وعندما يقرأ القارئ القرآن يمهد بقراءته للتكبيرات بعدها يبدأ الناس بالتكبير باستخدام المقامات.
ويرى المتحدثون أن المقام العراقي وُلد من جديد في القرن العشرين وأصبح أكثر دنيوية وأصبحت القصائد المغناة في مختلف أنواع الشعر ولمختلف الأغراض ومنها الغزلي والخمري والغرام.
وصلت الأخبار عن قرّاء المقام عن طريق الكتب والمخطوطات مثل رحمة الله شلتاغ وأحمد زيدان ويقول الدكتور هيثم الشعوبي: إن هؤلاء لم تصلنا أصواتهم لكن تلاهم جيل من القراء أمثال رشيد قندرجي ثم جيل محمد القبنجي الذي كان مُجددا في هذا الفن وتتلمذ على يديه ناظم الغزالي ويوسف عمر من جيل العشرينيات.
كان ناظم الغزالي صاحب صوت جميل وأداء متفرد يقول حسين الأعظمي إنه تفوق على كل المغنيين العرب من ناحية الأداء الفني الذي لا يضاهى واستخدم تعابير فنية فائقة الروعة كذلك كان اختياره للقصائد مميزا فجعله يغزو الذوق العربي بسرعة كبيرة للتكامل الذي تمتع به صوته.
كذلك أدى بعض المواويل ذات الكلمات والألحان العذبة التي تلامس القلوب بالاضافة لصوته الذي أضفى جمالا على جمال وحبب إلى المستمع العربي المقامات العراقية التي جاءت من بيئتها العراقية الحاضنة والتي هيئت الاستمرارية لكل الفنون العراقية فبسبب روعة دجلة والفرات والحضارة التي نشأت في تلك المنطقة والقوة السياسية والاقتصادية والثقافية التي دعمت بقاءه اخترق المقام العراقي كل العصور بقوته الذاتية من حيث اللحن.
03c5feb9e7