هذا عنوان واحدة من روائع الغناء الإسلامي العربي في القرن العشرين قدمتها سيدة الغناء العربي أم كلثوم قبيل وفاتها في منتصف السبعينيات من القرن العشرين ولحنها الملحن الكبير رياض السنباطي وكتب كلماتها الشاعر الكبير بيرم التونسي- رحمة الله عليهم جميعا.
لن أكتب تحليلا موسيقيا شاملا عن هذه العمارة الفنية العظيمة ولا عن سيرة حياة أم كلثوم أو الشاعر بيرم التونسي ولا عن الملحن العبقري رياض السنباطي ولن أتطرق كذلك في هذه الزاوية القصيرة إلى قصة كتابة كلماتها أو قصة التلحين ولا التاريخ الذي غنت فيه أم كلثوم القلب يعشق كل جميل حيث يمكن إدراجها ضمن آخر أغانيها وختام مشوارها الفني الثري الذي شمل كذلك أغاني يامسهرني وليلة حب وحكم علينا الهوى فقد كُتب عن تلك الموضوعات الكثير ولن أضيف الجديد بشأنها حيث يجدها القارئ الكريم في مختلف مواقع الإنترنت وحتى على قنوات اليوتيوب وسيكون بمقدوره أيضا أن يستمع إلى غناء أم كلثوم الرائع بل وحتى ينزّل في هاتفه هذه التحفة الموسيقية والأدبية التي لو تجسدت في لوحة فنية تشكيلية كما جسدها الملحن العبقري رياض السنباطي وأم كلثوم والفرقة الموسيقية المصاحبة لعُلقت في أعظم المتاحف.
اخترت الكتابة عن هذه الأغنية الجميلة في هذه الأوقات الرمضانية إلى جانب تسجيل بعض الملاحظات عن الأغاني الإنشادية العُمانية التي استمعت إليها تُبث في إذاعاتنا هذه الأيام بكثرة وأقول: إن الأعمال الموسيقية والغنائية تكتمل باكتمال عناصرها الفنية والعازفون البارعون على الآلات الموسيقية في مقدمة هذه العناصر. ومع أن الصوت البشري أكمل الآلات إلا إنه في الغناء بحاجة دائما إلى ضابط معياري من قبل آلة موسيقية للتدرب أو المصاحبة ولكن الأسلوب الذي لم استحسنه في الأغاني الإنشادية هو كثرة استعمال الآهات والترنمات بأصوات المنشدين وهم يحاولون بذلك الاستعاضة عن دور الآلات الموسيقية في أداء المقدمات واللزم الموسيقية بمناسبة أو غير مناسبة. وحسب معلوماتي إن الإنشاد ليس فنا حديثا في عُمان فقد كان معروفا في مجالس الشعر منذ القدم ولهم فيه طرق وأساليب قديمة.
وللحقيقة فقد استمعت إلى عدد رائع من الأعمال الإبداعية يؤديها أفراد ومجموعات إنشادية عُمانية التي أقل ما يمكن أن أوصفها بالرائعة. ولكن طالما قد اختار معظم المنشدين الاعتماد على أصواتهم والتقليل من استعمال الآلات الموسيقية أنوه في هذه المناسبة إلى أهمية دراسة التجويد والتلاوة والمقامات العربية وكذلك الغناء الكورالي وتأسيس مجموعات للتدريب عليها ودراسة طرقها وأساليبها الفنية في التأليف والأداء الفني بما في ذلك تعدد الأصوات.
وبالعودة إلى موضوعنا الرئيسي لابد أن المستمع إلى رائعة أم كلثوم القلب يعشق كل جميل لاحظ معي دور آلة القانون البارز من خلال أداء الأستاذ محمد عبده صالح الذي يكاد أن يكون ثاني المؤدين بعد أم كلثوم نفسها فيما يشترك في الصولو الأخير معهما عازف الكمان الشهير الأستاذ أحمد الحفناوي على ما أعتقد كثالث الأثافي إن جاز التعبير. فالأعمال الموسيقية ليس يقدمها المطرب فقط بل وكذلك العازفون الماهرون الذين يلاقون أيضا التكريم بالتصفيق من الجمهور تقديرا لحسن أدائهم.
لم تكن القصيدة الدينية الوحيدة التي غنَّتها أم كلثوم ولم يكن اللحن الوحيد الذي لحَّنه رياض السنباطي لقصائد دينية أو الأغنية الوحيدة التي جمعت بين موسيقاه وصوت أم كلثوم ولكنها درَّة الأغاني الدينية لأم كلثوم وأكثر ألحان السنباطي تعبيراً ووصولاً.
والحقيقة إن أم كلثوم التي بدأت حياتها الغنائية منشدة دينية كان للغناء الديني نصيبٌ غير قليل في أغانيها فيما بعد وخاصة القصائد منه ومن ذلك: قصيدتا نهج البردة وسلوا قلبي عام 1946 وقصيدة إلى عرفات الله عام 1951 وجميعها من شعر أمير الشعراء أحمد شوقي ومن ألحان رياض السنباطي. وقصيدة التوبة: عام 1962 من كلمات عبدالفتاح مصطفى وألحان رياض السنباطي ثم القصائد ذات الطابع الصوفي في فيلم رابعة العدوية ومنها: لغيرك ما مددت يدا والرضا والنور عام 1963 للشاعر طاهر أبو فاشا وكانت الأولى من ألحان كمال الطويل والثانية من ألحان رياض السنباطي ثم قصيدة حديث الروح من كلمات الشاعر محمد إقبال الباكستاني والتي ترجمها من الأوردية إلى العربية الشيخ الصاوي شعلان من علماء الأزهر الشريف وغنَّتها أم كلثوم عام 1967 من تلحين رياض السنباطي ثم قصيدة الثلاثية المقدسة من كلمات صالح جودت وألحان رياض السنباطي عام 1972.
ولعلنا نلاحظ أن القاسم المشترك في كل هذه الأغنيات هو اللغة الفصحى وصوت أم كلثوم وموسيقى رياض السنباطي ولعل نشأة كل منهما الريفية والدينية وتوافقهما في تذوق الشعر العربي هو الذي أخرج هذا المزيج الرائع من الأغنيات الدينية في التراث الغنائي لكليهما. وجاءت أغنية القلب يعشق كل جميل لتتوج هذا العطاء المتميز حسَّاً وتعبيراً عاطفةً وصوفية وإن كانت بالعامية المصرية. ويكاد يجمع من يسمعها على صوفية روحها وعلى رقة كلماتها وعذوبة لحنها وحسن إنشاد أم كلثوم لها بل ويتأثر بها ويكاد تدمع عيناه من فرط التأثر بها هذا التأثر امتد لمن لحنها ومن غناها فقد قال السنباطى لزوجته متأثراً بالحالة الروحية للأغنية وبكلماتها وتجاوبه معها: إنني أشعر أنني سأحج بهذه الأغنية وشاء القدر وكانت العمرة من نصيب السنباطي كما بكت أم كلثوم متأثرة وهي تغنيها لأول مرة على المسرح في 3 فبراير عام 1972م.
كانت أغنية أو قصيدة القلب يعشق كل جميل هي القصيدة الدينية الوحيدة من أشعار الشاعر بيرم التونسي (1898-1961) صاحب الأغنيات العاطفية مثل: الأوله في الغرام أنا في انتظارك أهل الهوى هو صحيح الهوا غلاب الحب كده حبيبي يسعد أوقاته... وغيرها. فكانت هذه الأغنية الدينية الوحيدة التي غنتها أم كلثوم بالعامية وهي الأغنية الدينية الوحيدة لبيرم التونسي وهو شاعر مصري ذو أصول تونسية ويعدُّ من أشهر شعراء العامية المصرية ويعتبره النقاد رائداً لشعر العامية في مصر إذ سار على نهجه من تبعه من شعرائها وهو أحد اثنين من شعراء العامية كان يخشى أمير الشعراء أحمد شوقي على شعر الفصحى من شعرهما وكان الثاني هو الشاعر أحمد رامي.
كتب بيرم هذه الأغنية أو القصيدة بعد رحلة حج إلى مكة وتأثره بروحانيات المكان وقيل إنه كتبها في الروضة الشريفة وأعطى بيرم الأغنية إلى صديقه وتوأم روحه الملحن زكريا أحمد لكي يلحنها عام 1961 وعرضها زكريا بدوره على أم كلثوم فاعترضت على بعض الجمل اللحنية. وحدث أن توفي بيرم التونسي وزكريا أحمد في 5 يناير و14 فبراير على التوالي من العام نفسه. بينما ظلت الأغنية حبيسة الأدراج عشر سنوات تقريباً حتى عام 1971 تحديداً عندما بدأ رياض السنباطي بروفات تلحينها.
03c5feb9e7