يُعنى علم تاريخ الأفكار بتطورها وتغيّرها عبر الزمن وتشكّل الوحدات الفكرية لبناته الأساسية وهي بُنى لا تتغير بل تنفصل وتلتحم عبر الزمن لتقدّمَ ظواهرَ تاريخية جديدة وتحوُّلًا في الثقافة الإنسانية وتتجلى مهمةُ مؤرخِ الأفكارِ في اكتشاف هذه البنى ولحظاتِ مَدِّها وانحِسارِها وارتباطِها وانقطاعِها عبر الزمن.
لم تشهد الفترة الممتدّة بين القرنين السابع والثاني عشر الميلاديين كتابة الشيء الكثير عن الفكر الاقتصادي في الإسلام وقد تأخرَ دور الأوروبيين في هذا حتى القرن العشرين حين ناقش الاقتصادي الفرنسي فرانسوا بيرو (Franois Perroux) رسالته للدكتوراه في عام 1926 التي تصدّرتها الآية القرآنية وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (المطففين: 1) في إشارة مقصودة من بيرو إلى خُلُق إسلامي قرآني يُعتبر مبدأً مؤسِّسًا في نجاح المعاملات وهو الأمانة في الموازين.
وقد بنى الاقتصاديون المسلمون قواعدهم الاقتصادية النظرية والعملية انطلاقًا من مبدأ النزاهة مؤسسين علمًا جديدًا هو علم الاقتصاد العملي الذي وضعه قضاة استوعبوا خلال حكمهم في نزاعات المعاملات التجارية جميع صور الغش الممكنة المتعلقة بكمية البضائع أو نوعيتها أو أسعارها فميّزوا السعر الظاهر من السعر الحقيقي وبيّنوا المكاسب الناتجة من الفساد ونشروا ما علموه في أوساط المستهلكين والمنتجين فأنشؤوا مقاربة عملية للاقتصاد تلتها بعد ذلك القواعد النظرية التي أعدّها الفقهاء والفلاسفة الذين توحدت كلمتهم رغم اختلافهم الدائم في أمور الدين الأخرى بمجرّد أن تعلّق الأمر باقتصاد السوق الذي اجتهدوا في تفسير كيفية تسييره لتحقيق فائدة أفضل للجميع.
ويجعل الاقتصاديون المسلمون الأوفياء للفكر الأرسطي من النقد Monnaie آليةً للمساواة والعدل في المعاملات ولذلك يستنكرون المقايضة ويعتبرونها مناقضة للمساواة المنصوص عليها في الشريعة والتي جُعِلَت صنوًا للحرية في المعاملات. لكن ابن مسكويه الفيلسوف يرى أن السوق لا تؤدي دائمًا إلى المساواة بين الأغنياء والفقراء ويطالب بنقل موارد الأغنياء إلى الفقراء في حين يحرِّم الماوردي الفقيه على السلطات الحاكمة التسبب بعجز في الموازنة ويظهر بهذا بعض الخلاف الطفيف بين الفلاسفة والفقهاء.
وقد رأى الغزالي تجديد القواعد النظرية بعد أن شاخت فطالب نظريًّا بإلغاء الرق والسخرة وإضافة طبقة النقلة وعمال التخزين فاستحدث بذلك خدمات تجارية لم تكن موجودة قبلًا في حين وافقه ابن رشد بالإشارة إلى شيخوخة هذه القواعد وعدم ملاءمتها العصر لكنه لم يدعُ إلى تجديدها. وبعد قرنين فصّل ابن خلدون المتشبّع بنهج ابن رشد الرابطَ بين الدين والاقتصاد فجعل الأخير علمًا إنسانيًّا واخترع علم الاجتماع الاقتصادي.
من هم أولئك المفكرون المسلمون الكبار الذين لم يكن الاقتصاد غريبًا عنهم وإن لم يكن في مركز اهتمامهم وقاربوه ببراعة ما أفكارهم ونظرياتهم في هذا الموضوع هذا هو موضوع هذه الدراسة الغربية التي تجري أول إحصاء غير حصري للمؤلفين العرب المسلمين الأساسيين وأفكارهم الاقتصادية.
لم تكن معرفة فكر الإسلام الاقتصادي لمؤلف غربي عملًا سهلًا فاللغة وإن كانت عقبةً إلا أنه تجاوزها بفضل النصوص المترجَمة حتى اليوم إلا أن خصوصية الفكر العربي الإسلامي تجعل الاقتصادي غير الناطق باللغة العربية يرى عمله محدودًا كمًّا أولًا بسبب ندرة الترجمات الموجودة ثم نوعًا بسبب مدى دقة الترجمة المطلوبة لنقل أمين لمضمون النص الأصلي إذ لا يفرّق الفكر الإسلامي بين مكونات الحياة الإنسانية المختلفة فالدنيوي والروحي والديني شيء واحد فيه إذ لا تُفسَّر العلوم والاقتصاد وغيرهما من دون إشارة إلى القيم الدينية والأخلاقية.
ولذلك فإن عزل الجانب الاقتصادي في كتابٍ ما قد يعرّض النص لخطر تبديد المعنى والتأويل الناقص. وبناءً عليه فإنه ينبغي إلى جانب الترجمة الأمينة لنصوص أبرز المفكرين في مجال التداول الإسلامي استشفاف ما يمكن من الإضاءة الفقهية والدينية لكتاباته ورسائله مكملًا مثاليًّا لفهم الجانب الاقتصادي.
منذ بداية عام 2022 يعاني الاقتصاد العالمي من موجة تضخم كبيرة لم يشهد مثلها منذ عقود على خلفية العودة التدريجية للأنشطة الاقتصادية العالمية بعد أن شارفت أزمة جائحة كورونا على الانتهاء مما أدى إلى خلل في سلاسل التوريد نتج عنه ارتفاع في أسعار جميع السلع والخدمات. وما زاد الطين بلّة اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط وهو ما أدى إلى المزيد من النتائج السلبية على الاقتصاد العالمي.
وبما أن هذا التضخم يطول الجميع وأنه -بحسب التوقعات العالمية- لن يرحل قريبا فإن أول سلاح لمواجهة الوضع الحالي هو فهمه فهما صحيحا. لذلك نُرشِّح هنا مجموعة من الكتب التي تُبسِّط علم الاقتصاد بأسهل صورة ممكنة وتُقدِّم للقارئ ما يريد معرفته من كل الأساسيات المتعلقة بالاقتصاد التي ستؤثر حتما على طبيعة قراراته الاقتصادية في عالم متقلب.
"بصفتي أستاذا في علم الاقتصاد اعتقدت على الدوام أنه إن لم يكن في وسعكم شرح الاقتصاد بلغة يستطيع الشباب فهمها بسهولة فأنتم ببساطة شديدة جاهلون".. يانيس فاروفاكيس
بهذه الكلمات يفتتح أستاذ علم الاقتصاد اليوناني الجنسية "يانيس فاروفاكيس" كتابه "الاقتصاد كما أشرحه لابنتي" الذي نُشر للمرة الأولى عام 2013 ثم صدرت له عدة طبعات عالمية بمختلف لغات العالم بما فيها اللغة العربية. في الحقيقة كاتب الكتاب ليس أستاذا جامعيا أكاديميا فقط بل هو اقتصادي مخضرم شغل منصب وزير المالية اليوناني عام 2015 بوصفه خبيرا في إدارة علم الأزمات الاقتصادية ذلك النوع من الأزمات الذي كانت تشهده اليونان في تلك الفترة.
في السنوات الأخيرة عُدَّ هذا الكتاب واحدا من أهم وأشهر كتب تبسيط علم الاقتصاد على الإطلاق إن لم يكن أشهرها بالفعل. الكتاب يجمع ما بين السرد المقالي والقصصي حيث تخيَّل الكاتب أنه يخوض نقاشا مع ابنته الصغيرة الحاصلة على الجنسية الأسترالية ويشرح لها بالتدريج مبادئ علم الاقتصاد كافة بشكل يخلو تماما من أي تعقيدات وبأسلوب يناسب طفلة في بدايات مرحلة مراهقتها وينقل هذا النقاش المبسَّط إلى القارئ مهما كانت مرحلته العمرية.
يفتتح فاروفاكيس الفصل الأول من كتابه بطرح السؤال الذي يطرحه أي أحد: لماذا يعج العالم باللا مساواة لِمَ هناك طفل ما في مجتمع ما يملك كل شيء ويتغذى جيدا ويتعلم جيدا بينما يوجد طفل في العمر نفسه في مجتمع آخر محروم من كل شيء ويعاني من سوء التغذية ولا يملك أساسيات الحياة الطبيعية لماذا يوجد مجتمع غني وآخر فقير وهل الأمر كله متعلق بكثرة أو ندرة الموارد بالفعل أم أن هناك عناصر أخرى تفسر هذه المعضلة
03c5feb9e7