ومن حصاد تلك السنة المباركة (73-74 الصف السادس) علاقتي بالأخ أنطوان كامل (1956-2005) ([1]) (أبونا طوني كامل لاحقاً). جاءني إلى مدرستي (فرير جبيل) وكان تلميذاً في ثانوية جبيل الرسمية جارة مدرستنا وقال لي سمعتُ عن نشاطاتكم المسيحية البنّاءة وأُحبّ أن نتعاون لنشر الكلمة وبشرى يسوع. وكان يقوم بنشاطات مماثلة لنشاطات جمعية أبناء مريم في الثانويّة.
وعندما انتقلنا إلى الحركة الرسولية المريمية وإلى الاجتماع في أنطش جبيل كان يرافق في الغالب اجتماعاتنا ويُغْنيها بحضوره المحبّ وبكلماته الوديعة والملهمة. كان شابّاً تقيّاً غيوراً يكرّس ذاته للنشاطات الروحية ولخدمة الأنفس. ومن ذكرياتي عنه في تلك الحقبة الأولى من علاقتنا أنّنا لعبنا دوراً عليه لما عرفناه عنه من غيرة على النشاط المسيحي وعلاقة المحبّة التي يجب أن تسود بين أعضاء الحركة الرسولية المريمية. فاتّفقتُ مع زميلي متى سعادة على أن نوهمه أنّنا على خلافٍ. فجمَعَنا على جناح السرعة وطفقنا نمشي سويّاً ونتجاذب أطراف الحديث. وهمّه الأوّل كان معرفة أسباب الخلاف لتسويته بالتالي. فسأل:
فسكتنا فاستنتج ما قصدنا نحن أن يستنتج. وكنّا نشرئبّ بين الفينة والأخرى كلٌّ يتّهم الآخر بالسعي إلى الزعامة وبتجييش الآخرين ضدّه فيحاول أنطوان كامل أو الأخ طوني كما كنّا ندعوه أن يهدّئ الأجواء الحامية بيننا. وكم ردّد يومها:
وكان يأخذ بيد الواحد منّا محاولاً أن يقرّبه من الآخر فيبتعد الثاني رافضاً حتى بقينا أكثر من ساعة على هذا النحو من الجدل وتراشق التهم. فأعياه التعب. وعندها وإشفاقاً عليه بُحنا له معاً بالحقيقة وبأنّنا كنّا نمثّل عليه دور المختلفين فافترّ ثغره عن ابتسامة عريضة وبدا وكأنّه قد ربح كنزاً وعلا صهيل ضحكته الودودة المميّزة. ولا أزال أذكر وجهه المشرق فرحاً يومها وقوله لنا:
وهكذا كنّا نمزج الولدنة بالعمل الرسولي أمّا الأخ طوني فكان غريباً عن هذه الأساليب. وكانت طيبته اللامتناهية تتيح لنا أن نمرّر لعبة كهذه عليه. وكان منذ زمن الصبا يعاني من مشاكل صحّية أضعفت كبده وهي التي أودت بحياته شابّاً في النهاية.
وعندما بدأتُ بممارسة التأمّل واليوغا واشتهر أمري أتاني زائراً وكان قد صار كاهناً (سيم في 10/5/1986) وكان يرافقه عدد من أعضاء الحركة الرسولية المريمية في نهر إبراهيم/قضاء جبيل. ودار بيننا حوارٌ عميق في اليوغا والتأمّل. فلم يُقنع أيّ فريق الآخر بيد أنّه كان حواراً مجدياً تلاقحت فيه الأفكار.
وعندما صار خادماً لرعيّة بطحا/قضاء كسروان (في بداية التسعينات) جاءني إلى دار ومكتبة بيبليون في جبيل تجاه الأمن العام مقترحاً التعاون في نشاط الكرمس في الضيعة فأقمنا معرضاً للكتاب يومها ضمن هذا الكرمس.
والتقيته لاحقاً فسألته عن بطحا فأجاب أنه ترك الرعية والعمل الرعوي عموماً. قلتُ لماذا فروى لي أنّه كان يرفض دخول النساء والصبايا عموماً إلى الكنيسة في ثيابٍ يعتبرها غير محتشمة حتى ولو في الأعراس. وكانت الأعراس ولا تزال مناسبة عند النساء لعرض الأزياء دون أن يأخذن بعين الاعتبار وجوب مراعاة قواعد الحشمة في الكنائس وهذا ما لم يكن أبونا طوني ليقبل به. فكان يؤنّب وقد يصل به الأمر إلى منع امرأة غير محتشمة من دخول الكنيسة. فشكوه إلى المطران (شكرالله حرب) فاستدعاه ليسأله عن ذلك. وبعد نقاش طويل بين الأسقف وكاهنه قال له المطران:
وهكذا كان. فعاد أبونا طوني كامل إلى بيته وترك رعيّة بطحا وسائر الرعايا. هذا ما أخبرنيه يومها بالحرف وبالتفصيل.
وموقف الخوري أنطوان كامل المميّز هذا يستحقّ وقفة وتبصّراً. فهو لم يشأ مخالفة رئيسه المباشر ومطرانه بيد أنّه وفي الوقت عينه لم يستطع أن يقوم بما لا يُرضي ضميره وبما يخالف قناعته فاستعفى غير آسفٍ على عملٍ وعلى مورد رزق كان بحاجةٍ إليه. وليت المتكالبين على السلطة في أيّامنا وفي بلدنا يصغون إلى هذه الرواية ويتدبّرونها!
وبعدها كان لي لقاء ومسار مع أبونا طوني في فرنسا وكنت قد هاجرتُ إلى باريس منذ 1991. ذهب الخوري كامل ليقيم في دير للراهبات في منطقة Corrze الجبلية الباردة وعرفتُ من أختي بسفره هذا فاتّصلتُ به. كان في وضعٍ صعبٍ يومها: كاهنٌ بلا مرتّب وجلّ ما يحصل عليه ما يُقيته. فبدأتُ أرسل له مساعدات دوريّة فأطلب من أصدقاء ومعارف أن يحرّروا لي شيكّات وأجعلها باسمه وأرسلها إليه في البريد زاعماً أنّها تبرّعاتٍ له من مؤمنين. وما كان ليقبل بأيّ تبرعٍ أو مساعدة عن غير هذه الطريق!
وجاءني إلى باريس في طريق العودة إلى لبنان بعد أن أمضى سنة أو اثنتين في ذاك الدير قاسى فيها الأمرّين من البرد الذي يؤذي صحّته فأمضى عندي ليلة ليسافر إلى بيروت في اليوم التالي. وعرف عن طريق الصدفة ولا أذكر كيف أنّني أنا من كان يرسل له هذه الشيكّات ومن مالي فقال لي معاتباً وبنبرته الودودة التي تمزج بين الجد والمزاح:
-لا تقلق لم يكن في الحقيبة سوى أمتعةٍ وأحذية قديمة لي وإنّني محرجٌ فعلاً وخجلٌ ممّن تنكّب مشقّة حملها وأخذها. فقد أراحني منها ومن حملها معي إلى لبنان وأستحي من خيبة الأمل التي سيشعر بها عند فتحه لها!!
فانفجرتُ ضاحكاً من قوله هذا وضحك بدوره معي. وكان هذا شأنه دوماً إذ يتقن تحويل المواقف الحرجة إلى فُرص للفكاهة والضحك. وشرّ البليّة ما يضحك يقول المثل العربي!
وفي مطار شارل دو غول رغب في أن يخفّف ممّا يحمل في حقيبته مخافة أن يتجاوز الوزن ما هو مسموحٌ به. وممّا أخرجه منشفة زرقاء استحلفني أن أرميها في سلّة النفايات فأجبته:
وعندما توفّي عمّي الخوري فرنسيس صليبا في أيار 1996 وقف إلى جانبي وانتظر وصولي إلى لبنان لإحياء ذكرى الأربعين. فأقمنا قدّاساً في كنيسة مار يعقوب/جبيل احتفل به هو بصوته الصادح الجميل. وبعد القدّاس توجّهنا نحو الضريح لنصلّي الأبانا والسلام على روح الكاهن الراحل. فبدأ والدي طانيوس صليبا يتلو الأبانا بصوتٍ مرتفع:
في أوائل القرن 21 استلم الخوري كامل مسؤولية المتابعة الروحية للمرضى في مستشفى سيدة المعونات الجامعي في جبيل. فقرّبت بيننا المسافات وكنتُ قد عدتُ من باريس في صيف 2001 فكان في طريق إيابه إلى منزله يمرّ لزيارتي في البيت أو في المكتبة ويطّلع على جديد الكتب ولا سيما الروحية منها. وكان مولعاً بالكتب شأنه شأني ويمضي ساعاتٍ أمام رفوفها. وكان من عادته أن يرفض الهدايا ولا سبيل لأن تقدّم له شيئاً أو مساعدة أياً تكن باستثناء الكتب فهي الهدية الوحيدة التي لم يكن يعترض عليها وكنتُ أفرح بأن أقدّم له جديد الكتب ونتحاور لساعات في مضمونها. وكان مولعاً بالكتابة منذ الصفوف الثانوية بيد أن ما نشره ممّا كتب كان نادراً. وكان بصدد مشروع تأليف كتابٍ عزيز عليه وموضوعه الحشمة: فضيلة محبّبة لديه ولا يملّ من الحديث عنها وقد ضحّى بخدمة الرعايا لأنّه لم يساير في مسألة الحشمة كما أسلفنا. وقال لي ذات يوم أنّه سأل عدداً من المطابع عن تكاليف طباعة هذا الكتاب فتبيّن له أنّها تفوق إمكاناته المادّية. فقلتُ له لا تقلق سأتولّى عنك ذلك ويمكن عن نُصدر الكتاب عن دار ومكتبة بيبليون التي أملك. فأعجبته الفكرة. فطفقتُ ألاحقه بشأن إتمام الكتاب ولا مطمع تجاري لي في كتابٍ كهذا بل طمحت بالتبرّك بأن يكون فاتحة منشوراتنا. وكان يجيبني دوماً أنّه بصدد تنقيحه.
03c5feb9e7