
الانتخابات المصرية.. موسم الخطاطين
شوارع القاهرة وبقية المدن المصرية تحولت إلى غابة من اللافتات الدعائية لانتخابات البرلمان، التي اشتعلت منافساتها مع اقتراب موعد التصويت يوم 28 نوفمبر الجاري، حيث يتنافس 5181 مرشحاً ومرشحة على الفوز بمقاعد البرلمان التي يبلغ عددها 508 مقاعد منها 64 مقعدا للمرأة. الكل يتفنن في الاستعانة بأساليب الدعاية لاجتذاب الناخبين وتراوحت ما بين الحديث والتقليدي، كالقيام بتوزيع أكياس بلاستيكية وملصقات على الجدران وشرائط كاسيت عليها أغان تعرف الناس بإنجازات المرشحين، إلى جانب إرسال رسائل sms للناخبين عبر المحمول، وهناك إنشاء مواقع إلكترونية في الموقع الاجتماعي «فيس بوك» لشرح برامجهم والرد على خصومهم.
رغم التنوع والحداثة اللذين تشهدهما الأساليب الدعائية للمرشحين، فإن السمة البارزة أنهم جميعا لم يتخلوا عن الأسلوب التقليدي الشائع منذ عشرات السنيين بالاعتماد على لافتات القماش كوسيلة تقليدية في الدعاية، حيث اكتظت الشوارع والميادين بآلاف اللافتات التي تروج للمرشحين ومعها انتعشت أسواق بيع القماش وكثر التهافت على الخطاطين لكتابة لافتات التأييد قبل تثبيتها في الشوارع والميادين وعليها عبارات نمطية.
أساليب الكتابة
يقول إبراهيم محمود، أحد صانعي اللافتات بوسط القاهرة، إنه يصنع اللافتات دون
التمييز بين المرشحين أو أهدافهم أو برنامجهم الانتخابي؛ لأن هذا هو مصدر رزقه.
ويضيف «أعمل في تلك المهنة منذ أكثر من 35 عاماً، خاصة أنني درست الخط العربي وملم
بكافة أساليب الكتابة، إلا أن السمة البارزة في الانتخابات أن جميع المرشحين
يفضلون النسخ بدعوى أنه الأنسب للقراءة لكافة المستويات». ويعلق «ليت أيامنا كلها
انتخابات فتلك الأيام هي بالنسبة لنا موسم كبير ننتظره بفارغ الصبر ومعه تتبدل
أحوالنا المادية والمعيشية كثيرا».
ويشير الخطاط أحمد العربي إلى أنه يصنع لافتات المرشحين منذ شهر رمضان الماضي. ويقول «نحن أصحاب مهنة يقل الطلب عليها في غير فترات الانتخابات؛ لذا ننتظرها بفارغ الصبر لأنها تدر علينا دخلا وفيرا يعيننا في أيام الركود على مواجهة متطلبات الحياة». ويلفت إلى أنه بالكاد ينام أربع ساعات يوميا لانشغاله في كتابة اللافتات القماش يوميا، موضحا «نحن طوال العام نائمون وبلا عمل».
ويبين العربي أنه يصنع ما بين 10 و 15 لافتة يوميا بأطوال تتراوح بين متر للافتة الصغيرة التي يتم تثبيتها على أعمدة الإنارة والنوافذ والسيارات و20 و30 مترا للافتات الكبيرة التي تعلق بعرض الشوارع الكبرى والميادين الشهيرة وواجهات منازل ومقار المرشحين ويتقاضى 20 جنيها عن كل متر يدفع منها ثمن الألوان المستخدمة، والتي تتنوع ما بين الزهرة «مسحوق أزرق اللون» والغراء والسلاقون، وهناك ألوان أخرى زيتية كالمستخدمة في لوحات الفن التشكيلي، لكن الشائع قماش البفتة وألوان الزهرة والسلاقون.
إلكتروني وتقليدي
يقول العربي إن هناك بعض المرشحين حرصوا على تذكيره بأهمية أن يكتب ببنط بارز على اللافتة اسم الموقع الإلكتروني له على الإنترنت أو صفحته في موقع «الفيس بوك» ويسعده التواصل مع الجميع في أي وقت، مشيرا إلى أن لتلك اللافتات أهمية كبرى أيضا بعد انتهاء الانتخابات، حيث يتسابق الفقراء في الأحياء الشعبية على جمعها وغسيل ما يصلح منها خاصة المكتوب بألوان الزهرة الزرقاء والسلاقون وإرسالها إلى الترزي لصناعة ملابس للأطفال أو بيعها في الأسواق الشعبية على هيئة قماش مستعمل المتر منه لا يتجاوز جنيهين.
ويضيف أن هناك مواقف طريفة تحدث من الآن حول اللافتات من بعض المواطنين في الأحياء الفقيرة ممن تستغل نوافذهم في تعليق اللافتة بعضهم يسرع من الآن في نزعها سرا وغسلها وإرسال القماش إلى أقرب ترزي كي يتم تفصيله ملابس له وهناك آخرون ينتظرون إلى وقت إعلان النتيجة النهائية وبعدها يجذبون اللفتات إلى داخل الشقة للاستفادة منها.
ويقول إسماعيل فؤاد (38 سنة) إن الإنترنت والفيس بوك والمحمول لم تغن الخطاط عن اللافتة القماش التي تعد مظهرا للوجاهة الاجتماعية بالنسبة للمرشح، خاصة في دوائر الريف والصعيد من حيث الحجم واللون ومكان وضعها في الشوارع. كما أنها وسيلة مجاملة لا غنى عنها من أصدقاء المرشح وأنصاره ممن يحرصون على التكفل بثمن لافتة أو اثنتين وتعليقها في مفاجأة سارة للمرشح تعبيرا عن دعمهم له ورغبتهم في مساعدته، مؤكدا أن هناك منافسة شرسة على صناعة أكبر عدد من اللافتات للتنافس بين المرشحين والكل يريد لافتات تغطي الشوارع ليرى الناس دعايته في كل مكان، وهذا كله مصدر خير للخطاطين ولباعة القماش.
سقف الإنفاق
يقول إبراهيم جابر، تجار القماش بمنطقة الأزهر بالقاهرة «ننتظر موسم انتخابات البرلمان بفارغ الصبر كل خمس سنوات، حيث يشهد منافسة كبيرة بين المرشحين، ولذا نبيع من خلاله آلاف الأمتار من القماش من صنف الدمور والبفتة البيضاء والتيل الأخضر والدكرون، وهي الأنسب لصنع لافتات التأييد والمبايعة وثمن المتر الواحد يتراوح بين 9 و 15 جنيها حسب النوع». ويؤكد أن حركة البيع في السوق لا تقتصر على المرشحين في القاهرة والجيزة وحدهم، وإنما يأتي مرشحون من محافظات أخرى كالشرقية وبني سويف والمنصورة ويعتمدون في نقل بضائعهم على عربات النقل الكبيرة والقطارات. كما أسهمت الانتخابات في ازدياد الطلب على محال الفراشة التي تقيم السرادقات للمرشحين وتوفير ما يحتاجون إليه من مقاعد ومكبرات صوت ومصابيح كهربائية.
ويقول سعيد عبدالعزيز «متعهد فراشة» إن الانتخابات بالنسبة لهم فرصة للعمل وكسب مزيد من الرزق في فترة وجيزة، موضحا أن تكلفة السرادق الواحد سعة 500 مقعد تصل إلى نحو 5000 جنيه، وأن المرشح يحتاج من 20 إلى 30 سرادقا حسب حجم دائرته وكثافة أفرادها، ففي أي مكان يذهب إليه يحتاج إلى إقامة سرادق ودعوة الناخبين إلى الالتقاء به، حيث تتاح له الفرصة ليتحدث إليهم ويعرض برنامجه.
وكانت اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات حددت سقف الإنفاق في الدعاية الانتخابية لكل مرشح بألا يتجاوز 200 ألف جنيه، إلا أن جميع المؤشرات تؤكد أن هذه الأرقام سيتم تجاوزها بكثير مع اليوم الأخير للانتخابات، وهو ما يجزم به خبير العلاقات العامة والإعلان الدكتور صفوت العالم الأستاذ بكلية الأعلام جامعة القاهرة، مؤكدا أنه من المتوقع وفقا لما يحدث حاليا من منافسة شرسة بين المرشحين في مجال الدعاية لأنفسهم مع غلاء أسعار الورق والقماش، أن يصل حجم الإنفاق في تلك الانتخابات إلى أكثر من 6 مليارات جنيه مصري على الدعاية فقط، خلاف قرابة هذا المبلغ على الأغذية والمساعدات العينية التي يقدمها المرشحون لفقراء الناخبين، وأن نصف المبلغ المخصص للدعاية من قبل أي ناخب على الأقل يذهب لشراء القماش وصناعة اللافتات التي تعد أنسب طرق الدعاية للناخب المصري لأنه اعتادها منذ سنوات وباتت بمثابة طقس لا غنى عنه في أي انتخابات ووجودها في الشوارع والميادين بكثافة يجعل من السهل على أي مواطن مهما كانت درجة ثقافته قراءتها.
بإمكان أصدقائك المشاركة في مجموعة الخطاط البريدية
بإرسال رسالة فارغة للرابط أدناه وسيتم انضمامه تلقائيا
callibaghda...@googlegroups.com