في زمن الرق الثاني!
إن المحظور الذي ينبغي أن ننتبه إليه دائما، هو أنه .. كما أن هناك استعمار جديد ، ثمة استرقاق جديد! لقد تبين أن الوجه الجديد للاستعمار ـ الثقافي ـ هو قناع هذا الرق الجديد. ذاك أن الاحتلال عندما يبسط نفوذه على عقول الناس، ويقيم ثكناته وسط جنباتهم، لا يصبح استعمارا. بل هو مرحلة أبعد وأخطر.. هو استرقاق بكل المقاييس! إن الاستعمار هو أن " تنهب" ثروة شعب آخر، أما الاسترقاق فهو أن "تملك" شخصا آخر. الاستعمار أن يؤمم بلد ويصادر لحساب شخص آخر. الثروة هي موضوع الاستعمار. والإنسان هو موضوع الاسترقاق! والاختلاف بين الاستعمار والاسترقاق هو اختلاف في النوع. لكن ما بين الاسترقاق الأول والثاني هو فقط مجرد اختلاف في الدرجة. تماما كالفرق بين المرض العادي والمرض الخبيث! في زمن الرق الأول كان " السيد" يمتلك بالمال والقهر ناتج عمل الانسان. يمتلك عرقه. وفي زمن الرق الثاني صار السيد يتلقى بغير مقابل نتاج فكر الانسان. يمتلك عقله. في زمن الرق الأول كان العبد يساق مكبلا بالسلاسل من شواطئ أفريقيا الى شواطئ العالم الجديد. مليون وصلوا الى تلك الشواطئ البعيدة. والباقون ماتوا في الطريق، وألقوا طعاما للحيتان في المحيطات. وفي زمن الرق الثاني بقيت طوابير العبيد في موطنها، ودفنت السلاسل في الأعماق، وأصبحوا هم الذين يسوقون غيرهم هذه المرة ـ ملايين أيضا ـ وبقيت "القبلة" كما هي.. مضبوطة على العالم الجديد ذاته!
كان العامة في الأغلب هم أبطال الصفقة في زمن الرق الأول، فلم يجاملهم أحد، وألقيت في وجوههم الحقيقة كاملة: حقيقة أنهم عبيد. لكن أبطال الصفقة في زماننا هذا هم من الخاصة في الأغلب، وهنا يكمن سر أنهم لم يسموا بأسمائهم الحقيقية، وأعطوا أسماء " حركية": أساتذة ودكاترة ومنظرون وبحاثا!
تعالوا نجرب، نفتح حوارا حول أية قضية فكرية. سترى الواحد من أصحابنا هؤلاء وقد تعرى تماما من كل ما يستر، وجثا على ركبيته مطأطئ الرأس، أمام سيد وقف في كبرياء، يرطن بالانجليزية أو الفرنسية أو الروسية.. أو.. أو لكن السيد لا يحمل سوطا هذه المرة، في رطانته الكفاية. هي البوق والسوط والمطرقة. قد تجد في العمق الواحد أكثر من سيد، وأكثر من رطانة، لكنك دائما ستجد عبدا واحدا هو صاحبنا.. هذا الوجيه المتفكر! وثمة حوارات لا تكون بحاجة الى كل هذا العناء، التفرس في الوجه والبحث في الأعماق، وفك رموز الرطانة. إذ أنك منذ تلك اللحظة الأولى تلمح السيد وهو يتقافز على طرف اللسان، وتكتشف بغير جهد انك تحاور في حقيقة الأمر فريقا من الغرباء قادمين من أقاصي الأرض، لا يربط بينهم سوى أنهم جميعا ينتمون الى جيل الرق الثاني! لاهم مسلمون، ولا عرب، وان أقسمت الأوراق بأغلظ الإيمان انهم كذلك. بل انهم أيضا لا هم أمريكان ولا روس ولا فرنسيين، وان أكدت الشواهد أنهم كذلك. هم مسخ من هؤلاء وهؤلاء. لا بقوا كما كانوا في الأصل، ولا صاروا كما أصبحوا في الصورة! ألم يكن أسلافهم كذلك؟ جيل الرق الأول، الذي حمل افريقيته معه الى أمريكا، وظل سنوات طويلة لا هو أفريقي ولا هو أمريكي، حتى توصل الى حل تلفيقي هو أن يصبح: " أفريكي"! ثم انتهى به الحال الى أن انقلب الى "أمريكي". ومع ذلك فلم تحل مشكلته، لا هو خلع جلد الأفريقي، ولا قبله المجتمع الأمريكي! إننا إذا أحسنا الظن بأصحابنا هؤلاء، فانهم لا يزالون في الطور الثاني من حالة الاسترقاق، الطور التلفيقي على الأقل، لأنهم لا يتكلمون بلغة ويفكرون بلغة أخرى. أولئك الذين يصفهم الرئيس التنزاني نيريري بأنهم " عاجزون عن النمو، لأنهم أصبحاو أوروبيين يرتدون جلودا سوداء"! ومع ذلك فليس المهم الطور، المهم هو حالة الاسترقاق ذاتها. وإذا كان المفكر الجزائري مالك بن نبي قد صك تعبير " القابلية للاستعمار"، واعتبر أن التصدي للاستعمار لا يمكن أن يتم ما دامت هذه "الحالة" مستمرة، إذ هي تعبير عن الاحساس العميق بالهزيمة النفسية والفكرية، واستشراء داء فقدان الذات. فإن حالة القابلية للاسترقاق تشكل من هذه الزاوية مرحلة متقدمة ـ أشد فتكا ـ لحالة القابلية للاستعمار. ونحن هنا ـ في زمن الرق الثاني ـ أمام مجموعة من المنحرفين ثقافيا. مجموعة من المرضى، أحوج الى العلاج بأكثر من حاجتهم الى العقوبة. أقول ذلك وأمام عيني شريط الحوار الذي شهدته في الخرطوم في صيف 1979، والذي كان موضوعه " التحدي الحضاري في الشرق الأوسط". وقد أثار انتباهي فيه، أولا، أن الداعي إليه هو اتحاد طلاب جامعة الخرطوم. قال لي أحد المشاركين في الاسبوع الثقافي، وهو قادم من إحدى دول المغرب العربي: تصور أنه طوال سنوات الاحتلال الفرنسي كانت اللغة العربية تدرس حتى الصف الثالث الابتدائي فقط، وتم " تطوير" المناهج بحيث أصبحت تدرس كلها بعد ذلك، وحتى نهاية التعليم الجامعي، باللغة الفرنسية! ثم أضاف: في ظل الاحتلال، كانت نساؤنا وبناتنا يرتدين زينا الوطني، كنت تعرف من نحن من "النظرة الأولى"، أما الآن، فلم يعد زينا الوطني يرى في الشوارع، إلا في أعداد قليلة من العجائز. الكل ـ رجالا ونساء ـ يرتدون الزي الأوروبي، ويتكلمون الفرنسية! وقال قادم آخر من المشرق: لا تزال المعركة عندنا مستمرة بين الداعين الى الثقافة الفرنسية، وأنصار الثقافة الانجليزية. يتعاركون على الولاء للسيد الانجليزي أو السيد الفرنسي. وخنقت أصوات المذكرين بأننا مسلمون وعرب، وأن لنا ثقافة يعترف بها العقلاء من " السادة" في أوروبا وأمريكا. ووقف أحد المتكلمين يتحدث عن بصمات عقلية جيل الرق الثاني في مجال التربية وعلم النفس. بدءا بالذين يروجون لأفكار فرويد في التفسير الجنسي لعلاقة الطفل بأمه، وانتهاء بخلو مناهج التعليم من " ذكر الله" "فالطبيعة" هي الخالقة في الفيزياء، والمعادلات هي التي تفسر كل شيء في الكيمياء، والصدفة هي التي صنعت الجغرافيا، والإنسان صانع التاريخ! كأن الله جل جلاله قد منع من دخول مدارسنا. وكأن معركة الكنيسة والعلم، البابا والإمبراطور، جرت في بلادنا أمس فقط! وأمامنا قرأ المحاضر نشيدا يردده التلاميذ كل صباح. وبين كل فقرة فيه قسم "باسم الشعب" لم يخطئ مؤلفه مرة ليذكر الصغار باسم الله. تماما كما فعل كمال أتاتورك في العشرينات، عندما طلب تغيير القسم الي يردده أعضاء البرلمان التركي ـ بعد إلغاء الخلافة الإسلامية ـ بحيث يقسمون بالشعب وليس بالله سبحانه. وروى هذه القصة التي جرت في مجتمع عربي مسلم فرضت عليه قيم عبادة الغرب، باسم المعاصرة والتحديث حرم قانون الزواج بأكثر من واحدة، وقرر عقوبة على ذلك. وقد حدث أن مرضت زوجة لأحد الأشخاص، وكان مرضها مزمنا ومستعصيا. وخشية أن يطلقها زوجها، اقترحت عليه الزواج من ابنة عمها. وتم الزواج بالفعل، واستمر سنتين أو ثلاثا. وخلال هذه المدة تسرب النبأ، فألقي القبض على الرجل وقدم الى المحاكمة ليعاقب عل مخالفته القانون.. إلى هنا والأمر محتمل، لكن ما حدث في قاعة المحاكمة كان أغرب! حاول محامي الزوج أن يبرئ موكله بطبيعة الحال، فاهتدى الى حيلة تدفع عنه التهمة. ولأن القانون يحرّم الزواج من ثانية، ولا يعاقب على الزنا، إذا بلغت المرأة سن الرشد، فقد وقف المحامي أمام الملأ يعلن أن الرجل بريء مما نسب إليه، وأن علاقته بالمرأة لم تكن زواجا والعياذ بالله، ولكنها كانت علاقة بعيدة عن هذه الشبهة.. كانت علاقة زان بزانية!! واستبسل المحامي لكي يثبت براءة الرجل من جريمة الزواج، مؤكدا أن الأمر لا يخرج عن مجرد الزنا، الذي يحميه القانون. ولكن الادعاء استبسل بنفس القدر في إثبات أن المتهم لم يكن بعيد عن براءة الزنا، وأن " شواهد الحال" تؤكد أنه اقترف جريمة الزواج! وطال الجدال، وقدم كل طرف مرافعته، وأحيلت القضية الى المداولة، جاء نطق القاضي بالحكم الذي أخذ بحجج الإدعاء بأن جريمة الزواج ثابتة، وأن الدفع القانوني بتوفر حالة الزنا لا يقوم على أساس. "وبناء عليه"، حكم بسجن المتهم لمدة سنتين، وبالتفريق بينه وبين زوجته الثانية!! ونشر الحكم في الصحف، واستقبله المسلمون بخليط من الذهول والفزع! وصفق جيل الرق الثاني لانتصار "سيادة القانون". في كتابه الشهير " من أجل حوار بين الحضارات"، الذي أدان فيه الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي الحضارة الغربية، واصفا إياها بأنها " كارثة" و "عرض زائل"، سجل جارودي جانبا من ممارسات الغرب في إبادة ثقافات الآخرين منذ القرن السادس عشر. وكان مما قاله أن عملية الإبادة هذه بدأت في أمريكا ذاته. " فما أن وطئت قدما الاسباني " هرمان كورتز" اليابسة، حتى أباد ثقافة " الأزتك"، وأجهز على ثقافة شعب " المايا". وقد نظم " ديجو دولاندا" وهو أول أسقف "ميراندا" في "بوكاتان"، محرقة حقيقية، وتبجج بأنه قضى على جميع كتابات "المايا" ليسهل دخول المسيحية! وظل هدف إبادة الثقافات مستمرا، بصيغ مختلفة. ففي سنة 1968، أعلنت جبهة تحرير موزمبيق " فرليمو":" إن التربية في المجتمع الاستعماري إنما تتم لخدمة المستعمر.. وفي نظام الرق، لا تهدف التربية إلا إلى تكوين جيل من العبيد:. وفي سنة 1919 حدد وزير المستعمرات الفرنسي " هنري سيمون" هدف التعليم في أفريقيا، بانه يرمي الى " تحويل أفضل العناصر من السكان الأصليين الى فرنسيين ناجزين". وفي سنة 1899، صدر بيان رسمي عن إدارة الاحتلال يحدد سياسة التربية والتعليم في مدغشقر بالوضوح التالي " نريد أن نجعل من المدغشقريين الأحداث رعايا أوفياء مطيعين لفرنسا، وأن نقدم لهم تعليما صناعيا وزراعيا وتجاريا، لتلبية حاجات المستعمرين، ومختلف الدوائر العامة في المستعمرة". إن استئصال ثقافات الآخرين، وتفريغ عقولهم من كل ارتباط أو انتماء الى الأصول، كان تمهيدا ضروريا لدخول زمن الرق الثاني الذي نتحدث عنه. وهدف " تحويل أفضل العناصر من السكان الأصليين الى فرنسيين ناجزين". لم يكن سمة مقصورة على الاستعمار الفرنسي، ولكنه ظل شعارا غير معلن لكافة موجات الاستعمار التي أطبقت على بلدان العالم الثالث. فالانجليز أرادوا تخريج "انجليز ناجزين"، والأمريكيين حرصوا على تربية " أمريكان ناجزين"، وإذا تمكن الروس فلا بد أن يسعوا الى تربية "روس ناجزين".. وهكذا! ومعركتنا مع هؤلاء الأبناء " الناجزين" للحضارة الغربية، وكسب هذه المعركة ضروري لبلوغنا مرحلة الانعتاق الثقافي، وهو الخطوة الأولى على طريق التحرير الحقيقي. ما العمل؟.. ليست القضية هي هل نأخذ من الحضارة الغربية أو لا نأخذ، فإن أحدا لا يستطيع أن يقف بمعزل عنها. فضلا عن أنها ليست ملكا للغرب، وإن ادّعوا ذلك، بل هي مرحلة في حضارة الإنسان التي ساهم المسلمون بالنصيب الأوفر. لكن القضية هي كياننا المهدد بالضياع وهويتنا التي تتعرض للطمس والمسخ، على أيدي أولئك الأبناء "الناجزين" للغرب، الذين اقتصر دورهم على "الاستقبال" دون " الإرسال". ولا مفر من "ثورة ثقافية" نسترد بها هويتنا المفقودة، ونكنس بها من عقولنا وكتبنا علامات المسخ والتشوه. لا بديل عن إجراء عملية تطهير واسعة، تزيل آثار محاولات الإبادة الثقافية التي لا نزال نتعرض لها، كبارا وصغارا. إن الانعتاق الفكري، التخلص من قبضة الرق الثاني، لا بد وأن يبدأ بمراجعة شاملة لمناهج التعليم، وبنقض موضوعي لفكر التبعية والتسليم بكل ما هو غربي. إن استثمار هذه الدعوة في إشاعة جو من الإرهاب الفكري، هو جريمة أخرى لا تقل فداحة في "حالة الاسترقاق للغرب". فنحن لا نريد أن نستبدل سوطا بسوط. نريد أن نستبدل فكرا بفكر، ومرضا بصحة، وعجزا بقوة. نريد أن نعيش ذاتنا، في زماننا. نريد أن نتخلص من انفصام الشخصية وازدواجها. نريد أن نقضي على بقايا الأغلال التي خنقت أرواحنا، ولوثت عقولنا، وطوقت جذورنا حتى كادت تقتلعها. و.. رحم الله امرأ عرف زمانه، واستقامت طريقته، كما يقول الحديث الشريف.
من كتاب القرآن و السلطان فهمى هويدى
|