على مدى ما يزيد على نصف قرن كانت الأغنية الوطنية حاضرة بقوة في تاريخ دولة الإمارات لبث الحماس في النفوس وجمع القلوب حول الراية الموحدة بداية من النشيد الوطني الذي اقتصر على مدى 15 سنة على مقطوعة موسيقية لتكون تحية العلم من تأليف الفنان المصري سعد عبدالوهاب ابن شقيق الموسيقار محمد عبدالوهاب حتى وقع الاختيار على الشاعر عارف الشيخ لتأليف كلمات تتماشى مع لحن موسيقى السلام الوطني ووافق عليه مجلس الوزراء في عام 1986.
أيضاً قدّم الموسيقار سعد عبدالوهاب في عام 1977 نشيد سوف نحمي الاتحاد الذي ارتبط في ذاكرة جيل السبعينات والثمانينات من أبناء الإمارات والمقيمين فيها بذكريات السنوات الأولى من الاتحاد وما شهدته من إنجازات متسارعة يقودها الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه. والأغنية من كلمات علي الشرفا وألحان وغناء سعد عبدالوهاب.
أما أغنية حياك في بلادي وهي من أوائل الأغاني التي قدمها الفنان عبدالله بالخير فتمثل نموذجاً مبكراً للأغاني السياحية حيث يدعو المطرب من خلالها الناس لزيارة بلاده ويرحب بهم فيه كما يتغنى بجمال وطنه وما يتمتع به من مميزات وهي من تأليف الشاعر الكويتي بدر البورسلي وألحان الراحل مرزوق المرزوق وإخراج عبدالله درويش.
وعلى مدى 51 عاماً توالت الأغاني التي تغنت بالوطن والاتحاد وإنجازاته وبطولاته وقادته وشعبه واتسمت بإيقاعاتها القوية التي تبث في النفوس مشاعر الحماس لتملأ نفوس مستمعيها بالفخر والاعتزاز منها أغنية مالي مع العالم أبد يا ديرتي التي عرفت باسم أغنية يا بلادي من غناء وألحان جابر جاسم وكلمات الشاعر الكويتي عبدالمحسن الرفاعي. ودولتنا الفتية من غناء وألحان الفنان محمد حسن وكلمات أحمد علي عبيد السعدي. وأغنية في القلب حبك ترسخ يا بلادي من تأليف الشاعر علي الخوار وغناء وتلحين الفنان ميحد حمد في أول تعاون بينهما وكان ذلك في عام 1989. وقدّم الخوار العديد من الأغاني والأوبريتات الوطنية منها أغنية أنا جندي من غناء الكورال وألحان عبدالله الشحي كما غنتها فرقة دبا الحربية وغناها الأطفال في المناسبات الوطنية. كذلك قدّم الفنان ميحد حمد العديد من الأغاني الوطنية التي لاقت انتشاراً كبيراً منها أغنية الله يا دار زايد في عام 2008 ومازالت باقية ولها مكانة كبيرة في ذاكرة وقلوب أهل الإمارات.
في 1977 لحّن سعد عبدالوهاب سوف نحمي الاتحاد الذي ارتبط في ذاكرة جيل السبعينات والثمانينات بذكريات السنوات الأولى من الاتحاد.
في مبادرة لافتة قامت مؤسسة زايد العليا لأصحاب الهمم بترجمة الأغاني الوطنية والترويجية الرسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة والدول الشقيقة والصديقة إلى لغة الإشارة ومن أهمها إعادة ترجمة أغنية شعب واحد المشتركة بين أصحاب الهمم الصم في مؤسسة زايد العليا ونظرائهم من الصم بالمملكة العربية السعودية بالتعاون مع جمعية المعاقين بالمملكة إضافة إلى تصوير أغنية تحيا مصر بلغة الإشارة من الصم منتسبي مؤسسة زايد للتأكيد على عمق التآخي بين مصر والإمارات على المستويين الرسمي والشعبي بالتوازي مع أغنية أبوظبي غير بلغة الإشارة من أداء أصحاب الهمم التابعين لمكتب ذوي القدرات والهمم بوزارة الشباب والرياضة المصرية.
الثقافة هي روح المجتمع التي تنفخ الروح فيه وفن المجتمع هو الأشد تعبيرًا عن هذه الروح - الفيلسوف الإيطالي جيامباتيستا فيكو.
جمع مِيِحَد حمد بين الحضور الحي في الذاكرة الثقافية الشعبية لأبناء الإمارات والغياب الإعلامي فهو مقل في الظهور إعلاميًا ومقابلاته التلفزيونية والصحيفة تعد على أصابع اليد الواحدة والمعلومات حول نشأته شحيحة جدًا.
ورغم ذلك تشير الروايات المتداولة إلى أن ميحد حمد المهيري ولد في مدينة كلباء بإمارة الشارقة عام 1961 أي قبل 10 سنوات من تأسيس اتحاد الإمارات وكان والده يعمل في إحدى مؤسسات الانتداب البريطاني في المنطقة قبل أن تقرر الحكومة البريطانية الانسحاب من الخليج العربي (1968-1971).
بدأت مسيرة حمد الفنية مع السنوات الأولى من تأسيس دولة الإمارات والتي كانت بدورها تسير سيرًا حثيثًا نحو ترسيخ دعائم مشروع الاتحاد وجمع كل أبناء الإمارات السبع حول هوية وطنية جامعة. ومع الحاجة إلى إيجاد معانٍ وخصائص وتصورات مشتركة داخل أطر الدولة الحديثة حضرت أغاني ميحد لتكون أحد التعابير الفنية الشائعة وإحدى الأدوات المسهمة في صياغة المخيال الشعبي والدفع نحو الاندماج الثقافي وتعميق الانتماء الجماعي.
يسعى هذا المقال بدايةً إلى محاولة فهم أسباب ملامسة الأغنية وجدان الشعب دون سواها من التعابير الفنية الأخرى وقدرتها التجديدية في إنتاج (وإعادة إنتاج) الوشائج الثقافية والاجتماعية التي تشكل الخلفية المرجعية لجماعة ما.
قد يكون أحد هذه الأسباب الأساسية هو أقدمية التعبير الغنائي. تؤكد الوثائق التاريخية والمرويات الشفهية أن هذا التعبير الفني ليس غريبًا على المنطقة بل إن تاريخ الغناء والأهازيج الشعبية في الخليج العربي يعود إلى الوراء ردحًا طويلًا من الزمن كأحد المكونات الاجتماعية والتعابير الثقافية السائدة.
عرفت جميع التجمعات البشرية في المنطقة لونًا غنائيا مميزًا ومختلفًا في النغم والإيقاع عن الجماعات الأخرى لونًا يعبر عن خصوصياتها وتراثها وتقاليدها ويؤسس لهويات مناطقية وقبلية محددة بروابط الجماعات وحدود الأمكنة.
ففي منطقة الساحل على وجه الخصوص سادت أربعة أنواع رئيسية للفن الغنائي الشعبي: الغناء الجبلي والسهلي والبحري والصحراوي ويتميز كل منها بطبيعة إيقاعاته وأهازيجه ومسمياته. أنشدت هذه الجماعات أهزوجاتها الشعبية في المناسبات المختلفة وفي الحروب وللاستعراض وكذلك أثناء مواسم الغوص وصيد اللؤلؤ ومواسم الحصاد والصيد بالصقور.
وفي البادية غنى البدو لإبلهم لحثها على المشي سريعًا وللتخفيف من عناء السفر ومشقته. وقد وثق الرحالتان البريطاني ويلفرد ثيسيجر في كتابه الرمال العربية والنمساوي محمد أسد في كتابه الطريق إلى مكة ذكرياتهما وتأملاتهما حول فن الحداء والتغرودة (أغنيات ومواويل الصحراء ذات النغمة الواحدة والصوت الرتيب والإيقاع الطويل) خلال عبورهما أجزاء من الربع الخالي في القرن الماضي.
الغناء إذًا فن شعبي موغل في القدم عرفه العرب منذ العصور السالفة ولذلك كان من السهل أن يتفاعل الأفراد مع التعبيرات الغنائية أكثر من أي تعبير فني آخر.
بقصد التمثيل لا الحصر عرفت المنطقة الفن المسرحي في وقت مبكر كذلك إذ تعيد الدراسات المسرحية تاريخ المسرح العربي إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي عندما أسس اللبناني مارون النقاش (1817-1855) أول مسرح عربي في منزله ببيروت عام 1848 وذلك بعد عودته من إيطاليا التي قضى فيها قرابة العام تجول خلاله بين مسارح ميلانو ونابولي. شاهد النقاش أثناء هذه الرحلة العروض المسرحية الإيطالية والفرنسية والحفلات الغنائية الأوبرالية فأعجب بها أيما إعجاب وعقد العزم على نقل هذه الفنون إلى البلاد العربية.
03c5feb9e7