
لمسات بيانية في سورة الضحى - الجزء الثاني
في هذه الآيات بدأ سبحانه وتعالى بالظلمة ثم النور (اليتم ثم الإيواء ، الضلال ثم الهدى ، العيلة ثم الغنى و هذا ليناسب و يتوافق مع قوله تعالى (و للآخرة خير لك من الأولى) والأولى هي الظلمة أما الآخرة فهي النور وهي خير له من الأولى .
لماذا لم يقسم سبحانه بالليل إذا سجى أولاً ثم الضحى ؟
الضحى هو نور الوحي و كان السكون بعد الوحي و كان القسم على اثر انقطاع الوحي فانقطاع الوحي هو الذي تأخر و ليس العكس لذا جاء قسم الضحى أولاً ثم الليل .
لماذا تكررت كلمة ربك في هذه السورة ؟
الرب معناه انه هو المعلم والمربي والمرشد و القيم وكل آيات السورة مرتبطة بكلمة الرب (ألم يجدك يتيماً فآوى....) اليتيم يحتاج لمن يقوم بأمره و يرعاه ويعلمه ويوجهه و يصلح حاله و هذه من مهام الرب و اليتيم يحتاج هذه الصفات في الرب أولاً ثم إن الضال يحتاج لمن يهديه و الرب هو الهادي و العائل أيضاً يحتاج لمن يقوم على أمره ويصلحه و يرزقه فكلمة الرب تناسب كل هذه الأشياء و ترتبط بها ارتباطاً أساسياً ، وكثيراً ما ارتبطت الهداية في القرآن الكريم بكلمة الرب (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (يهديهم ربهم بإيمانهم) (الحمد لله رب العالمين....اهدنا الصراط المستقيم) .
لماذا حذف المفعول للأفعال : فآوى ، فأغنى ، فهدى مثلما حذف في فعل قلى ؟
ذكر المفسرون هنا عدة آراء منها : أن الحذف هو لظهور المراد لأنه تعالى كان يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم و المعنى واضح ، و قسم قال إنها مراعاة لفواصل الآيات حتى لا يقال آواك وأغناك وهداك فتختلف عن فواصل باقي الآيات و لكن كما سبق آنفاً قلنا إن القرآن الكريم لا يراعي الفاصلة على حساب المعنى مطلقاً وهي قاعدة عامة في القرآن : المعنى أولاً ثم الفاصلة القرآنية و مثال ذلك الآية في سورة طه ( إلهكم واله موسى فنسي) و كانت الفاصلة في باقي السورة مختلفة وعليه فان الحذف هنا جاء للإطلاق والدلالة على سعة الكرم . فآوى بمعنى فآواك وآوى لك وآوى بك وأغناك و أغنى لك و أغنى بك و هداك وهدى لك و هدى بك ، فلو قال سبحانه و تعالى فوجدك عائلا فأغناك لكان الغنى محصوراً بالرسول صلى الله عليه و سلم فقط لكن عندما أفاد الإطلاق دل ذلك على انه سبحانه أغنى رسوله و أغنى به و بتعليماته فيما خص الإنفاق وغيره خلقاً كثيراً وأغنى له خلقاً كثيراً وكذلك آوى الرسول صلى الله عليه و سلم و آوى به خلقا كثيراً بتعاليمه الكثيرين و تعاليمه كانت تحض على رعاية اليتامى وحسن معاملتهم و اللطف بهم و آوى لأجله الكثير من الناس لان من الناس من يؤوى اليتامى حبا برسول الله وطمعا في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة كما ورد في الحديث: أنا وكافل اليتيم كهاتين وأشار إلى إصبعيه . و كذلك بالنسبة للهداية فالله تعالى هدى رسوله الكريم و هدى به خلقاً كثيراً ( و انك لتهدي إلى صراط مستقيم) و هدى له و لأجله من أراد سبحانه و تعالى ، إذن خلاصة القول أن الحذف هنا جاء لظهور المراد وفواصل الآيات وسعة الإطلاق كلها مجتمعة لا يتعارض احدها مع الآخر. وكذلك تناسب سعة الإطلاق هنا قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) . فالحذف هنا جاء للعموم والإطلاق في المعنى .
لماذا ترتيب الآيات على هذا النحو؟ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8) .
هذا هو الترتيب الطبيعي في الحياة . اليتم يقال لمن فقد والديه أو احدهما و هو دون سن البلوغ فإذا بلغ انتفت عنه صفة اليتم ، و إذا بلغ دخل في سن التكليف الشرعي فهو يحتاج إلى الهداية ليتعلم كيف يسير في الحياة قبل أن يكون فقيراً أو غنياً وكيف يجمع المال الحلال لأن كل مال جمع من غير طريق الهداية هو سحت ثم تأتي العيلة و هي أمر آخر بعد البلوغ ؛ من الناس من يكون فقيراً أو غنياً و على الاثنين أن يسيرا وفق التعاليم التي تعلماها بعد البلوغ مباشرة وهذا طبيعي ويمر به كل الخلق فهذا هو التسلسل الطبيعي في الحياة . لذا فقد بدأ سبحانه بالحالة الأولى (اليتم) ثم إذا بلغ تأتي الهداية في المرتبة الثانية ، وثالثاً العائل والغني يجب أن يسيرا على الهداية .
- قوله ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)
القهر في اللغة : هو التسلط بما يؤذي و لا تقهره بمعنى لا تظلمه بتضييع حقه و لا تتسلط عليه أو لا تحتقره أو تغلب على ماله ، كل هذه المعاني تدخل تحت كلمة القهر .
السائل اختلف المفسرون فيها فقال بعضهم : هو سائل المال و المعروف و الصدقة و منهم من قال : انه سائل العلم والدين والمعرفة وقسم قال انه مطلق و يشمل المعنيين ، فسواء كان السائل سائل مال وصدقة أو سائل علم و معرفة يجب أن لا ينهر مهما كان سؤاله . لا يصح أن يزجز أو ينهر سائل المال أو سائل العلم و الدين . إذا كان سائل مال أعطيناه أو رددناه بالحسنى وسائل العلم علينا أن نجيبه ونعلمه أمور
الدين .
أما النعمة فقال بعض المفسرين إنها النبوة وتعاليمها و قال آخرون إنها كل ما أصاب الإنسان من خير سواء كان في الدنيا أو الآخرة . و قال آخرون إنها نعمة الدين (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا) (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) والواقع أن النعمة هنا أيضاً تشمل كل هذه المعاني فهي نعمة الدين يجب أن يتحدث بها ويبلغ عنها وهي نعمة الدنيا والله سبحانه يحب أن يرى اثر نعمته على عباده وان يتحدث الإنسان بنعم الله عليه وان يظهرها و النعمة عامة في الدنيا و الدين و على الإنسان أن يحدث بهذه النعمة . (النعمة بفتح النون وردت في القرآن بمعنى العقوبات والسوء كما في قوله (ونعمة كانوا فيها فاكهين) (الكافرين أولي النعمة)
لماذا اختيار كلمة (فحدث) ولم يقل (فأخبر) ؟
الإخبار لا يقتضي التكرار يكفي أن تقول الخبر مرة واحدة فيكون إخباراً أما التحديث فهو يقتضي التكرار والإشاعة أكثر من مرة ، و في سياق الآية يجب أن يتكرر الحديث عن الدعوة إلى الله مرات عديدة ولا يكفي قوله مرة واحدة . و لهذا سمي الله تعالى القرآن حديثا (فليأتوا بحديث مثله). فمعنى (فحدث) في هذه الآية هو المداومة على التبليغ وتكرارها وليس الإخبار فقط فيمكن أن يتم الإخبار مرة واحدة و ينتهي الأمر .
و في تسلسل الأحاديث في كتب السنة نلاحظ أنهم يقولون : حدثنا فلان عن فلان و يكررون ذلك مرة أو مرات عديدة حتى يصلوا إلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فالرسول الكريم يخبر بالحديث ثم يتناقله الصحابة فيما بينهم ويستمر تناقل الحديث حتى يعم و ينتشر .
لماذا جاء ترتيب الآيات على هذا النحو؟ ( فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك فحدث ) .
أثار هذا الترتيب الكثير من الأسئلة عند المفسرين لماذا رتبت الآيات على هذه الصورة لأنه لا يرد بنفس تسلسل الآيات السابقة (الم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى) .
لنستعرض الآيات واحدة واحدة : أما اليتيم فلا تقهر جاءت بنفس تسلسل الآية (ألم يجدك يتيما فآوى) نفس النسق .
, أما السائل فلا تنهر كان من المفروض أن تأتي مقابلة للآية (ووجدك عائلا فأغنى) لكنها جاءت في مقابل الآية (ووجدك ضالاً فهدى) .
( و أما بنعمة ربك فحدث ) ، كان يجب أن تقدم باعتبار النعمة دين ويجب أن تكون مقابل ( ووجدك ضالاً فهدى ) .
لكن الواقع أن ترتيب الآيات كما ورد في السورة هو الترتيب الأمثل، كيف؟ اليتيم ذكر أولا مقابل اليتيم ، ثم ذكر ( وأما السائل فلا تنهر ) قلنا سابقا أن السائل يشمل سائل العلم والمال وهنا اخذ بعين الاعتبار السائل عن المال والسائل عن العلم فهي إذن تكون مقابل (ووجدك ضالاً فهدى) وأيضاً (ووجدك عائلا فأغنى) لان السائل عن المال يجب أن لا ينهر والسائل عن العلم يجب أن لا ينهر أيضاً وعليه فان الآية جاءت في المكان المناسب لتشمل الحالتين ومرتبطة بالاثنين تماماً .
( و أما بنعمة ربك فحدث ) ، هي في انسب ترتيب لها فان كان المقصود بالنعمة كل ما أصاب الإنسان من خير في الدنيا فلا يمكن أن نتحدث عن النعمة إلا بعد وقوعها و ليس قبل ذلك . و الآيات السابقة تذكر نعم الله على الرسول فاقتضى السياق أن يكون التحدث بالنعمة آخراً أي بعد حدوث كل النعم على الرسول صلى الله عليه و سلم .
و إذا كان المقصود بالنعمة الدين ، فيجب أن يكون التحديث في المرحلة الأخيرة لأن على الداعية أن يتحلى بالخلق الكريم وفيه إشارة أن الإنسان إذا أتاه سائل عليه أن يتصف بهذه الصفات قبل أن يبلغ الناس عن النعمة (الدين) فعليه أن لا يقهر يتيماً ولا ينهر سائلاً ولا يرد عائلاً و قد جاءت هذه الآية بعد إسباغ النعم وهو توجيه للدعاة قبل أن يتحدثوا أن يكونوا هينين لينين فقد قال تعالى (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) فعلى الداعية أن يتحلى بالخلق الحسن و لا ينهر سائلاً .
و كذلك جعل التحديث بالنعمة (و أما بنعمة ربك فحدث) جاءت بعد ( و أما السائل فلا تنهر) لان كل داعية يتعرض لأسئلة محرجة أحيانا تكون لغاية الفهم و قد تكون لنوايا مختلفة فعليه أن يتسع صدره للسائل مهما كانت نية السائل أو قصده من السؤال وعلى الداعية أن لا يستثار وإلا فشل في دعوته وقد يكون هذا هو قصد السائل أصلاً .
من الدروس المستفادة من هذه السورة إضافة إلى ما سبق انه يحسن للإنسان تذكر أيام العسر و الضيق لأنه مدعاة للشكر و مدعاة لمعاونة المبتلى أيضاً لذا يجب التذكير بالماضي و ما يتقلب فيه المرء من نعم ليشكر الله تعالى عليها مهما كان في ماضيه من أذى أو حرج أو ضيق فلا بأس أن يتذكر أو يذكر به حتى يشكر الله تعالى على نعمه فيكون من الشاكرين لله تعالى .
المصدر :
منقول عن موقع إسلاميات http://www.islamiyyat.com/
