الشعر الاجتماعي هو ذلك الشعر الذي يعنى بالحياة الإنسانيّة وما يتعلّق بها من حوادثٍ وأمور والشّعر الاجتماعي في العصر العباسي هو الذي تناول القضايا الاجتماعيّة للمجتمع آنذاك وقد أسهم في ظهور هذا النوع من الشّعر النقلة النوعيّة التي حوّلت العباسيين من بداة إلى حضر.[١]
بدأت أشعار الرفض والتّنديد توجّه اتّهاماتها نحو الواقع والحياة الاجتماعيّة ولذا اعتمد الشّعراء موقف النقد للمشكلات الاجتماعيّة والاقتصادية والسّياسيّة فعمدوا إلى نقد الحياة اللاهية التي توصّل إليها المجتمع الجديد والتّفكّك الاجتماعي والتّكالب على المادة[١] كما نقدوا كلّ ما من شأنه أن يسيئ إلى المجتمع والعادات والتّقاليد والدّين.[١]
بالرغم من الغنى الذي كان موجودًا في العصر العباسي وبالرغم من الأبنية التي بنيت في العهد العبّاسي إلّا أنّ هذا الترف كان مختصًّا بالخلفاء دون غيرهم ففي حين أنّ طبقة الشّعب العليا متمثّلةً بالخلفاء ومن هم في طبقتهم كان هناك عامّة الشّعب الطبقة الدّنيا تعاني ما تعانيه من آلام الفقر والجوع والحرمان.[٢]
تلك الأموال التي كانت تُسرف على الملذات والأطعمة والأشربة واللباس والبناء والقصور والبذخ كان لهم الحقّ الأكبر فيها وعدا عن ذلك فقد فرضت الخلافة كثيرًا من الضّرائب على هذه الطّبقة الفقيرة حتّى ضاق ذرعها لذا بدأت أشعار الشّعراء تُظهر حال هؤلاء الفقراء وتندّد بأعمال الخلفاء ومن معهم.[٢]
يتمثّل ذلك بشكل واضح وجلي في ممارسات الخلفاء العباسيين وسياستهم الطّبقيّة إضافة إلى ما قاموا بإسرافه من أموال طائلة وكبيرة على أشياء غير مفيدة لا تمتّ لعامة الشّعب بأيّة فائدة فكان الخلفاء في ذلك العصر يبذخون في البناء وعمارة القصور والمدن في حين أنّ الشّعب بحاجة إلى تلك الأموال التي كانت تضيع سدى.[٢]
من ذلك ما جاء في الروايات عن حفل إعذار ابنه المعتز وعن كميّة التّرف والبذخ التي كانت حينها وكذلك شغلت هذه الأمور الخلفاء عن مهمّتهم الأساسيّة في الحكم فانصاعوا وراء رغباتهم متناسين الشعب وحاجاته.[٢]
كان المجتمع العباسي موزَّعًا في ثلاث طبقات طبقة عليا وهذه الطبقة كانت تغرق بالنّعيم فيجمع لها الخراج من كلّ منطقة وناحية في الدّولة وتشتمل هذه الطبقة على الخلفاء والوزراء والقواد والولاة وغيرهم ممن يلحقون بهم من كبار الدّولة ورؤوس التّجار وأصحاب الإقطاعي وذوي اليسار.[٢]
ممّا يدلّ على ترف هذه الطّبقة ما كان للمتوكّل من قصور ما زالت حتّى يومنا هذا وطبقة وسطى كانت قريبة إلى الطبقة العليا من حيث المدخول المالي وهذه الطبقة تضمّ رجال الجيش وموظفي الدّواوين والتجار والصّناع الممتازين.[٢]
ثمّ طبقة دنيا وهي التي تقوم بالأعمال كلّها مثل: الزراعة والصناعات الصّغيرة وخدمة الطّبقة العليا فهي التي كانت تهيِّئ أسباب العيش للطبقتين العليا والوسطى وهذه الطّبقة تشتمل على عامة الشّعب من المزارعين وأصحاب الحرف الصغيرة وفي هذه الطبقات أيضًا يأتي أهل الذّمّة.[٢]
كانت مادة الشّاعر الأولى والأساسية في الأشعار الاجتماعية هي الشّعب ولذا كانت الأشعار مجملًا والأشعار الاجتماعيّة على وجه الخصوص مستوحاة من الشّعب ومن معاناتهم فكانت صورةً مطابقةً للواقع الذي عاشه الشّعب فعبّرت أشعارهم عمّا ساد المجتمع من فقرٍ وظلمٍ وفساد ليخرجوا بذلك كلّه في صورة واقعيّة تجسّد واقعهم.[٣]
لمّا طال التّجديد جميع مناحي الحياة في المجتمع العباسي فإنّ هذا التّجديد أصاب اللغة الشعريّة أيضًا فأصبحت اللغة الشّعريّة لغة سهلة بسيطة قريبة من الواقع بعيدة كل البعد عن التكلّف والصنعة وكذلك كان يدخل هذه اللغة شيءٌ من الألفاظ العاميّة والأعجميّة نظرًا لاختلاط العرب العباسيين بالأعاجم.[٣]
ممّا أصاب اللغة الشّعرية أيضًا من تجديد التّجديد في الأوزان والقوافي هو استخدامهم البحور الشعرية الخفيفة فقد عمد الشعراء العباسيّون إلى استخدام الأوزان الخفيفة وذلك لسهولتها وخفّتها ومناسبتها للألفاظ واللغة السّهلة التي اتّسم بها ذلك العصر ومن البحور التي مالوا إليها: الخفيف والرمل والمتقارب والهزج.[٣]
لم تعد الأشعار تبدأ بمقدّمات ثمّ ينتقل بعدها الشّاعر إلى غرضه الأساسي بل أصبح الشّعراء يطرقون إلى موضوعاتهم مباشرةً دون التّمهيد بمقدّمة وهذه المواضيع لا تطول كثيرًا فتكون في بضع أبيات وذلك لأنّ الشعر الاجتماعي ليس بحاجة إلى مقدّمات بل ينبغي أن يطرق إلى الموضوع الذي يعالجه معالجةً مباشرة.[٣]
كانت الأشعار الاجتماعية تتسم بالعفويّة والبعد عن التّصنّع والتّكلّف وذلك لأنّ المقام يتطلّب الإيجاز والوضوح فليس المقام مقام تصوير أو إعمال للخيال فهو أمرٌ واقعي ينبغي أن يطرق إليه الشّاعر طَرقًا مطبوعًا ومن أبرز الشعراء الذين حملوا هذه الراية: أبو نواس وأبو العتاهية.[٣]
(836م - 896م) هو علي بن العباس بن جريح شاعر من شعراء العصر العباسي تميّز ابن الرومي بصدقه فابتعد عن النفاق والمراوغة والمبالغة في الوصفوبرع ابن الرومي في فنون الوصف المتنوّعة.
يستخدم فن إلقاء الشّعر في المناطق العربية التي تسودها العادات والتقاليد العربية الأصيلة لمناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية وحل الخلافات ويُعد سجل تاريخي يحفظ الأحداث والوقائع عبر التاريخ.
وحول ذلك أشار محمد الحسن قائلاً "إلقاء الشّعر يستخدمه الشّعراء في معالجة القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وفق العادات والتقاليد والأعراف وكل شاعر يختص بمنحى خاص به وهذا الاختصاص لا يقولب الشاعر في قالب معيّن ولكن بعض الّشعراء لهم خصوصية تميزهم عن باقي الشعراء وكل شاعر ينتهج طابع معيّن مع التعريج على باقي المناهج الشعرية لضرورة أو في حال استحضره موقف أو مُعضلة معينة".
وقال محمد الحسن "يُعتبر الشّعر مرآة المجتمع وموثق للأحداث التاريخية حيث يوثق الكثير من الأحداث التاريخية العشائرية عن طريق القصائد الشّعرية ويستشهد بأبياته الشّعرية في حوادث معينة في التاريخ سوءً كانت حوادث عشائرية أو معارك وعمليات صلح ومناقشة مواضع اجتماعية ويُعتبر الشّعر موثق لحال المجتمع في تفاصيلها اليومية".
واشار محمد الحسن "يستخدم الشّعر في نشر مكارم الأخلاق والدعاية له حيث له دور في رفع شأن قبيلة أو شخص معين وذلك عن طريق تمجيد هذه المكارم وتوثيقها وتسليط الضوء على مكرمة معينة سوءً كانت نخوة أو إغاثة ملهوف ويسلط الضوء على مكارم الأخلاق العربية الأًصيلة عن طريق فن إلقاء القصائد الشّعرية ويُعتبر من أكبر أشكال الدعاية حيث يستخدمون الشّعر في مدح شخص معين إعلامياً والتسويق له".
ولفت محمد الحسن "يتوارث الشّعر من جيل لآخر عن طريق الشّعر الموثق للأنساب والعادات والتقاليد الحميدة والفروسية والكرم كل هذه الأشّعار تتوارث عن طريق الأجيال وذلك من باب الفخر والكرم والمرؤة ومكارم الأخلاق والنسب الشريف ويعتبر الشعر موثق لهذه المسائل مما يجعله مرآة تعكس حال المجتمع ويتوارثها المجتمع من جيل إلى آخر".
03c5feb9e7