بدر شاكر السياب
المتوفى 1383
قال يعاتب يزيد ويتفجع على الامام الحسين الشهيد عليه السلام :
ارم الـسماء بـنظرة اسـتهزاء واجـعل شرابك من دم الاشلاء
واسحق بظلك كل عرض ناصع وأبـح لـنعلك أعـظم الضعفاء
وامـلأ سراجك ان تقضى زيته مـما تـدر نـواضب الاثـداء
واخـلع عـليك كما تشاء ذبالة هـدب الرضيع وحلمة العذراء
واسـدر بـغيك يا يزيد فقد ثوى عـنك الـحسين ممزق الاحشاء
والـليل أظلم والقطيع كما ترى يـرنـو الـيك بـأعين بـلهاء
أحـنى لسوطك شاحبات ظهوره شـأن الذليل ودب في استرخاء
مـثلت غـدرك فـاقشعر لهوله قـلبي وثـار وزلزلت أعضائي
واستقطرت عيني الدموع ورنقت فـيـها بـقايا دمـعة خـرساء
يـطفو ويرسب في خيالي دونها ظـل أدق مـن الـجناح النائي
حـيران فـي قعر الجحيم معلق مـا بـين ألسنة اللظى الحمراء
أبـصرت ظـلك يا يزيد يرجه مـوج اللهيب وعاصف الانواء
رأس تـكلل بالخنا واعتاض عن ذاك الـنـضار بـحية رقـطاء
ويـدان مـوثقتان بالسوط الذي قـد كـان يعبث أمس بالاحياء
قـم فاسمع اسمك وهو يغدو سبة وانظر لمجدك وهو محض هباء
وانـظر الـى الاجـيال يأخذ مقبل عـن ذاهـب ذكـرى أبي الشهداء
كـالـمشعل الـوهـاج الا أنـها نـور الالـه يـجل عـن اطـفاء
عـصفت بـي الذكرى فألقت ظلها فـي نـاظري كـواكب الصحراء
مـبهورة الاضـواء يغشي ومضها أشـباح ركـب لـج فـي الاسراء
أضـفى عليه الليل سترا حيك من عـرف الجنان ومن ظلال (حراء)
أسـرى ونـام فـليس الا هـمسة بـاسم الـحسين وجـهشة استبكاء
تـلك ابـنة الزهراء ولهى راعها حـلـم ألـم بـها مـع الـظلماء
تـنبي أخـاها وهي تخفي وجهها ذعـرا وتـلوي الـجيد من اعياء
عـن ذلـك الـسهل الملبد يرتمي فـي الافـق مـثل الغيمة السوداء
يـكتض بالاشباح ظمأى حشرجت ثـم اشـرأبت فـي انـتظار الماء
مـفـغورة الافــواه الا جـثـة مـن غـير رأس لـطخت بـدماء
زحـفت الـى مـاء تراءى ثم لم تـبلغه وانـكفأت عـلى الحصباء
غـير الـحسين تصده عما انتوى رؤيـا فـكفي يـا ابـنة الزهراء
مـن للضعاف اذا استغاثوا والتظت عـينا يـزيد سـوى فتى الهيجاء
بـأبي عـطاشى لاغـبين ورضعا صـفر الـشفاه خـمائص الاحشاء
أيـد تـمد الـى الـسماء وأعـين تـرنو الـى الـماء القريب النائي
عـز الحسين وجل عن أن يشتري جـم الـخطايا طـائش الاهـواء
آلـى يـموت ولا يـوالي مـارقا ري الـغـليل بـخـطة نـكـراء
فـلـيصرعوه كـما أرادوا انـما مـا ذنـب أطـفال وذنـب نساء
عـاجت بـي الذكرى عليها ساعة مـر الـزمان بـها على استحياء
خـفقت لـتكشف عن رضيع ناحل ذبـلـت مـراشفه ذبـول حـباء
ظـمآن بـين يـدي أبـيه كـأنه فـرخ الـقطاة يـدف فـي النكباء
لاح الـفرات لـه فـأجهش باسطا يـمـناه نـحـو الـلجة الـزرقاء
واستشفع الاب حابسيه على الصدى بـالطفل يـومي بـاليد الـبيضاء
رجـي الـرواء فكان سهما حز في نـحر الـرضيع وضحكة استهزاء
فـاهتز واخـتلج اخـتلاجة طائر ظـمآن رف ومـات قـرب الماء
* * *
ذكـرى ألـمت فـاقشعر لهولها قـلبي وثـار وزلزلت أعضائي
واستقطرت عيني الدموع ورنقت فـيـها بـقايا دمـعة خـرساء
يـطفو ويرسب في خيالي دونها ظـل أدق مـن الـجناح النائي
حـيران فـي قعر الجحيم معلق ما بين السنة اللظى الحمراء(1)
ولد الشاعر بدر شاكر بن عبد الجبار بن مرزوق السياب في قرية (جيكور) من
قرى أبي الخصيب في لواء البصرة والواقعة على شط العرب وذلك سنة 1344 هـ
1926 م ، فنشأ في محل ولادته ، ثم دخل المدرسة الابتدائية في ابي
الخصيب ثم انتقل الى المدرسة المحمودية التي أسسها المرحوم محمود باشا
عبد الواحد سنة 1910 حيث تخرج فيها سنة 1938 ثم أكمل دراسته المتوسطة
والاعدادية في البصرة وبعدها التحق بدار المعلمين العالية في بغداد حيث
ظهرت مواهبه بانتمائه الى جماعة اخوان (عبقر) عن طريق الندوات
والاحتفالات التي كانت تقام في دار المعلمين العالية وعمل مترجما في
جريدة (الجبهة الشعبية) كما شغل وظيفة رئيس الملاحظين في مديرية الشؤون
الثقافية في مديرية الموانئ العامة ، وعين عضوا في هيئة تحرير مجلة
الموانئ ـ عام 1961 و1962 ثم سافر الى بيروت للمعالجة وحضر مؤتمر
الشعراء العرب ودخل مستشفى الجامعة الاميركية ، وعاد الى البصرة ثم
سافر الى لندن للاستشفاء وقد خصصت مديرية الموانئ العامة دارا له
ولعائلته .
وله مؤلفات منها : (ازهار ذابلة) القاهرة 1947 و(أساطير) النجف 1950
و(انشودة المطر) بغداد 1960 و(حفار القبور) بغداد 1952 ، مختارات من
الادب البصري ـ البصرة 1956 والمعبر البصري ـ البصرة 1956 او المعبد
الغريق بيروت 1962 ومولد الحرية الجديد (ترجمة بيروت 1961) و(المومس
العمياء) بغداد 1954 و(منزل الاقنان)
بيروت 1963 وغيرها . توفي في الكويت عام 1964(2) وكتبت مجلة (آفاق
عربية) العدد الاول من السنة الثالثة عن شاعرية السياب والتجدد في شعره
، والحق ان السياب شاعر من شعراء الفكرة والموضوع في الادب العراقي
المعاصر ، تأثر بأليوت وايدث سيتويل وغيرهما من شعراء الانكليز ...
تعلم منهم التعبير بالصور وتداعي المعاني والتعبير عنها بطرق غير
مألوفة ومال أخيرا الى ادخال عنصر الثقافة والاستعانة بالاساطير
والتأريخ والتضمين والغرف من الانثروبولوجيا . اذ أنه عندما درس في دار
المعلمين العالية في بغداد وقضى سنتين في فرع الادب العربي انتقل الى
اللغة الانكليزية فتخرج منها عام 1948 .
مات وهو لم يكمل السادسة والعشرين من عمره . وفاته 24 ـ 12 ـ 1964 رأيت
في جريدة الجمهورية الصادرة ببغداد عدد 3442 هـ بتاريخ 1 كانون الاول
1978 الشاعر والناقد المصري حسن توفيق الذي نال شهادة الماجستير من
جامعة القاهرة عن رسالته (الشاعر بدر شاكر السياب
(1) عن ديوانه (أساطير) المطبوع بمطبعة الغري الحديثة 1369 هـ 1950 م .
(2) أعلام العراق الحديث ، باقر أمين الورد .