| نموذج المرأة الكاملة
والزهراء عليها السلام |
|
|
كان بيت علي وفاطمة عليهما السلام أروع نموذج في
الصفاء والإخلاص والمودّة والرحمة، تعاونا فيه بوئام وحنان على إدارة شؤون البيت
وإنجاز أعماله.
إنّ الزهراء خرّيجة مدرسة
الوحي، وهي تعلم أنّ مكان المرأة من المواقع المهمّة في الإسلام، وإذا ما تخلّت عنه
وسرحت في الميادين الأُخرى عجزت عن القيام بوظائف تربية الأبناء كما
ينبغي. لقد كانت فاطمة الزهراء عليها السلام تبذل قصارى جهدها لإسعاد أُسرتها، ولم تستثقل أداء مهام البيت، رغم كلّ الصعوبات والمشاق، حتّى أنّ علياً أمير المؤمنين عليه السلام رقّ لحالها وامتدح صنعها، وقال لرجل من بني سعد: " ألا أُحدّثك عنّي وعن فاطمة، إنّها كانت عندي وكانت من أحبّ أهله صلى الله عليه وآله إليه، وإنّها استقت بالقربة حتّى أثّر في صدرها، وطحنت بالرحى حتّى مجلت يداها، وكسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتّى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد.فقلت لها: لو أتيت أباكِ فسألتيه خادماً يكفيكِ ضرّ ما أنتِ فيه من هذا العمل، فأتت النبي صلى الله عليه وآله فوجدت عنده حدّاثاً فاستحت فانصرفت ". قال الإمام علي عليه السلام: " فَعلم النبي صلى الله عليه وآله أنّها جاءت لحاجة ". قال الإمام علي عليه السلام: " فغدا علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن في لِفاعنا، فقال صلى الله عليه وآله: السلام عليكم، فقلت: وعليك السلام يا رسول الله أُدخل، فلم يعد أن يجلس عندنا، فقال صلى الله عليه وآله: يا فاطمة، ما كانت حاجتك أمس عند محمّد "؟ قال الإمام علي عليه السلام: " فخشيت إن لم تجبه أن يقوم، فقلت: أنا والله أُخبرك يا رسول الله، إنّها استقت بالقربة حتّى أثّرت في صدرها، وجرّت بالرحى حتّى مجلت يداها، وكسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتّى دكنت ثيابها.فقلت لها: لو أتيتِ أباكِ فسألتيه خادماً يكفيك ضرّ ما أنت فيه من هذا العمل، فقال صلى الله عليه وآله: أفلا أُعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم، إذا أخذتما منامكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين وأحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين ". فقال أمير المؤمنين عليه السلام: " مَضَيتِ تريدين من رسول الله صلى الله عليه وآله الدنيا، فأعطانا الله ثواب الآخرة ". وروي أنّه دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام فوجده هو وفاطمة عليهما السلام يطحنان في الجاروش، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " أيّكما أعيى "؟ فقال الإمام علي عليه السلام: " فاطمة يا رسول الله ". فقال صلى الله عليه وآله: " قومي يا بنية "، فقامت وجلس النبي صلى الله عليه وآله موضعها مع الإمام علي عليه السلام فواساه في طحن الحبّ. وروي عن جابر الأنصاري أنّه رأى النبي صلى الله عليه وآله فاطمة وعليها كساء من أجلة الإبل وهي تطحن بيديها وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " يا بنتاه، تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة ". فقالت عليها السلام: " يا رسول الله، الحمد لله على نعمائه، والشكر لله على آلائهِ "، فأنزل الله تعالى ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ الضحى: 5. وقال الإمام الصادق عليه السلام: " كان أمير المؤمنين عليه السلام يحتطب ويستقي ويكنس، وكانت فاطمة عليها السلام تطحن وتعجن وتخبز ". وعن أسماء بنت عميس عن فاطمة عليها السلام: " أنّ الرسول صلى الله عليه وآله أتى يوماً فقال: أين ابناي "؟ يعني حسناً وحسيناً، " فقلت: أصبحنا وليس عندنا في بيتنا شيء يذوقه ذائق. فقال الإمام علي عليه السلام: اذهب بهما إلى فلان؟ فتوجّه إليهما رسول الله صلى الله عليه وآله فوجدهما يلعبان في مشربة بين أيديهما فضل من تمر، فقال صلى الله عليه وآله: يا علي، ألا تقلب إبنيّ قبل أن يشتدّ الحرّ عليهما؟ فقال الإمام علي عليه السلام: أصبحنا وليس في بيتنا شيء، فلو جلست يا رسول الله حتّى أجمع لفاطمة تمرات، فلمّا اجتمع له شيء من التمر جعله في حجره ثمّ عاد إلى البيت ". هذه هي الدنيا في عين فاطمة عليها السلام مواجهة للمعاناة، وتألّم من الجوع، وانهيار من التعب، ولكن كلّ ذلك يبدو ممزوجاً بحلاوة الصبر وندى الإيثار، لأنّ وراءه نعيماً لا انتهاء له، حصة يوم يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب. إنّ إلقاء نظرة فاحصة على حياة الزهراء عليها السلام توضّح لنا أنّ حياتها الشاقّة لم تتغيّر حتّى بعد أن أصبحت موفورة المال، في سعة من العيش ـ خصوصاً بعد فتح بني النضير وخيبر وتمليكها فدكاً وغيرها ـ عمّا كانت عليه قبل ذلك رغم غلّتها الوافرة، إذ روي أنّ فدكاً كان دخلها أربعة وعشرين ألف دينار، وفي رواية سبعين ألف دينار سنوياً. فالزهراء عليها السلام لم تعمّر الدور، ولم تبن القصور، ولم تلبس الحرير والديباج، ولم تَقْتَنِ النفائس، بل كانت تنفق كلّ ذلك على الفقراء والمساكين، وفي سبيل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام. | |




| الشفاعة والتوبة
والجزاء |
|
| الشفاعة تُعتبر شفاعة الشافعين يوم القيامة بإذن الله تعالى إحدى العقائد الاِسلاميّة المُسَلَّمة الضروريّة. إنّ الشفاعةَ تشملُ أُولئك الذين لم يقطعوا صِلتهم بالله، وبالدين بصورةٍ كاملة، فصاروا صالحين لشمولِ الرحمةِ الاِلَهيّةِ لهم بواسطة شفاعةِ الشافعين، رغم تورُّطِهم في بعض المعاصي والذنوب. والاِعتقادُ بالشَفاعة مأخوذٌ من القرآن الكريم والسُّنة ونشير إلى بعض تلك النصوص فيما يأتي: أ- الشَفاعة في القرآن إنَّ الآياتِ القرآنيّة تحكي عن أصل وجودِ الشفاعة يومَ القيامة، وتصرّح بأصل وجودِ الشفاعة وأنّها تقع بإذنِ اللهِ تعالى. ويقول:﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَن ارْتَضَى﴾(الاَنبياء:28). فمَنْ هُم الشُفَعاء؟ يُستَفادُ من بعض الآيات أنّ الملائكة من الشُفعاء يومَ القيامة كما يقولُ: ﴿وَكَم مِن مَّلَكٍ في السَّماواتِ لاَ تُغْنِي شَفاعتُهُم شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشاءُ وَيَرْضى﴾(النجم:26). ويذهبُ المفسِّرون في تفسير قولِهِ تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾(الاِسراء:79), إلى أنّ المقصود مِنَ "المقام المحمود" هو مقامُ الشّفاعة الثابتُ للنبيّ الاَكرم صلى الله عليه واله وسلم. ب- الشَفاعة في الروايات لقد تحدّثت روايات كثيرة ورَدَت في كتبِ الحديث عن الشفاعة مضافاً إلى القُرآنِ الكريم. ونشيرُ إلى بعضِ هذه الاَحاديث: 1- يقولُ النبيُّ الاَكرمُ: "إنَّما شَفاعَتي لاََهلِ الكَبائِر مِن أُمَّتِي"1. والظاهر أنّ عِلّة اختصاص الشفاعة بمرتكبي الكبائر من الذنوب وشمولها لهم خاصة، هو: أنّ اللهَ وَعَد في القرآنِ بصراحة بأن يغفرَ للناسِ السيئات الصغيرة إذا ما هم اجتنبوا الكبائرَ2. فبقيّة الذنوب ما عدا الكبائر تشمُلُها المغفرة، في الدنيا ومع المغفرة لا موضوع للشفاعة. 2- "أُعْطِيْتُ خَمْساً... وأُعطِيتُ الشَفاعَة، فَادّخَرْتُها لاَُمَّتي فهيَ لِمَن لا يُشْرك بِاللهِ"3. وعلى من أراد التعرّف على غيره من شفعاء يوم القيامة كالاَئِمة المعصومين، والعلماء، وكذا المشفوع لهُمْ، أن يُراجِعَ كتبَ العقائد، والكلام، والحديث. كما أنّه لابُدّ أن نَعلَمَ بأنّ الاِعتقاد بالشَفاعة، مثل الاِعتقاد بقبُول التوبة، يجب أن لا يوجبَ تجرُّؤَ الاَشخاص على ارتكاب الذنوب، بل يجب أن يُعَدَّ هذا الاَمر "نافذةَ أمَل" تعيدُ الاِنسانَ إلى الطريقِ الصحيحِ، لكونه يرجو العفو، فلا يكونُ كالآيسين الّذين لا يفكّرون في العودة إلى الصِراط المستقيم قط. ومِن هذا يتضح أنّ الاَثر البارز للشفاعة هو مغفرة ذنوب بعض العُصاة والمذنبين ولا ينحصر أثَرُها في رفع درجة المؤمنين كما ذهبَ إلى ذلك بعض الفِرقُ الاِسلامية (كالمعتزلة)4. طلب الشفاعة في الدنيا إنّ الاعتقادَ بأصلِ الشَفاعة في يَوم القيامة (في إطار الاِذن الاِلَهيّ) كما أسلَفنا من العقائِد الاِسلاميّة الضرورية ولم يخدش فيها أحدٌ. يبقى أنْ نرى هل يجوز أن نطلب الشفاعةَ في هذه الدنيا من الشافعين المأذون لهم في الشفاعة يوم الحساب، كالنبيّ الاَكرم صلى الله عليه واله وسلم أم لا؟ وبعبارةٍ أُخرى، هل يصحُ أن يقول الاِنسانُ: يا رسولَ الله يا وجيهاً عند الله إشفع لي عند الله؟ الجواب هو: أنّ هذا الموضوعَ كان محلَّ اتفاقٍ وإجماعٍ بين جميع المسلمين إلى القرن الثامن، ولم ينكرْه إلاّ أشخاصٌ معدودُون من منتصف القرنِ الثامن، حيث خالَفوا طلبَ الشفاعة من الشفعاء المأذون لهم، ولَم يجوّزوه في حين أنّ الآيات القرآنيّة والاَحاديث النبويّة المعتبرة، وسيرة المسلمين المستمرة تشهَدُ جميعُها بجوازه، وذلك لاَنَّ الشَفاعة هو دُعاؤهم للاَشخاص ومن الواضح أن طلبَ الدعاء من المؤمن العاديّ فضلاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمرٌ جائز ومستحسَن، بلا ريب. ولقد رَوى ابنُ عباس عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما يُستفاد منه بوضوحٍ بأنّ شفاعة المؤمن هو دعاؤه في حق الآخرين فقد قال صلى الله عليه واله وسلم: "ما مِن رَجُلٍ مُسْلِم يَموتُ فَيَقومُ على جَنازَتِهِ أربَعون رَجُلاً لا يُشركُونَ بالله شيئاً إلاّ شفَّعهُم اللهُ فِيه"5. ومِنَ البديهيّ والواضح أنّ شفاعة أربعين مؤمن عند الصلاة على الميّت ليس سوى دعاؤهم لذلك الميت. ولو تَصَفَّحْنا التاريخَ الاِسلاميَّ لوَجَدنا أنّ الصَحابة كانوا يطلبون الشفاعة من النبي صلى الله عليه واله وسلم. فها هو الترمذيّ يروي عن أنَس بن مالك أنّه قال: سألتُ النبيَّ أنْ يَشْفَعَ لي يومَ القِيامة فقال: أنا فاعل. قلتُ: فأَينَ أطلبُك؟ فقالَ: عَلى الصّرِاطِ6. ومع الاَخذ بِنَظَر الاِعتبار أن حقيقة الاِستشفاع ليست سوى طلب الدعاءِ من الشَفيع، يمكنُ الاِشارةُ إلى نماذج مِن هذا الاَمر في القرآن الكريم نفسِه: 1- طلبَ أبناءُ يعقوب من أبيهِم أن يستغفرَ لهم، وقد وَعَدَهم بذلك ووفى بوعده، يقول تعالى: ﴿قَالُواْ يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ * قَال سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾(يوسف:97ـ 98). 2- يَقولُ القرآنُ الكريمُ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾(النساء:64). 3- يقولُ في شأن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِروُنَ﴾(المنافقون:5). فإذا كانَ الاِعراضُ عن طَلَب الاِستغفار من النَبيّ الذي يَتّحدِ في حقيقته مع الاِستشفاع علامةَ النِفاق، والاِستكبار، فإنّ الاِتيان بهذا الطَلَب وممارسته يُعدّ بلاشكّ علامةُ الاِيمانِ. وحيثُ إنّ مقصودَنا هنا هو إثبات جواز طلب الشفاعة، ومشروعيّتهِ، لذلك لا يَضرُّ موتُ الشفيعِ في هذه الآيات بالمقصود، حتى لو فُرض أنّ هذه الآيات وَرَدَت في شأنِ الاَحياء من الشُفَعاءِ لا الاَموات، لاَن طَلَبَ الشَفاعة مِنَ الاَحياء إذا لم يكن شركاً فإنّ من الطبيعي أن لا يكونَ طلبُها من الاَموات كذلك شركاً لاَنّ حياة الشَفيع وموته ليس ملاكاً للتوحيد والشرك أبداً، والاَمرُ الوحيدُ الذي هو ضروريٌ ومطلوبٌ عندَ الاِستشفاعِ بالاَرواح المقدَّسة هو قدرتُها على سماع نداءاتنا، وهو أمرٌ قد أثبتْناه في مبحث التوسُّل حيث أثبتنا هناك7 وجود مثل هذا الاِرتباط. وهنا لابدّ أن نلتفتَ إلى نقطةٍ هامّة وهي أن استشفاعَ المؤمنين والموَحّدين من الاَنبياء والاَولياء الاِلَهيّين يختلفُ اختلافاً جَوهرياً عن استشفاع الوثنيّين من أصنامهم وأوثانهم. فالفريقُ الاَوّل يطلبُ الشَّفاعةَ من أولياءِ الله، وهو مذعِنٌ بحقيقتين أساسيّتين: 1- إنَّ مقامَ الشفاعة مقامٌ خاصٌّ بالله، وحقٌ محضٌ له سبحانه كما قال:﴿قُل للهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً﴾(الزمر:44). أي قل: إنّ أمر الشَفاعة كلَّه بِيَدِ اللهِ ولا يحقّ لاَحدٍ أن يشفَعَ مِن دون إذنِهِ ولن تكونَ شفاعةٌ مؤثرةً بغيره. 2- إنّ الشُّفعاء الذين يَستشفِعُ بهم الموحِّدون عبادٌ صالحون مخلصُون لله سبحانه يستجيب الله دعاءَهم لِمكانَتِهِم عندهَ وَلِقُربِ مَنزِلَتهِم منه سبحانه. وبهذين الشرطين يفترقُ الموحِّدُون عن الوثنييّن في مسألة الاستشفاع افتراقاً أساسياً. أوّلاً: انّ المشركين لا يرون لنفوذ شفاعتهم وتأثيرها أيَّ قيد أو شرط، وكأنّ اللهَ فَوَّضَ أمرَ الشَفاعة إلى تلك الاَصنام العَمياء الصَمّاء. في حين أنّ الموحّدين يعتبرون الشفاعة كلّها حقاً مختصاً بالله، تبعاً لما جاء في القرآن الكريم، ويُقيِّدون قبولَ شفاعة الشافعين وتأثيرها بإذن الله ورضاه وإجازته. ثانياً: إنّ مشركي عصر الرسالة كانوا يَعتبرون أوثانهم وأصنامَهم ومعبوداتهم المختلفة أرباباً وآلهةً، وكانوا يظنّونَ سفهاً أنّ لِهذهِ الموجودات الميّتة، والجمادات سَهْماً في الرّبوبيّة، والاَُلُوهيّة، بينما لا يرى الموحّدون، الاَنبياءَ والاَئمةَ إلاّ عباداً صالحين، وهم يردّدُون في صلواتهم وتحياتهم دائماً عبارة: "عَبْدُه ورسوله" و"عباد الله الصالحين". فانظرْ إلى الفرق الشاسِعِ، والتفاوت الواسِع بين الرؤيتين والمنطِقَين. بِناءً على هذا فإنّ الاستدلالَ بالآيات التي تَنفي وتندّدُ باستشفاعِ المشركين من الاَصنام، على نَفي أصل طلب الشفاعة في الاِسلام، إستدلالٌ مرفُوضٌ وباطلٌ وهو من باب القياس مع الفارق. التوبة إنّ انفتاح بابِ التوبةِ في وجهِ العُصاة والمُذنبين والدعوة إليها من التَعاليمِ الاِسلاميّة بل مِن مقرّرات جميعِ الشرائع السَّماويّة. فعندما يندَمُ الاِنسانُ المذنبُ من عَمَلِهِ القبيحِ نَدَماً حقيقيّاً ويملاَُ التوجّهُ إلى الله، والتضرُّع إليه فضاءَ رُوحه، فيقرّر من صميمِ قَلبه أن لا يرتكبَ ما ارتكبَ ثانيةً، قَبِل اللهُ الرحيمُ أوبتَه وتَوبته، بشروطٍ مَذكورةٍ في كتُبُ العقيدة والتفسير. يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصَدَد:﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللهِ جَمِيعاً أيّها الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(النور:31). إنّ الّذين لا يَعرفونَ الآثار التربويّة الاِيجابيّة للتوبة يتصوَّرُون أنّ فتح هذين البابين (بابِ الشفاعة وباب التوبة) في وجه العُصاة والمذنبين يشجّعهم بشكلٍ مّا على المعصية، في حين يغفل هؤلاء عن أنّ كثيراً من النّاس متورّطونَ في بعض المعاصي، وقلّما يوجَد من لم يرتكبْ ذَنباً في حياته طوال عمره. وعلى هذا الاَساس، إذا لم يكن بابُ التوبة مفتوحاً في وَجه هؤلاء لقالَ الذين يريدون أن يغيّروا مسيرهم ويقضوا بقيَّةَ أيّام حياتِهِمْ في الطُّهْر والنَقاء مع أنفسهم: إننَّا سنَلقى "على كلّ حالٍ" جزاءَ ذُنوبنا، وندخل جهنّم فلِمَ لا نستجيبُ لِرَغباتنا؟ ولمَ لا نحقّق شهواتِنا فيما تبقّى من عُمُرنا ما دام هذا هو مصيرُنا، وهو مصيرٌ لا يَتَغيَّر قطّ ولا مفرّ منه أبداً؟. وهكذا نكونُ بإغلاقنا بابَ التَّوبة قد فَتَحْنا في وجه النّاس بابَ اليأس والقنوط، ومَهَّدْنا للَمزيد من المعصية وللتمادي في ارتكاب القبائِح والذنوب. إنَّ الآثار الاِيجابيّة لاَصل التوبة تتّضحُ أكثر فأكثر عندما نعلم بأن الاِسلام يقيِّد قبولَ التوبة بشروطٍ خاصّةٍ ذكرَها بتفصيل أئمةُ الدّين، والمحقّقون من علماءِ الاِسلام. إنَّ القرآن الكريم يتحدّث عن التوبة بصراحةٍ تامةٍ إذ يقول:﴿كَتَبَ رَبُّكُم عَلى نَفسهِ الرَّحمةَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بجهالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(الاَنعام:54). ثم إنّه قد ذُكرَ الاَشخاصُ الذين لا تُقبَلُ توبتهم عندَ الله سبحانه في كُتب الفِقه، والتفسير، والعقيدة فمنَ شاء راجَعَها. الاِنسان ينال جزاء أعماله: يَشهدُ العقلُ والنقلُ بأنّ كلَّ إنسانٍ يَرى جزاءَ عملِهِ، إنْ خيراً فخيرٌ، وإن شرّاً فشرّ. يقول القرآنُ في هذا الصَّدد: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خيْراً يَرَهُ﴾(الزلزلة:7). ويقول أيضاً: ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوفَ يُرى * ثُمَّ يُجزاهُ الجزاءَ الاَوفى﴾(النجم:40-41). ويُستفاد من الآيات السابقة أنَّ أعمالَ الاِنسان القبيحة، لا تُزيل أعمالهُ الصالحة ولا تقضي عليها، ولكن يجب أنْ نعلم في نفس الوقت أنّ الذين يرتكبون بعضَ الذنوب الخاصّة كالكُفر والشرك، أو يَسلكون سبيلَ الاِرتداد سيُصابون بالحَبط، أيْ أنّ أعمالَهم الصّالِحة تُحبط وتهلَكَ، ويَلقون في الآخرة عَذاباً أبديّاً كما يَقول سبحانه:﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافرٌ فَأُوْلَئكَ حَبِطتْ أَعْمالُهُمْ في الدُّنْيا وَالآخِرةِ وَأُوْلئكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فيهَا خالدونَ﴾(البقرة:217). ونظراً إلى ما قلناه فإنّ كلَّ إنسانٍ مؤمنٍ سيَرى ثوابَ أعماله الصّالِحَة في الآخرة خيراً كانت أو شراً، إلاّ إذا ارتدّ، أو كَفَرَ، أو أشرَكَ، فإنّ ذلك سيأتي على أعماله الصالِحَة ويقضي عليها كما دَلّ على ذلكَ الكتابُ والسُنّةُ. وفي الختام لابُدَّ من التذكير بالنقطة التالية وهي: أَنّ اللهَ سبحانه وتعالى وإنْ وَعَدَ المؤمِنين بالثواب على أعمالِهم الصالِحة، وفي المقابل أوعد على الاَعمال السيئة، ولكن "الوعدَ" و "الوَعيد" هذين يختلف أحدُهما عن الآخر في نظر العقل لاَنّ العَملَ بالوعد أصلٌ عقليٌ، والتخلّفَ عنه قبيح، لاَنّ في التخلّف عنه تضييعاً لِحقّ الآخرين، وإن كانَ هذا الحقُ مما أوجبَهُ الواعدُ، نفسُه على نفسه، وهذا بخلاف الوعيد فهو حق للمُوعِد وله الصفح عن حقه والاِعراض عنه ولهذا لا مانعَ مِن أن تستر بعضُ الاَعمالِ الصالِحة الحسنة قباحةَ بعض الاَعمال السيئة وهو ما يُسمّى بالتكفير7. وقد صَرَّحَ القرآنُ الكريمُ بكونِ بعضِ الاَعمال الصّالحة الحَسَنة مكفّرةً للاَعمال السَّيئة، وأحَد هذه الاَعمال هو اجتناب الشخص للذنوب الكبيرة:﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائرَ ما تُنْهَونَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنكُمْ سَيِئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾(النساء:31). وكذا يكونُ لاَعمالٍ أُخرى مثل التوبة8، وصدقة السر9وغير ذلكَ مِثل هذا الاَثر. الخلود في الجحيم خاصّ بالكفّار إنّ الخُلودَ في عذاب جهنّم خاصّ بِالكفّار، وأمّا المؤمنون العُصاة الذين أشرقت أرواحهم بنورِ التوحيد، فطريقُ المغفرة والخروج من النار غير مسدودة عليهم كما يقولُ اللهُ تعالى:﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمنَ يَشَاءُ وَمَن يُشْرِك بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾(النساء:48). إنّ الآيةَ المذكورةَ الّتي تخبرُ بِصراحة عَن إمكان المغفرة والعفو عن جميع الذنوب (ما عدا الشرك) ناظرة من دون شَكٍّ إلى أُولئك الّذين ماتُوا من دون توبة، لاَنّ جميعَ الذنوب والمعاصي حتى الشرك يشملُها العفوُ والغفرانُ إذا تابَ عنها الاِنسانُ. وحيث إنّ هذه الآية فَرَّقت بين المشرك وغير المشرك، وَجَب أن نقول: إنّها تحكي عن إمكان مغفرةِ من ماتوا من دونِ توبة. ومن الواضح أنّ مثلَ هذا الاِنسان إذا كان مشركاً لم يغفرِ اللهُ له، وأمّا إذا لم يكنْ مُشركاً فيمكنهُ أن يأمَل في عَفو اللهِ ويَطمع في غفرانه ولكن لا بشكلٍ قَطعيّ وحتميّ، إنما يحظى بالعفو والغفران من تعلَّقت الاِرادةُ والمشيئةُ الاِلَهيّةُ بمغفرته. فإنّ قَيْد "لِمنْ يَشاءُ" في الآية تضعُ العُصاة والمُذنبين بين حالَتي "الخَوْف" و"الرَّجاءِ" وتحثهم على التوقّي من الخطر وهو التوبة قبلَ الموت. ولهذا فإنّ الوَعدَ المذكور يدفع بالاِنسان على طريق التربية المستقيم، بإبعاده عن منزلَق "اليَأس" و"التجرّي". *العقيدة الاسلامية،آية الله جعفر السبحاني،مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ط1،ص243-254 1- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، 3:376. 2- لاحظ النساء:31. 3- الخصال للشيخ الصدوق، باب «الخمسةُ»؛ صحيح البخاري، 1:42؛ مسند أحمد، 1:301. 4- أوائل المقالات للشيخ المفيد ص 54 وكتب أُخرى. 5- صحيح مسلم: 3:54. 6- صحيح الترمذي: 4:42، باب ما جاء في شأن الصراط. 7- كشف المراد، ص 413، المقصد 6، المسألة 7. 8- لاحظ التحريم:8. 9- لاحظ البقرة:271. | |
| الشفاعة في القرآن
والسنة |
|
|
الشفاعة في الآخرة بصيص من الرجاء ونافذة من
الامل فتحتها الشريعة الاسلامية في وجه العصاة حتى لا ييأسوا من روح الله ورحمته
ولا يغلبهم الشعور بالحرمان من عفوه فيتمادوا في العصيان فالسبب في تشريع الشفاعة
هو عينه السبب في تشريع التوبة في الحياة الدنيوية وجلاء الحقيقة في الشفاعة يتم
بالبحث في الأُمور التالية: 1- تصنيف آيات الشفاعة وإرجاعها الى معنى واحد. 2- نقل نماذج مماورد من السنة عن النبي والعترة الطاهرة. 3- تبيين معنى الشفاعة وأقسامها. 4- مبررات تشريع الشفاعة. 5- شرائط شمول الشفاعة. 6- أثر الشفاعة وانه حط الذنوب لا رفع الدرجة. 7- تحليل الاشكالات المثارة حول الشفاعة وهي خمسة. 8- جواز طلب الشفاعة من الأولياء. الأمر
الأوّل: آيات الشفاعة
وتصنيفها
قد ورد ذكر الشفاعة في الكتاب الحكيم في سور مختلفة لمناسبات شتى. ولا يظهر المراد من المجموع الا بعرض بعضها على بعض وتفسير الكل بالكل والآيات الواردة في الشفاعة تندرج تحت الأصناف التالية: الصنف الأوّل: ما ينفي الشفاعة في بادئ الأمر. يقول سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(البقرة:254). وهذا الصنف من الآيات هو المستمسك لمن اعتقد بأنّ الشفاعة عقيدة اختلقها الكهان1 وسيوافيك ان المنفي قسم خاص منها لا جميع اقسامها بقرينة ان المنفي قسم من أواصر الخلة لا جميعها، بشهادة قوله سبحانه: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾(الزخرف:67). الصنف الثاني: ما يرد الشفاعة المزعومة لليهود. يقول سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾(البقرة:48). والآية خطاب لليهود، وهي تهدف إلى نفي الشفاعة المزعومة عندهم، حيث كانوا يقولون نحن أولاد الأنبياء وآباؤنا يشفعون لنا، فصار ذلك ذريعة لارتكاب الموبقات وترك الفرائض، فآيسهم الله من ذلك. الصنف الثالث: ما ينفي شمول الشفاعة للكفار. يقول سبحانه حاكياً عن الكفّار: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾(المدثر:46-48). وهذ الصنف ناظر إلى نفي وجود شفيع - يوم القيامة - للكفار الذين انقطعت علاقتهم بالله لكفرهم به وبرسله وكتبه كما انقطعت علاقتهم الروحية بالشفعاء الصالحين فلم يبق بينهم وبين الشفاعة أية صلة وعلاقة. الصنف الرابع: ما ينفي صلاحية الاصنام للشفاعة. يقول سبحانه:﴿وَمَا نَرى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾(الأنعام:94,ولاحظ يونس:18، الروم:13، الزمر:43، يس:23). وهذا الصنف يرمي إلى نفي صلاحية الأصنام للشفاعة، وذلك لأنّ العرب الجاهليين كانوا يعبدون الأصنام لاعتقادهم بشفاعتهم عند الله. الصنف الخامس: ما يخصُّ الشفاعة بالله سبحانه. يقول سبحانه:﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾(الأنعام:51، ولاحظ الأنعام:7، السجدة:4، الزمر:44). وكون الشفاعة مختصة بالله لا ينافي ثبوتها لغيره بإذنه كما يعرب عنه آيات الصنف السادس . الصنف السادس: ما يثبت الشفاعة لغيره بإذنه سبحانه. يقول سبحانه: ﴿يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾(طه:109). ويقول سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾(البقرة:255، ولاحظ يونس: 3، مريم87، سبأ:23، الزخرف:86). والجمع بين هذا الصنف وما سبقه واضح، وقد قلنا لأنّ مقتضى التوحيد في الخالقية أنه لا مؤثر في الكون الا اللّه، وأن تأثير سائر العلل انما هو على وجه التبعية لإرادته سبحانه. الصنف السابع: ما يسمي مَن تقبل شفاعته. ويتضمن هذا الصنف أسماء بعض من تقبل شفاعتهم يوم القيامة. يقوله سبحانه: ﴿وقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾(الأنبياء:26-28. ولاحظ النجم:26، غافر:7). فصرح بأن الملائكة وحملة العرش تقبل شفاعتهم. ويتحصل من جمع الآيات أن الشفاعة تنقسم الى شفاعة مرفوضة، كالشفاعة التّي يعتقد بها اليهود، وشفاعة الأصنام، والشفاعة في حق الكفار والى مقبولة وهي شفاعة الله سبحانه، وشفاعة من أذن له، وشفاعة الملائكة وحملة العرش، وبالاحاطة بالأصناف السبعة،تقدر على تمييز المرفوضة عن المقبولة. وليست آيات الشفاعة مختصة بالأصناف التّي ذكرناها، فان هناك آيات تخرج عن إطارها مثل قوله سبحانه:﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُودًا﴾(الاسراء:79). وقد أطبق المفسرون على أن المراد من المقام المحمود، هو مقام الشفاعة2. الأمرالثاني: الشفاعة في السّنة. لقد اهتم الحديث النبوي، وحديث العترة الطاهرة بأمر الشفاعة وحدودها وشرائطها وأسبابها وموانعها، اهتماماً بالغاً لا يوجد له مثيل الا في موضوعات خاصة تتمتع بالأهمية القصوى. وإذا لاخط المتتبع، الصحاح والمسانيد والجوامع الحديثية فانه يقف على جمهرة كبيرة من الأحاديث الواردة في الشفاعة،تدفع به الى الإذعان بأنها من الأُصول المسلّمة في الشريعة الاسلامية، ونحن نذكر النذر اليسير منها. 1- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لكل نبي دعوة مستجابة. فتعجل كل نبى دعوته، وإني اختبأت دعوتي، شفاعة لأُمتي، وهي نائلة من مات منهم لا يشرك بالله شيئا"3 . 2 - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "أُعطيت خمساً، وأعطيت الشفاعة، فادخرتها لأُمتي، فهي لمن لا يشرك بالله"4 . 3 - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي"4 . 4 - وقال علي عليه السَّلام: "ثلاثة يشفعون إلى الله عز وجل فيشفعون: الأنبياء ثم العلماء،ثم الشهداء"5. 5 - وقال الامام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السَّلام في كلام له: "اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وشرّف بنيانه، وعظّم برهانه، وثقّل ميزانه وتقبّل شفاعته"6. *الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني،مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ج4،ص337-341 1- لا حظ دائرة معارف القرن الرابع عشر،
ص 402، مادة شفع. 2- لاحظ مجمع البيان: ج 3، ص 435. 3- صحيح مسلم،ج 1،ص 130.وصحيح البخاري: ج 8 ،ص 33، وج 9، ص 170. وغير ذلك من المصادر. 4- صحيح البخاري: ج 1، ص 42، وص 119. ومسند أحمد: ج 1، ص 301. 5- من لا يحضره الفقية للصدوق: ج 3، ص 376. 6-" الخصال"،للصدوق، ص 142. 7- الصحيفة السجادية، الدعاء الثاني والأربعون. ومن أراد التبسط فعليه الرجوع الى المصادر التالية: كنز العمال، ج 4، ص 638 ـ 640. التاج الجامع للأُصول، ج 5، ص 348 ـ 360. بحار الأنوار، ج 8، 29 ـ 63، وقد أورد أحاديث الشفاعة في غير هذا الجزاء أيضاً. | |

| الشبهات المثارة حول
الشفاعة والرد عليها |
|
|
طرحت حول الشفاعة إعتراضات وشبهات، نتعرض في
هذا المقال إلى أهمها ونجيب عنها: الشبهة الأولى: إن هناك بعض الآيات القرآنية تدل على أنه في يوم القيامة لا تقبل شفاعة أحد، ومنها الآية (48) من سورة البقرة، حيث يقول: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾. الجواب: إن أمثال هذه الآيات، قد وردت في مقام نفي الشفاعة الباطلة والعشوائية التي لا تخضع لضابطة وقاعدة، والتي اعتقد بعض الناس بها، بالإضافة إلى ان هذه الآيات عامة، وتخصص بتلك الآيات التي تدل على قبول الشفاعة بإذن الله، والخاضعة لضوابط معينة. الشبهة الثانية: يلزم من هذه الشفاعة أن يخضع الله تعالى لتأثير الشفعاء، بمعنى: أن شفاعتهم توجب المغفرة، وهي فعل إلهي. الجواب: إن قبول الشفاعة لا يعني الخضوع لتأثير مؤثر، كما أن قبول التوبة وإستجابة الدعاء لا يلزم منه هذا اللازم الباطل، وذلك لأنه في جميع هذه الأمور تكون أفعال العباد موجبة لحصول القابلية لتقبل الرحمة الإلهية، وكما يعبر عنه إصطلاحا (أنها شرط لقابلية القابل وليست شرطا لفاعلية الفاعل). الشبهة الثالثة: اللازم من هذه الشفاعة أن يكون الشفعاء أكثر رحمة وشفقة من الله الرحيم!، وذلك لأن المفروض أنه لولا شفاعتهم لتعرض العصاة للعذاب، أو لخلدوا في العذاب. الجواب: إن شفقة الشفعاء ورحمتهم مقتبسة من الرحمة الإلهية اللامتناهية، وبعبارة أخرى: إن الشفاعة وسيلة وطريق جعله الله تعالى نفسه للعفو عن عبادة المذنبين. وفي الواقع، إنها تعبر عن أسمى مراتب الرحمة الالهية والتي تظهر وتتجلى في عباده الصالحين والمنتجبين، كما أن الدعاء والتوبة وسائل وطرق أخرى جعلها الله لقضاء الحوائج، أو العفو عن الذنوب. الشبهة الرابعة: إذا كان الحكم الإلهي بعذاب العصاة مقتضى العدالة، فيكون قبول الشفاعة في حق هؤلاء العصاة مخالفاً للعدل، وإذا كانت النجاة من العذاب وهي مقتضى قبول الشفاعة أمراً موافقاً للعدل، فيكون الحكم بالعذاب الذي كان صدوره قبل حصول الشفاعة حكماً مخالفاً للعدل. الجواب: إن كل حكم من الاحكام الالهية سواء الحكم بالعذاب قبل الشفاعة أو الحكم بالنجاة من العذاب بعدها موافق للعدل والحكمة، وموافقة هذين الامرين كليهما للعدل والحكمة، لا تعني الجمع بين الضدين، وذلك لاختلاف موضوعهما. توضيح ذلك: إن الحكم بالعذاب هو مقتضى وسبب من ارتكاب المعصية بغض النظر عن حصول الأمور والمقتضيات التي توجب تحقق الشفاعة وقبولها في حق العصاة، والحكم بالنجاة من العذاب إنما تم بسبب حصول تلك المقتضيات والأمور المذكورة وهناك نظائر كثيرة لتغير الحكم تبعاً لتغير قيد الموضوع في الأحكام والتقديرات التكوينية، وفي الأحكام والقوانين التشريعية، فعدالة الحكم المنسوخ بالنسبة لزمانه لا يتنافى وعدالة الحكم الناسخ في زمان ما بعد النسخ، وموافقة تقدير البلاء قبل الدعاء والصدقة للحكمة، لا تتنافى وموافقة رفعه بعد البلاء أو الصدقة للحكمة، والحكم بالعفو عن المعصية بعد الشفاعة كذلك لا يتنافى مع الحكم بالعذاب قبل تحقق الشفاعة. الشبهة الخامسة: إن الله تعالى اعتبر أتباع الشيطان سبباً في التعرض لعذاب النار، كما جاء ذلك في الآيتين (42) و (43) من سورة الحجر: ﴿إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ*وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وفي الواقع، إن تعذيب العصاة في الآخرة من السنن الالهية، ونحن نعلم أن السنن الإلهية لا تقبل التغيير والتبديل، كما جاء ذلك في الآية (43) من سورة فاطر: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. إذن فكيف تتغير هذه السنة الالهية في مجال الشفاعة؟ الجواب: إن قبول الشفاعة في حق المذنب المتوفر على شروطها، من السنن الإلهية التي لا تقبل التغير، وتوضيح ذلك: إن السنن الإلهية خاضعة لملاكات ومعايير واقعية، وكل سنة لا تقبل التغير، مع توفر مقتضياتها وشروطها الوجودية والعدمية، ولكن العبارات التي تدل على أمثال هذه السنن ليست في الغالب في مقام بيان جميع قيود الموضوع وشروطه المختلفة. ومن هنا، فهناك بعض الأمور التي تشملها ظواهر الآيات المرتبطة ببعض السنن المختلفة، مع أن مصداق الاية في الواقع أخص وتابع للملاك الاقوى. إذن فكل سنة ثابتة لا تقبل التغير مع ملاحظة القيود والشروط الواقعية لموضوعها (لا خصوص القيود والشروط المذكورة في العبارة)، ومن هذه السنن سنة الشفاعة، فهي ثابتة غير قابلة للتغير والتبديل، في خصوص عصاة مخصوصين، يتوفرون على شروط معينة، ويخضعون لضوابط خاصة. الشبهة السادسة: إن الوعد بالشفاعة يؤدي لجرأة الناس وتماديهم في إرتكاب المعاصي، والإنحراف عن الصراط المستقيم. الجواب: عن هذا الإعتراض الذي يبرز ايضا في مجال قبول التوبة، وتكفير السيئات، هو أن شمول الشفاعة والمغفرة لشخص مشروط بشروط لا يمكن للعاصي أن يتيقن بحصولها. ومن جملة شروط قبول الشفاعة لأحد احتفاظ المشفوع له بإيمانه حتى آخر لحظات عمره، ونحن نعلم أن أي احد لا يمكنه أن يتيقن بتحقق هذا الشرط . ومن جانب آخر، إن من ارتكب معصية، لو فقد كل امل ورجاء بالعفو والمغفرة، فإنه سوف يصاب باليأس والقنوط، ومثل هذا اليأس يؤدي إلى ضعف الباعث له على إجتناب المعصية ويدفعه أكثر إلى مواصلة الخطأ والإنحراف والتمادي فيه. ومن هنا، فان طريقة التربية عند المربين الإلهيين إبقاء الناس دائما بين حالتي الخوف والرجاء، فلا يبعثون فيهم الرجاء بالرحمة الإلهية إلى درجة يصابون معها بحالة (الأمن من المكر الإلهي) كما لا يثيرون فيهم الخوف من عذاب الله إلى درجة يبتلون معها بحالة (اليأس من الرحمة الإلهية)، ونحن نعلم أن هاتين الحالتين تعتبران من الكبائر. الشبهة السابعة: إن تأثير الشفاعة في النجاة من العذاب يعني تأثير عمل الآخرين (الشفعاء) في السعادة والخلاص من الشقاء بينما الآية الشريفة (وان ليس للانسان إلا ما سعى) تدل على أن سعي الشخص وجهده نفسه، هو الذي يوصله للسعادة. الجواب: إن سعي الشخص وجهده من أجل الوصول إلى الهدف المنشود تارة يتم بصورة مباشرة، ويستمر حتى نهاية الطريق، وأخرى، بصورة غير مباشرة ومع توفير المقدمات والوسائط، وأن الشخص الذي تشمله الشفاعة، يبذل ايضا جهدا، وسيعا في سبيل تحصيل مقدمات السعادة، وذلك لأن الإيمان، وتحصيل الشروط اللازمة لإستحقاق الشفاعة، يعتبر جهدا وسيعا في طريق الوصول للسعادة، وإن كان سعيا ناقصا وقاصرا ولذلك سيبتلى لفترة بمتاعب البرزخ وأهواله، ومواقف القيامة، ولكنه على كل حال قد غرس بنفسه جذور السعادة في قلبه، وهو الإيمان، وربما سقاها أحيانا بالأعمال الصالحة، حتى لا تجف حتى نهايات عمره. إذن فسعادته النهائية مستندة لسعيه وجهده، وإن كان للشفعاء تأثيرهم في حصول الثمرة لهذه الشجرة، كما هو الملاحظ في الدنيا، من وجود آخرين لهم تأثيرهم في هداية الناس وتربيتهم، ولكن تأثيرهم لا يعني نفي سعي الفرد نفسه وبذل جهده في هذا المجال. *دروس في العقيدة الاسلامية ،إعداد ونشر جمعية المعارف الاسلامية الثقافية.ط1،ص259-263 | |
| مبررات الشفاعة |
|
|
ربما يقال: إذا كان المنقذ الوحيد للإنسان يوم القيامة، هو عمله الصالح، كما هو صريح قوله سبحانه: ﴿وَ أَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنى﴾(الكهف:88) فلماذا جعلت الشفاعة وسيلة للمغفرة؟. والجواب عن ذلك: إنّ لتشريع الشفاعة مبررات عدة،نذكر منها اثنتين: الأول - الحاجة إلى رحمة الله الواسعة حتى مع العمل إن الفوز بالسعادة وإن كان يعتمد على العمل أشد الاعتماد، غير أنّ صريح الآيات هو أنّ العمل ما لم تنضم إليه رحمة اللّه الواسعة، غير كاف في إنقاد الإنسان من تبعات تقصيره. قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى﴾(النحل:61). وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة﴾(فاطر:45). الثاني - الآثار التربوية للشفاعة بالرغم مما اعترض على الشفاعة من كونها توجب الجرأة، وتحيي روح التمرد في العصاة والمجرمين، فإنّ الشفاعة تتسبب في إصلاح سلوك المجرم وإنابته والتخلّي عن التمادي في الطغيان. وتظهر حقيقة الحال إذا لاحظنا مسألة التوبة التّي اتفقت الأمة على صحتها، فإنه لو كان باب التوبة موصداً في وجه العصاة والمذنبين، واعتقد المجرم بأنّ عصيانه مرة واحدة يخلّده في عذاب الله، فلا شكّ أنّه يتمادى في اقتراف السيئات باعتقاد أنّ تغييره للوضع الّذي هو عليه لن يكون مفيداً في إنقاذه من عذاب الله، فلا وجه لأن يترك لذات المعاصي. وهذا بخلاف ما إذا وجد الجو مشرقاً، والطريق مفتوحاً، وأيقن أنّ رجوعه يغير مصيره في الآخرة، فيترك العصيان ويرجع إلى الطاعة. ومثل التوبة الاعتقاد بالشفاعة المحدودة (أي مع شروط خاصة في المشفوع له) فإذا اعتقد العاصي بأن أولياء اللّه قد يشفعون في حقه إذا لم يهتك الستر، ولم يبلغ إلى الحد الّذي لا تكون فيه الشفاعة نافعة، فعند ذلك،ربما يعيد النظر في مسيره، ويحاول تطبيق حياته على شرائط الشفاعة، حتى لا يحرمها. نعم، الاعتقاد بالشفاعة المطلقة المحررة من كل قيد، مرفوض في منطق العقل والقرآن. والمراد من المطلقة هو أنّ الأنبياء يشفعون للإنسان يوم القيامة، وإن فعل ما فعل، إذا عند ذلك يستمر ويتمادى في أعماله الإجرامية. وأما الشفاعة المحدودة بشرائط في المشفوع له والشافع، فلا توجب ذلك. ومجمل هذه الشروط أن لا يقطع الإنسان جميع علاقاته العبودية مع الله، ووشائجه الروحية مع الشافعين، ولا يصل تمرده إلى حد نسف جسور الارتباط بهم. | |
الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني،مؤسسة الامام الصادق عليه |
السلام.ج4،ص345-346 |
| شرائط شمول
الشفاعة |
|
|
إنّ الشفاعة المشروعة، هي الشفاعة المحدودة بحدود، وليس أمر الشفاعة فوضى بلا قيد وشرط، ونحن نذكر بعض شرائطها كما وردت في الروايات. 1- عدم الشرك بالله شيئاً قال رسول الله صلى الله عليه آله: "شفاعتي نائلة إن شاء الله من مات ولا يشرك بالله شيئا".1 2- شهادة الشهادتين بإخلاص قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا اللّه، مخلصاً، يصدق قلبه لسانه، ولسانه قلبه"2 . 3- عدم الغشّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "من غشّ العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي".3 4- عدم نصب العداء لأهل البيت عليهم السَّلام قال الإمام الصادق عليه السَّلام: "إنّ المؤمن ليشفع لحميمه، إلا أن يكون ناصباً، ولو أنّ ناصباً شفع له كل نبي مرسل وملك مقرب ما شفعوا"4 . 5- عدم الاستحفاف بالصلاة قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السَّلام: "لما حضر أبي الإمام الصادق قال لي: يا بني، إنه لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة"5 6- عدم التكذيب بشفاعة رسول الله قال علي بن موسى الرضا عليه السَّلام: "قال أمير المؤمنين علي عليه السَّلام: من كذّب بشفاعة رسول اللّه لم تنله"6. وغير ذلك من الشرائط التّي يجدها المتتبع في أحاديث الشفاعة من الفريقين. *الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني،مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ج4،ص346-348 1- مسند أحمد:ج 2،ص 426. 2- مسند أحمد، ج 2، ص 307، و 518، ولاحظ صحيح البخاري، ج 1، ص 36. 3- مسند أحمد،ج 1،ص 72، المراد من العرب المسلمون، لأن المسلمين يوم ذاك كانوا منحصرين في العرب. 4- ثواب الأعمال، للصدوق، ص 251. 5- الكافي، ج 3 ص، 270، و ج 6 ص 401. والتهذيب، للطوسي ،ج 9، ص 107. | |
| الإشكالات المثارة
حول الشفاعة |
|
|
هناك إشكالات مثارة حول الشفاعة ناشئة من قياس الشفاعة الواردة في الشريعة
الاسلامية بالشفاعة الرائجة بين الناس ولو عرف المستشكلون الاختلاف الماهوي بين
الشفاعتين، لما اجترأوا على إلقاء هذه الشبهات.
الاشكال الأوّل إنّ جميع المعاصي تشترك في هدم الحدود والجرأة على المولى فأي معنى لشمول الشفاعة لبعض ألوان الجرائم والمعاصي دون البعض الآخر؟ والجواب إنّ للجرم مراتب، كما ان المجرمين على درجات من النفسانيات والروحيات فلا يستوي من أحرق منديل أحد عدواناً بمن أحرق مصنعاً كبيراً له، وفرق بين شاب ينظر الى المرأة الأجنبية نظراً ممزوجاً بالسوء، وآخر يعتدي عليها بالعنف، فإذا اختلف الجرمان اختلف المجرمان من حيث النفسانيات والروحيات، وهناك مجرم قد حافظ على روابطه الايمانية مع الله وعلى علاقاته الروحية مع الشفيع بحيث لا يعد المجرم غريباً عن كلا المقامين، ومجرم قد قطع كلتا العلاقتين وصار أجنبياً عنهما فتشريع الشفاعة في حق الأوّل دون الثاني لا يعد تفريقاً في القانون. والّذي يوضح ذلك ان الله سبحانه فرق بين الذنوب، فقال بان الشرك لا يغفر الا مع التوبة واما غيره فيغفر وان لم تقع التوبة. قال سبحانه: ﴿إِنَّ
اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً﴾(النساء:48).
وأنت إذا أحطت بما ورد حول الذنوب من العقوبات المختلفة وتقسيمها الى كبائر وصغائر تقف على ان قبول الشفاعة في حق بعض دون بعض، ليس ترجيحاً بلا مرجح. الاشكال الثاني ان تشريع الشفاعة يجر إلى التمادي في العصيان، واستمرار المجرم في عدوانه رجاء غفران ذنوبه بالشفاعة 1. والجواب, اما نقضاً فبالوعد مع التوبة بل حتى مع عدمها، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ فلو كانت الشفاعة موجبة للتمادي، فليكن الوعد بالمغفرة مع التوبة بل مع عدمها في غير الشرك موجبة للتمادي أيضاً فالجواب هنا هو الجواب هناك. واما حلاً فالاشكال ينبع من تصور خاطئ وهو اعتقاد كون الشفاعة مطلقة غير مشروطة بشيء فيكون للانسان عند ذاك ان يفعل ما يريد تعويلاً عليها، ولكنك عرفت ان الشفاعة محدودة، وتشمل بعض العباد وهم الذين لم تنقطع علاقتهم بالله سبحانه وبأوليائه، ومثل هذه الشفاعة لا تبعث على الجرأة بل تبعث أملاً في نفس العاصي وتدفعه الى الاحتفاظ بعلاقته ولا ينسفها من رأس. ان الشفاعة التّي نطق بها القرآن ليست أمراً مطلقاً من كل قيد وشرط، فان الشفاعة مقيدة بإذنه سبحانه أوّلاً وكون المشفوع له مرضياً عند الله ثانياً، وليس من الممكن ان يذعن المجرم بانه ممن يشمله اذنه سبحانه ورضاه. قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾(البقرة:255). وقال سبحانه: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾(الأنبياء:28). فليس في وسع أحد أن يدّعي انه من العباد المرضيين، ثم يعتمد على ادعائه ويتمادى في العصيان. وهناك وجه آخر لكون الشفاعة محدودة، وهو ابهامها من حيث الجرم، فلا يعلم أي جرم تشمله الشفاعة وأيّه لا تشمله. كما أنها مبهمة من حيث وقت القيامة فللعصاة والطغاة مواقف مختلفة وهي مواقف رهيبة ومخيفة تهز القلوب ولم يعين وقت الشفاعة. وهذه الابهامات الثلاثة تصد المجرم عن الاعتماد على الشفاعة ليتمادى في المعصية وغاية ما يمكن ان يقال في الشفاعة أنها بصيص من الرجاء ونافذة من الامل فتحها القرآن في وجه العصاة حتى لا ييأسوا من روح الله. الاشكال الثالث ان الشفاعة لا تتحقق الا بترك الارادة وفسخها لطلب الشفيع رفع العقاب عن المشفوع له من غير فرق بين الحاكم العادل والحاكم الظالم غاية الأمر ان الحاكم العادل لا يقبل الشفاعة الا اذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به كأن أخطأ ثم عرف الصواب ورأى العدل في خلاف ما أراده او حكم به وأما الحاكم الظالم، فهو يقبل الشهادة لكن مع العلم بصواب الحكم الأوّل وكونه عدلاً لكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب عنده على العدالة وكلا النوعين محال على الله لأنّ إرداته تعالى على حسب علمه وعلمه أزلي لا يتغير.2 والجواب ان المستشكل لو أمعن في حقيقة الشفاعة التّي نطق بها القرآن والأحاديث لما جعل الشفاعة من هذ الباب. بل هي من واد آخر ومن باب تغيير الحكم لأجل تغيّر الموضوع فالخمر ما دام خمراً حرام، فاذا تبدل الى الخل يكون حلالاً ولا يعد الحكم الثاني ناقضاً للحكم الأوّل. ونظير ذلك العاصي والتائب فان العصيان حالة نفسانية في الانسان فله حكمه الخاص كما ان التوبة حاكية عن حالة نفسانية مغايرة للحالة الأُولى فلها حكمها الخاص والاختلاف في الحكمين لاجل الاختلاف في الموضوعين ولا يعد ذلك تبدلاً في العلم بل تبدلاً في المعلوم. وعلى هذا الاساس فالعاصي مجرداً عن انضمام الشفاعة اليه محكوم بالعقاب ولكنه - منضمة اليه الشفاعة - محكوم بحكم آخر من أوّل الأمر، واختلاف الحكمين لأجل اختلاف الموضوعين في الاطلاق والتقييد. وان شئت قلت: ان العاصي مجرداً عما يمر عليه في البرزخ من العذاب، وما يستتبع ذلك العذاب من الصفاء في روحه ومجرداً عن دعاء الشفيع في حقه، محكوم بالعقاب ولكنه - منضماً الى الضمائم الثلاث - محكوم بالمغفرة. وعلى ضوء هذا يتبين أنّ الشفاعة لا توجب اختلافاً في علمه وتغييراً في ارادته كما لا توجب ان يكون احد الحكمين مطابقاً للعدل والآخر مطابقاً للجور بل الحكمان صدرا من الأزل على موضوعين مختلفين من مصدر العدل تبارك وتعالى. الاشكال الرابع ليس في القرآن نص قطعي على وقوع الشفاعة وانما ورد الحديث بإثباتها3. ولعل نظر المستشكل الى ان الشفاعة مقيدة بإذنه سبحانه وارتضائه ولا دليل على انه يأذن ويرتضي فهو ممكن لا دليل على وقوعه. والجواب ان البحث عن الامكان والامتناع يناسب المسائل الفلسفية والكلامية البحتة واما المسائل التربوية كالشفاعة فالوعد بها مقيداً بالاذن، والارتضاء لا يهدف الا الى وقوعها في ذلك الاطار لا امكانها فيه، وذلك مثل قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ﴾(يونس:100)، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ﴾(آل عمران:145). على ان هناك قرائن تدل على وقوع الاستثناء وتحققه، منها: 1- انه سبحانه عبّر عن رضاه بالجملة الماضية وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾(الانبياء:28), وهو يدل على تحقق الرضا منه سبحانه في حق المشفوع له، ورضاه له لا ينفك عن تحقق اذنه للشفعاء. 2- وانه سبحانه أخبر بخبر قطعي عن شهادة من شهد بالحق، قال: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(الزخرف:86). وهذا يكشف عن تحقق المراتب المتقدمة عليه، من اذنه سبحانه له وارتضائه لمن يستحقها. وغير ذلك من القرائن التّي يستكشف منها كون الشفاعة وعداً مقطوعاً وقوعه. الاشكال الخامس الّذي ورد في اثبات الشفاعة، من الآيات المتشابهات، وفيه يقضى بمذهب السلف، بالتفويض والتسليم، ولا نحيط بحقيقتها، مع تنزيه اللّه تعالى جل جلاله عن المعنى المعروف للشفاعة في لسان التخاطب العرفي4 . والجواب قد تعرفت على أصناف الآيات الواردة في الشفاعة، وليس فيها آية مبهمة مستعصية على الفهم. وعلى فرض وجودها، يرفع أبهامها بآية أختها، أو بالأحاديث الواردة حولها. على أنّ ما ذكره المستشكل من أنّ مذهب السلف في المتشابهات هو التفويض والتسليم، مردود من رأس فانّ القرآن كتاب الهداية والتربية، نزل للفهم والعبرة، فلا معنى لقراءة الآيات وتفويض مفاهيمها التصديقيّة إلى اللّه، بل يجب رفع إبهام المتشابهات عن طريق المحكمات. نعم، هناك مفاهيم تصورية مبهمة، كحقيقة ذاته تعالى، وصفاته، وحقيقة الميزان
والحساب والجنة والنار، ولكنها مفاهيم تصورية خارجة عن موضوع البحث.
هذه جملة من الإشكالات، وبالاحاطة بها وبأجوبتها، تقدر على دفع ما لم نورده مما ذكروه5. وفي الختام، نشير الى أن مسألة الشفاعة مسألة اجماعية، اتفق عليها الفريقان، فلا تجد في كتاب كلامي الاّ التصديق بها. قال القاضى عيّاض: "مذهب أهل السنة هو جواز الشفاعة عقلاً، ووجوبها سمعاً بصريح الآيات، وبخبر الصادق، وقد جاءت الآثار التّي بلغت بمجموعها التواتر، بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمين، واجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة، عليها6". وقال الامام أبوحفص النسفي: والشفاعة ثابتة للرسل والأخيار في حق أهل الكبائر، بالمستفيض من الأخبار" 7. هل يجوز طلب الشفاعة؟ قد تعرفت على أنّ أصل الشفاعة أمر مفروغ منه، وأنّ المخلصين من عباده يشفعون يوم القيامة بعد اذنه وارتضائه، لكن يقع الكلام في جواز طلب الشفاعة من الأولياء في هذه النشأة. فذهب ابن تيمية وتبعه محمد بن عبدالوهاب - مخالفين الأمة الاسلامية جمعاء - الى انّه لا يجوز طلب الشفاعة من الأولياء في هذه النشأة ولا يجوز للمؤمن إلاّ أن يقول: اللّهم شفّع نبيّنا محمداً فينا يوم القيامة، ولا يجوز ان يقول: يا رسول اللّه، اشفع لي يوم القيامة. واستدلا على ذلك بوجوه لابأس بذكرها والاجابة عنها على وجه الاجمال. الوجه الأوّل: انّه من أقسام الشرك، أي الشرك بالعبادة، والقائل بهذا الكلام، يعبد الولي8. والجواب، إما نقضاً: فبأنّه لو كان طلب الشفاعة في هذه النشأة من الأنبياء والأولياء شركاً، لوجب أن لا يكون هناك فرق بين حياتهم ومماتهم، مع أنّ القرآن يدعو المؤمنين إلى أن يلجأوا الى حضرة الرسول في حال حياته ويطلبوا منه أن يستغفر لهم، يقول سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾(النساء:64). وليس طلب الاستغفار من النبي إلاّ طلباً للشفاعة، إذ ليس معنى قولنا: يا رسول اللّه إشفع لنا عند اللّه، إلاّ أدع لنا عند ربك بالخير والمغفرة. وإمّا حلاًّ فقد عرفت أنّ طلب شيء من أي شخص كان، إنما يعد عبادة، إذا اعتقد أنّه إله أو ربّ، إو أنّه مَفوّض إليه فعل الخالق وتدبيره وشؤونه وأما الطلب من الشخص بما أنّه عبد صالح محبوب عند اللّه، فلا يعدّ عبادة للمدعوسواء أكان نافعاً أولا. الوجه الثاني إنّ طلب الشفاعة من النبي يشبه عمل عبدة الأصنام في طلبهم الشفاعة من آلهتهم الكاذبة، وقد حكى القرآن ذاك العمل منهم، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ
مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ
شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾(يونس:18). وعلى ذلك فالاستشفاع من غيره سبحانه، عبادة لهذا الغير9. والجواب إنّ المعيار في القضاء ليس هو التشابه الصوري، بل المعيار هو البواطن والعزائم ولو صحّ ما ذكره لوجب أنْ يكون السعي بين الصفا والمروة، والطواف حول البيت، شركاً، لقيام المشركين به في الجاهلية، وقد عرفت أنّهم كانوا يطلبون الشفاعة من الأوثان باعتقاد أنّها آلهة أو أشياء فوّض إليها أفعال اللّه سبحانه من المغفرة والشفاعة. وأين هذا من طلب الشفاعة من الأنبياء والأولياء بما أنّهم عباد اللّه الصالحون. فعَطْفُ هذا على ذلك، جَوْر في القضاء، وعناد في الاستدلال. وأما الاستدلال بالآية الثانية، فهو ضعيف من وجهين الأوّل: إنّ الآية على خلاف ما يدّعيه أدلّ، لأنّ عطف ﴿وَيَقولونَ﴾، على قوله: ﴿وَيَعبدون﴾، دليل على أنّ العمل الثاني ليس عبادة، أخذاً بحكم العطف الدال على المغايرة. وبعبارة أخرى: إنّ المشركين كانوا يقومون بعملين، العبادة أوّلا، وقولهم هم شفعاؤنا، وطلب الشفاعة منهم ثانياً، وعلة اتّصافهم بالشرك هو الأوّل لا الثاني. الثاني: لو فرضنا أنّ الجملة الثانية، جملة تفسيرية للأُولى، فنقول: إنّ توصيف طلب الشفاعة من الأوثان بالعبادة لا يستلزم توصيف طلب الشفاعة من الأولياء بها أيضاً، لما عرفت من الاختلاف في العقيدة، وأنّ الشافعين كانوا عند عَبَدَةِ الأصنام آلهة، وعند المؤمنين عباداً صالحين، وأين هذا من ذلك؟! الوجه الثالث إن طلب الحاجة من غيره سبحانه حرام، فإن ذلك دعاء لغير اللّه، وهو حرام. قال سبحانه: ﴿فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾(الجن:18). ويدل على أنّ الدعاء في الآية عبادة، قوله سبحانه: ﴿ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾(غافر:60). فقد عبّر عن العبادة في الآية بلفظ"الدعوة" في صدرها، وبلفظ العبادة في ذيلها، وهذا يكشف عن وحدة التعبيرين في المعنى. وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم : "الدعاء مخ العبادة". والجواب إنّ القول بأنّ دعاء الغير في جميع الظروف مساوق للعبادة، شيء لا أساس له، وإلا يلزم أنْ لا يُسَجّل اسم أحد في سجل الموحدين، فإنّ الناس لا ينفكّون عن التعاون، واستعانة بعضهم ببعض، ودعوة الواحد منهم الآخر. وعلى ذلك فيجب أن يقال إنّ قسماً- فحسب - من الدعاء مساوق للعبادة، وهو دعاء الشخص بما أنّه إله، وبما أنّه رب، أو بما أنّه مفوّض إليه أفعاله سبحانه. فدعاؤه بهذه الخصوصيات، مساوق لعبادته. والآية ناظرة إلى هذ القسم من الدعاء بقرينة قوله ﴿مَعَ اللهِ﴾، معرباً عن أنّ الداعي يرى المدعو مشاركاً للّه سبحانه في مقام أو مقامات، ومن المعلوم أنّ الدعاء بهذه الخصوصية شرك بلا إشكال، والمشركون في الجاهلية، كانوا يسوون بين الأوثان ورب العالمين، ويدل عليه قوله سبحانه حاكياً قولهم يوم القيامة:﴿تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(الشعراء:97- 98). فأي كلمة أظهر من التعبير عن عقيدة المشركين في حق الأوثان بأنها كانت عندهم ورب العالمين، سواسية . فقياس دعوة الصالحين من الأنبياء والأولياء، بدعوة الأصنام والأوثان، قياس مع الفارق البالغ، لا يعتمد عليه إلا من سبق له الرأي في هذا المجال، ويريد التمسك بالطحلب والحشيش . الوجه الرابع إنّ الشفاعة حق مختص باللّه لا يملكه غيره، وعلى ذلك فطلبها من غير مالكها أمر غير صحيح، قال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا...﴾(الزمر:43 - 44). والجواب: إنّ المراد من قوله سبحانه: ﴿قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ليس أنّه هو الشفيع دون غيره، إذ من الواضح أنّه سبحانه لا يشفع لأحد عند الغير، بل المراد أنّه المالك لمقام الشفاعة دون غيره، فليس في الوجود من يملك المغفرة والشفاعة وغيرهما مما هو من شؤونه سبحانه، غيره. ولكن هذا لا ينافي أنْ يملكها الغير بتمليك منه سبحانه، وفي طول ملكه، كما هو صريح قوله سبحانه: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾(الزخرف:86)، فإن الاستثناء في قوله ﴿إلاّ﴾ يرجع إلى قوله: ﴿لا يَمْلكُ﴾. فتكون النتيجة أنّه يملك من شهد بالحق، الشفاعة، لكن بتمليك منه سبحانه: فهو المالك بالأصالة، وغيره مالك بالتمليك والعَرَض. وليس هذا مختصاً بالشفاعة المصطلحة بل الشفاعة التكوينية أيضاً كذلك، لأن الأثر الطبيعي لجميع الأسباب التكوينية، يرجع إليها لكن بتسبيب منه سبحانه، فلولا أنّه جعل النار حارة، والشمس مضيئة، والقمر نوراً، لا تجد فيها تلك الآثار. الوجه الخامس أنّ طلب الشفاعة من الميت أمر باطلٌ . والجواب: أنّ هذا آخر سهم في كنانة القائلين بحرمة طلب الشفاعة من أولياء اللّه الصالحين، والإشكال ناجم من عدم التعرف على مقام الأولياء في كتاب اللّه الحكيم. وقد عرفت أنّ القرآن يصرّح بحياة جموع كثيرة من الشهداء وغيرهم، كما عرفت أنّه يصرح بكون النبي شهيداً على الأمة في قوله سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً﴾(النساء:41). فهل تعقل الشهادة بدون الحياة، والاطّلاع على ما يجري بينهم من الأُمور، من كفر وإيمان وطاعة وعصيان؟. فلو كان النبي ميّتاً كسائر الأموات، فما معنى التسليم عليه في كل صباح ومساء، وفي تشهد كل صلاة: "السلام عليكَ أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته"؟ وما معنى خطابه بـ"عليك"؟. وحمل ذلك على الشعار الخالي والتحية الجوفاء، تأويل بلا دليل. وأما قوله سبحانه في حقّ الموتى ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾(النمل:80) فهو لا يدلّ إلا على أنّ الأموات المدفونين في القبور، لا يسمعوه ولا يفهموه، وأنّهم كالجماد، ولذلك شبّه المشركين بهم في عدم التعقل، وهو أمر غير منازع فيه، فأنّ الأبدان بعد الموت، جمادات محضة، من غير فرق بين جسد النبي وغيره. غير أنّ المؤمنين لا يطلبون الشفاعة من أجساد الصالحين وأبدانهم، بل يطلبونها من أرواحهم المقدسة الحية عند اللّه سبحانه، بأبدان برزخية. فالزائر القائل: "يا محمّد إشفع لي عند اللّه"، لا يشير إلى جسده، بل إلى روحه الزكية، غير أنّ الوقوف عند قبره الشريف يدفع له استعداداً لأن يتصل بروحه ويخاطبها. إلى هناتم عرض الإشكالات الضئيلة التي استدل بها على تحريم طلب الشفاعة من الأولياء، والإجابة عليها بما لا يدع مجالاً بعدها للشك في الجواز. *الإلهيات، آية الله جعفر السبحاني، مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ج4، ص350-362 2- المنار ج 1 ص 307 وقد تبنى مؤلفه هذا الاشكال وما يليه !!. 3- المنار ج 7 ص 370. 4- المنار، ج 1، ص 307 ـ 308. 5- راجع في الوقوف على سائر الاشكالات وأجوبتها، مفاهيم القرآن، ج 4، ص 246 ـ 256. 6- بحار الانوار، ج 8، ص 62. 7- شرح العقائد النسفية، ص 148 ولاحظ أنوار التنزيل للبيضاوي، ج 1 ص 152. ومفاتيح الغيب، للرازي، ج 3 ص 56 ومجموعة الرسائل الكبرى، لابن تيمية، ج 1، ص 403. وتفسير ابن كثير، ج 1 ص 309. وغير ذلك من المصادر. 8- الهدية السنية، ص 42. 9- كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب، ص 6. | |