أيها الكرام: لقد ظلمَ فِئامٌ من الناسِ القناعةَ ،
فحسِبوها الرضَا بالدُّون ،
فعمُوا و صمُّوا و ضعُفَت هِمَمهم عَن طلب معالي
الأمورِ ، و عَلَت هِمَّتهم في تمجيدِ الفقر و الجوع
.
و هؤلاء و إن كانوا هم القِلَّةَ في المجتمعات
في
سائر العصور إلا أنهم يَرفعون عقِيرَتَهم بهذا أحيانًا كثيرة
.
و قد رأى الفاروقُ رضي الله عنه
قومًا قابعين في رُكن المسجد بعدَ صلاة الجمعة ،
فسألهم : من أنتم ؟ قالوا : نحن
المُتوَكِّلون على الله ، فعَلاهم عمر رضي الله عنه بدِرَّته و
نَهَرَهم ،
و قال : لا يَقعُدنَّ أحدُكم
عن طلب الرزق ، و يقول : اللهم ارزقني ،
و قد علِمَ أن السماءَ لا تُمطِرُ
ذهبًا و لا فضّة،
وإن الله يقول
:
{
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا
مِن فَضْلِ اللَّهِ
}
[الجمعة: 10]
.
و كان سفيانُ الثوريّ رحمه الله
يمُرُّ ببعض الناس و هم جلوسٌ بالمسجدِ الحرام ،
فيقول : ما يُجلِسُكم ؟ قالوا : فما
نصنَع ؟! قال : اطلُبوا من فضلِ الله ،
و لا تكونوا عيالاً على المسلمين
.
إنَّ المسلمَ السعيدَ هو الذي تعتدِل
أمامَه مَسالكُ الحياةِ في طلبِ الرزق ،
فيعمَل و يتصبَّب منه عَرَقُه
ليتطهَّر من فَضَلات الكسَل و جمودِ النفس ،
و يَكسِب الكسبَ الحلال الطيب ؛ إذِ
المسلم ليس عابداً في مُعتَكَف أو راهبًا في دَيْر
لا عملَ له و لا كَسب ؛ لأنّ الإسلام
لا يعرف المؤمنَ إلا كادحًا عاملاً في هذه الحياة
،
آخِذًا منها ، مُعطِيًا لها
،
{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً
فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ
النُّشُور
}
[الملك: 15] .
معاشر الأحبة : لقد تعوَّذ النبيُّ صلى الله عليه و سلم من الفقرِ، و
أمرَ بالتعوُّذ منه ؛
لأنَّ الإسلامَ يريد من أهلِه أن يكونوا أقوياءَ
أغنياءَ ، لا مهازيل ضعفاء ،
و
معنى أن يكونوا أغنياء أي : ليسوا عالةً يتكفَّفون الناس ، فالإسلامُ
لا يريد الفقرَ المُذِلَّ لأتباعه ،
كما أنه لا يريد الغِنى المُطغِي بصاحبه ، فلا
هو مع الكسول المُحتال باسمِ التكسُّب ،
و
لا هو مع الذين يُحبُّون المال حُبًّا جمًّا ، يُعميهم عن دينهم و
أخلاقهم .
ثم إنَّ المالَ غادٍ و رائح ، و
مُقبِلٌ و مُدبِر ، يغتني بحصولِه أقوامٌ ، و يفتقر بعدَمه آخرون
،
{
وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَادِّي رِزْقِهِمْ
عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء }
[النحل: 71]
.
و ما على العبدِ المؤمن إلاَّ أن
يبذُل الأسباب ، و يبتغي عند الله الرزق ،
فلا يدرِي أينَ خبَّأ الله له رزقَه
، فمصادرُ الرزق ليسَت سواءً ،
و الناسُ يتناوبون على معايِشِ
الحياةِ ، و يطلبونها على صورة تناوُبٍ لا يقدِر عليه إلا الله
سبحانه ،
{
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم
مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا
وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون }
[الزخرف: 32]
.
عباد الله : لقد قسَم الله جلّ و علا المعاشَ و قدَّر
الأرزاق ،
و
الناسُ أجمعون لا يملِكون عطاءً و لا منعًا ، و إنما الناس وسائط ،
فما أعطوك فهو بقدَر الله ،
و ما منَعوك فهو بقدَر الله ، و ما كانَ لك
فسَوف يأتيكَ علَى ضَعفك ،
و
ما كان لغَيرك فلن تناله بقوّتك ،
{
وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب
}
[الحج: 73]
.
روى الإمامُ أحمد عن رَجلين من
الصحابةِ دَخلا على النبيِّ عليه
الصلاة و السلام
فأعاناه على شيءٍ كان يُصلِحُه
،
فقال لهما صلى الله عليه و سلم
:
( لا تيأسا من الرّزق ما تهزَّزَت رؤوسكما ؛
فإنّ الإنسانَ تلِدُه أمّه أحمَر ليس عليه قِشرة ، ثم
يرزقه الله عز و جلّ ) .
معاشر المؤمنين : و مسألة الرزق أدقُّ من أن يفهمَ
الناس أغوارها ،
و
أعظمُ من أن يُدرِكوا حِكَمَ الله فيها ؛ فالله هو الرّزّاق ذو القوة
المتين .
فمنَ الناس من لم يُكتَب له رزقُه إلاّ في أعماقِ
البحار ،
و
منهم من كُتب رزقه في الهواء بين السماء و الأرض ،
و
منهم من يجد لقمة عيشه مخبوءةً تحت الأرض في كسرِ صخر صلدٍ كأصحاب
المناجم .
و
العجبُ كلّ العجب فيمن رزقُه كامِنٌ بين فكَّي الأسودِ و هو
مُروِّضُها ،
أو
بين أنيابِ الفِيَلة و هو يسُوسُها .
هل
لنا ـ عبادَ الله ـ أن نتصوَّر أرزاقَ أناسٍ مَرهونةً بما يصيب الناس
من أمراض خبيثة ؟!
عافانا الله و إياكم ، أليس لهذه الأمراض طبيب ؟! أليس
لها حقن و أدوية ؟!
أليس رِزق هذا الطبيب و ذلك المُمرِّض مرهونًا بمثل
هذه الأمراض الخبيثة ؟!
أفلا نعلم أنّ من الناس من قوتُه مرهون بالبرد القارِس
ليبيعَ مدفأةً أو مِلحَفة ،
أو
مَن قوتُه مُناطٌ بالحرّ الشديد ليبيع ثلجًا أو آلة تبريد ؟!
أليس هناك من رزقُه مرتبط بفرَح زوجٍ و زوجة ليُؤجِّر
لهما وسائل الفرح ؟!
أليس هناك مَن رزقُه قائم على أتراحِ الناسِ و أحزانهم
، فيحفر قبرًا لفلان أو يبيع كفنًا له
؟!
إنها حكمة الله و عظمتُه و تسخير
عبادِه بعضهم لبعض ،
{ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
}
[المائدة: 1]
.
و المؤمِنُ الحقّ هو الراضي بما قسَم
الله لَه مِن رزقٍ ،
و هو المُوقِنُ بعَدل الله فيما قسَم
من أرزاقٍ لحكمةٍ يعلمها سبحانه ،
{
وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء }
[البقرة: 255]
.
ذَكَر ابن الجوزيّ رحمه الله عن ابن
الرّاوندي الضالّ الذي اشتهَر بالذكاء في القرن
السادس
الهجري أنه قد جاعَ يومًا و
اشتدَّ جُوعُه ، فجلس على الجِسر و قد أمضَّه الجوع ،
فمرَّت خيلٌ مُزيَّنةٌ بالحريرِ و
الدِّيباجِ ، فقال : لمن هذه ؟ فقالوا : لعليّ بن بلتَق غلامِ
الخليفة ،
فمرَّت جوارٍ مُستحسَنات ،
فقالَ : لمن هذه ؟ فقالوا: لعليّ بن بلتَق غلامِ الخليفة ،
فمرَّ به رَجلٌ فرآه و عَليه أثَر
الضُّرُّ ، فرمى إليه رَغيفين ، فأخذهما و رمَى بهما ،
و قال : هذه الأشياءُ لعليّ بن بلتَق
و هذان لي ؟!
و ما علِم أنه بهذا الاعتراض أهلٌ
لهذه المجاعة .
قال الحافظ الذهبيّ رحمه الله
:
" فلعَن الله الذكاءَ بلا إيمان ، و رضيَ الله عن
البلادَة مع التقوَى " .
فالرزق ـ عباد الله ـ لا يُرَدُّ إلى كياسة المرء و
عقله ، فربما رأينا أكيَسَ الناسِ قد أفنى عمرَه
في
الكسب قد يفوقه في الغنى من هو أجهلُ منه و أقلّ عقلاً و ذكاءً ،
فما
الذكاء سببًا في الغنى ، كما أنّ الفقر ليس سببه الغباء
،
{
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون }
[سبأ: 36]
.
ألا
فاتقوا الله عباد الله ، و رحِمَ الله عبدًا كسبَ فتطهَّر ، و اقتصَد
فاعتدَل ،
و
ذكَر ربَّه و لم ينسَ نصيبَه من الدنيا ، و يا خيبةَ من طغى مالُهُ و
رزقُه علَيه ،
و
أضاعَ دينَه و كَرامتَه ، و كان من
الذين
قال الله سبحانه و تعالى فيهم
:
{
وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا
وَتَرَكُوكَ قَائِمًا
}
[الجمعة: 11]
.
بارَك الله لي و لكم في
القرآنِ العظيم ، و نفعَني و إيّاكم بما فيه من الآيات و الذكرِ
الحكيم ،
قد قلتُ ما قلتُ ، إن
صَوابًا فمنَ الله ، و إن خطأً فمن نفسِي و الشيطان ،
و أستغفروا الله إنه كان
غفَّارًا .