الركن الخامس : ( الإيمان باليوم الآخر ) .
الباب الثالث : ( القيامة الكبرى ) .
الفصل الرابع : ( حشر الخلائق و صفته ) .
المبحث الرابع : ( صفة حشر الخلق و أنهم على صور شتى ) .
( ثانياً )
يحشر بعض الناس ( و هم الكافرون ) و هم يسحبون في المحشر
على وجوههم ،
و كم يستغرب كثير من الناس هذه الحال ؛ لأنهم في الدنيا
لم يعرفوا تلك الحال ،
و لم يتصوروا وقوعها ، و مع أنها حالة غريبة لكنها غير
منفية لا عقلا و لا نقلا .
فأما العقل فإنه لا ينفي وقوعها ، و ذلك إذا علمنا أن
قدرة الله على كل شيء أمر هين ،
فإن الذي أمشى هؤلاء على الرجلين له القدرة على أن يمشيهم
على وجوههم ،
بل لو أراد الله ذلك لحصل في الدنيا فضلا عن الآخرة
.
و مصداق ذلك ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه كما في
الصحيحين :
أن رجلا قال : يا نبي الله ، كيف يحشر الكافر على وجهه ؟
،
قال عليه الصلاة و السلام
:
( أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا
قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة )
.
قال قتادة : بلى و عزة ربنا .
(1)
و معلوم أن أمر الآخرة و أحوالها غير أمر الدنيا و
أحوالها ،
فكل شيء في الآخرة جديد ولا عهد للناس به ، فهي حياة أخرى
لها مميزات و كيفيات لا توجد في الدنيا ،
و ليس على الله بعزيز في أن يمشي الكافر على وجهه ،
إذ لو أراد الله ذلك في الدنيا لكان حاصلا فيها ،
و لكان أمرا مألوفا كما هو الحال في المشي على
الرجلين .
و لله تعالى فوق هذا كله حكم قد ندركها ، و قد لا ندركها
، فإن الكافر في الدنيا كان ذا عتو و استكبار ،
يمشي على رجليه متبخترا معتزا بنفسه ، لا يحني رأسه
لشيء غير هواه ،
فلا يعرف التواضع لله في شيء ، بل كان يستنكف من السجود
لربه و الخضوع له .
و هذا ما ذهب إليه ابن حجر في بيان حكمة هذا المشي حين
قال :
و الحكمة في حشر الكافر على وجهه : أنه عوقب على عدم
السجود لله في الدنيا ،
بأن يسحب على وجهه في القيامة ؛ إظهارا لهوانه ،
بحيث صار وجهه مكان يده و رجله في التوقي عن المؤذيات .
(2)
(1) رواه البخاري و مسلم .
(2) فتح الباري .
و الله تعالى أعلى و أعلم و
أجَلَّ