|
لقد طلب الله من المكلَّفين أن يستغفروه بعد كل عمل صالح، فقال للرسول صلى الله عليه وسلم في آخر عمره: ((إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)). وقال سبحانه وتعالى للحجيج بعد أن قضوا مناسكهم وانتهوا من أعمال حجهم: ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ)). فواجبك، أخي المسلم: أن تعود إلى الملك العلاَّم، وأن تختم هذه الساعات القريبة الوجيزة التي بقيت من عمرك بالاستغفار والتوبة، لعل الله أن يقبلك فيمن قبل، وأن يعفو عنك فيمن عفا عنه، وأن يردك سبحانه وتعالى إليه. فإن الأنبياء عليهم السلام سلفاً وخلفاً، استغفروا الله عزّ وجل على حسناتهم وبرّهم وعلى صلاحهم. قال نوح عليه السلام لقومه: ((فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)). وقال آدم وزوجه لما أذنبا: ((رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)). وقال هود عليه السلام لقومه: ((وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)). وقال سليمان عليه السلام، وقد رأى ملكه، وجيشه: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي)). وقال إبراهيم عليه السلام، في آخر عمره: ((وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)). والله عزّ وجل وعد المستغفرين، أن لا يأخذهم بنقمته في الدنيا إذا استغفروا الله فقال: ((وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)). ونادى الله الناس جميعاً فقال: ((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)). وقال مادحاً سبحانه وتعالى من استغفر يوم يذنب، ومن تاب يوم يسيء، ومن راجع حسابه من الحي القيوم فقال: ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا الله وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)). ومن صفات الله عزّ وجل الحسنى أنه ((تَوَّابٌ رَحِيمٌ))، ((وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)). وقال لبني إسرائيل: ((أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ)). وقال سبحانه وتعالى مخبراً أن من اجتنب الكبائر، غفر الله له الصغائر فقال: ((إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا)). وقال جلَّ ذكره: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَحِيمًا)). وقال سبحانه وتعالى: ((وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُورًا رَحِيمًا)). فسبحان من بسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وسبحان من بسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها. والله يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم) . متى يتوب من لا يتوب الآن؟ ومتى يعود إلى الرحمن من لا يعود الآن؟ ومتى يراجع حسابه مع الواحد الديَّان من لا يراجع حسابه الآن؟ ينسلخ الشهر تلو الشهر، ولا يُنسى الذنب، ولا تسارع في فكاك رقبتك من النار. أليس من الحسرة والندامة أن يعفو الله عن مئات الألوف، ثم لا تكون منهم؟ فسارع -أخي- بفكاك رقبتك من النار، واغتنم كثرة الصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكثرة التوبة والاستغفار، وبادر بالحسنات. إذا عُلم ذلك -عباد الله- فأوصي نفسي وإياكم بالتوبة النصوح، وكثرة الاستغفار، ورفع يد الضراعة إلى الحي القيوم، لعل الله أن يغفر. فوالله، ليس لنا من الأعمال ما نتقدَّم به إلى الله، فكل أعمالنا خطيئة وذنب، وكلنا فقر ومسكنة، وكلنا عجز وتقصير. فنحن نخشى من أعمالنا أن يشوبها الرياء والسمعة فيبطلها الله. إن فعلنا من الحسنات فقد قابلها، سبحانه وتعالى، بنِعَم مِدرارة غزيرة لا نقوم بشكرها أبداً. يظن بعضنا يوم يصلِّي ساعة، أو يقرأ ساعة، أو يذكر الله ساعة أنه فعل شيئاً عظيماً. فأين ساعات النعيم؟ وأين ساعات الأكل والشرب؟ وأين ساعات اللهو واللعب؟ وأين ساعات الفرح، والمرح، والذهاب، والمجيء؟ فيا من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيّاً.. الله، الله، في استغلال الأوقات بما ينفع عند علاّم الغيوب، لعل الله أن يختم لك بخير. فسبحان من بسط ميزان العدل للعادلين، وسبحان من نشر القَبول للمقبولين، وسبحان من فتح باب التوبة للتائبين. فمن مُقبل ومُدبر، ومن سعيد وشقي، ومن تائب وخائب. فنسأل الذي بيده مفاتيح القلوب أن يفتح على قلوبنا وقلوبكم، وأن يعتق رقابنا ورقابكم من النار، وأن ينقذنا من عذاب جهنم، وأن يجعلنا ممن قَبِل صلاته، وصيامه، وقيامه، وذكره، وتلاوته. ربنا وتقبل منَّا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
منقول من موقع شبكة الاسلام للشيخ عائض القرني حفظه الله
|